سياسة

استقصاء جسر بريس | من وكالة الأنباء الجزائرية إلى «الخبر» و«النهار».. كيف تحولت مهاجمة المغرب إلى حملة إعلامية موحدة؟ 12 مادة في 72 ساعة

جسر بريس 10 دقائق للقراءة
Jisrpress

ي

لم يكن تعثر مجلس الأمن الدولي في اعتماد المشروع الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، إثر استخدام روسيا حق النقض، مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل لحظة سياسية دقيقة كان يفترض أن تدفع المؤسسات الإعلامية إلى قراءة التحولات التي يشهدها الملف، وتحليل تداعياتها على مستقبل التسوية السياسية، ومناقشة الموقف المغربي الذي جاء في أعقاب صدور البلاغ الملكي، بما حمله من رسائل واضحة بشأن المرحلة المقبلة ومبررات استمرار بعثة المينورسو.

غير أن ما كشفته بعض المنابر الجزائرية عقب هذه التطورات كان بعيدا عن مستوى النقاش السياسي المنتظر، بعدما اختارت الانزلاق إلى خطاب هجومي اتخذ من المغرب ومؤسساته هدفا للتجريح، ومن السخرية وسيلة لتوجيه الرأي العام، في مشهد يثير تساؤلات جدية حول الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي والدعاية السياسية، وحول مدى احترام بعض المؤسسات الإعلامية الجزائرية لأبسط قواعد التحقق والمسؤولية المهنية.

وفي قلب هذه الواقعة، برزت وكالة الأنباء الجزائرية بمادة حملت عنوان «مسرحية برلمانية مغربية هزلية»، وهو عنوان يكشف منذ الوهلة الأولى طبيعة المقاربة التي اعتمدتها الوكالة، إذ لم يتجه إلى تقديم قراءة سياسية موضوعية للمؤسسة التشريعية المغربية، ولم يفتح نقاشا حول طبيعة صلاحياتها أو موقعها داخل النظام السياسي، بل اختار لغة ساخرة ومشحونة بالأحكام المسبقة، في محاولة لتحويل التطورات السياسية إلى مادة للتجريح والتشهير.

والخطير في هذه الواقعة ليس مجرد اختلاف وكالة رسمية مع الموقف المغربي، فذلك يدخل ضمن حق المؤسسات الإعلامية في التعبير عن وجهات نظرها، وإنما يكمن في طبيعة المادة المنشورة، وما تضمنته من نعوت شخصية واتهامات غير مسندة بصورة واضحة، فضلا عن ادعاءات تتعلق بالبرلمان المغربي يمكن اختبارها مباشرة بالرجوع إلى الوثيقة الدستورية التي تحدد بنيته واختصاصاته.

فحين تنشر وكالة رسمية مادة تتناول مؤسسة دستورية لدولة أخرى، فإن مسؤوليتها المهنية لا تتوقف عند نقل موقف سياسي أو التعبير عن رأي، بل تشمل التحقق من المعلومات التي تقدمها، واحترام الفارق بين النقد والاتهام، وبين التفسير السياسي والادعاء الذي يمكن أن يكون خاطئا بصورة مباشرة.

وهنا تبدأ القضية الحقيقية التي يستحقها هذا التحقيق: كيف يمكن لوكالة أن تقدم نفسها مصدرا للأخبار، بينما تتضمن مادتها ادعاءات تتعارض مع نص دستوري منشور، ثم تنتقل هذه الادعاءات إلى منابر أخرى دون أن تظهر مراجعة مهنية واضحة؟

إن العودة إلى دستور المملكة المغربية لسنة 2011 تكشف أن البرلمان يتكون من مجلسين، هما مجلس النواب ومجلس المستشارين، وفقا للفصل 60، كما يحدد الفصل 70 اختصاصات البرلمان في ممارسة السلطة التشريعية ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية، فيما ينظم الفصل 68 الاجتماعات المشتركة لمجلسي البرلمان في الحالات التي ينص عليها الدستور.

وبالتالي، فإن وجود غرفتين للبرلمان المغربي واختصاصاته الأساسية ليست مسألة تخضع للتأويل السياسي أو للروايات الإعلامية المتنافسة، بل مقتضيات قانونية واضحة يمكن لأي صحفي أو قارئ التحقق منها بالرجوع إلى النص الدستوري.

ومن حق أي مؤسسة إعلامية أن تنتقد أداء البرلمان المغربي، وأن تناقش حدود استقلاليته أو فعالية عمله أو طبيعة علاقته بالسلطة التنفيذية، لكن إنكار بنيته الدستورية أو تقديم معلومات مخالفة للنص المنشور يخرج من دائرة الرأي السياسي إلى دائرة المعلومة التي تستوجب التصحيح.

فالدستور لا يتغير بتغير المواقف السياسية، والوقائع القانونية لا تصبح قابلة للتشكيك لمجرد أن المؤسسة المعنية توجد في المغرب.

وإذا كانت وكالة الأنباء الجزائرية قد قدمت بالفعل ادعاءات تنفي وجود غرفتين للبرلمان المغربي أو تشكك في صلاحياته التشريعية، فإن ذلك يضع مادتها أمام اختبار واضح، يتمثل في ضرورة تحديد العبارات الدقيقة التي وردت فيها، ومقارنتها بالنص الدستوري، ثم مساءلة المصدر عن الأساس الذي اعتمد عليه في تقديم تلك المعلومات.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن البرلمان المغربي ضد النقد، بل بالدفاع عن حق القارئ في الحصول على معلومة صحيحة، وعن حق المؤسسات في أن تكون موضع مساءلة بناء على الوقائع، لا بناء على حملة من الأحكام المسبقة.

وتزداد خطورة هذه الواقعة عندما ننتقل من المادة الأصلية إلى مسار تداولها في المنابر الجزائرية الأخرى، حيث تشير المعطيات الأولية المتاحة إلى إعادة نشر مضمونها أو تلخيصه في عدد من الصحف والمنصات، من بينها «الخبر» و«النهار» و«النصر» و«البلاد» و«الحياة» و«ألجيريا 54».

وهنا يطرح التحقيق سؤالا أساسيا حول طبيعة المعالجة التحريرية التي اعتمدتها هذه المنابر، ومدى اكتفائها بنقل الرواية الأصلية دون مراجعة الادعاءات الواردة فيها، أو تقديم مصادر مستقلة، أو إضافة سياق سياسي يساعد القارئ على فهم التطورات التي أعقبت تعثر المشروع الأمريكي في مجلس الأمن.

فإذا كانت المؤسسات الإعلامية المذكورة قد اكتفت بإعادة إنتاج المادة أو تلخيصها، فإن ذلك يثير تساؤلات حول استقلالية المعالجة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمضمون يتضمن اتهامات أو معلومات يمكن التحقق منها بالرجوع إلى مصادر رسمية.

لكن من الضروري التمييز بين إعادة النشر المباشر، والاقتباس، والمعالجة المستقلة، لأن التشابه في العناوين أو المواقف لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق مركزي أو توجيه سياسي موحد.

إن التحقيق الجاد لا يقوم على إطلاق الاتهامات، بل على تتبع مسار المعلومة، ومقارنة النصوص الأصلية، وفحص توقيت النشر، وتحديد مدى تطابق العبارات والادعاءات، والتحقق مما إذا كانت المنابر قد أضافت مصادر جديدة أو اكتفت بتكرار مضمون الوكالة.

ومع ذلك، فإن إعادة تداول الادعاءات نفسها دون مراجعة واضحة، إذا ثبتت من خلال المقارنة النصية، تكشف عن مشكلة مهنية حقيقية، لأن تعدد المنابر لا يعني بالضرورة تعدد مصادر المعلومات، كما أن تكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة.

وفي هذا السياق، يكتسب الرصد الأولي الذي أجرته جسر بريس أهمية خاصة، بعدما أمكن تسجيل اثنتي عشرة مادة متميزة على الأقل تتناول المغرب أو الصحراء المغربية خلال الفترة الممتدة من 30 أكتوبر إلى فاتح نونبر 2026، ضمن الساعات الاثنتين والسبعين الأخيرة.

وهذه الحصيلة تمثل الحد الأدنى للمواد المرصودة، وليست إحصاء شاملا لجميع المؤسسات الإعلامية الجزائرية أو مواقعها الإلكترونية أو حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، لكنها تكشف كثافة حضور المغرب في الخطاب الإعلامي خلال فترة سياسية حساسة، وتفتح المجال أمام دراسة مدى اعتماد هذا المحتوى على مصادر مشتركة.

فما نسبة المواد التي استندت إلى وكالة الأنباء الجزائرية؟ وكم منها أعاد نشر مضمون سبق تداوله؟ وهل ظهرت الادعاءات ذاتها في عناوين متقاربة؟ وهل قدمت المنابر معلومات مستقلة أو اكتفت بتكرار الرسالة الأصلية؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد الانطباعات، بل تحتاج إلى مقارنة موثقة للمواد المنشورة، غير أن أهميتها تكمن في أنها تكشف عن ضرورة إخضاع الخطاب الإعلامي المتعلق بالمغرب لمعايير التحقيق نفسها التي يخضع لها أي محتوى سياسي يراد تقييم مصداقيته.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحا عندما نضع هذه المواد في سياق التطورات التي شهدها ملف الصحراء المغربية، حيث كان من المفترض أن يشكل تعثر المشروع الأمريكي في مجلس الأمن، إثر الفيتو الروسي، مناسبة لمناقشة مواقف القوى الدولية، وحدود الاختلاف بينها، ومستقبل بعثة المينورسو، والرسائل التي حملها البلاغ الملكي بشأن المرحلة المقبلة.

لكن بعض المنابر اختارت تحويل النقاش إلى معركة ضد البرلمان المغربي، بما جعل المؤسسة التشريعية موضوعا للتهجم بدل أن تكون جزءا من تحليل سياسي متكامل.

وهنا يتضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بنبرة الخطاب، بل بمدى ارتباط المادة المنشورة بالحدث الذي يفترض أنها تعالجه، وبقدرتها على تقديم تفسير حقيقي للتطورات بدل الهروب إلى عناوين تستهدف الخصم.

إن استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي لا يعني تلقائيا انتصارا كاملا لأي طرف، كما أن تعثر المشروع لا يلغي التحولات السياسية التي أعقبت البلاغ الملكي، ولا يجعل مستقبل المينورسو مسألة يمكن اختزالها في خطاب هجومي ضد المغرب.

وكان المنتظر من الإعلام أن يشرح للقارئ طبيعة المرحلة المقبلة، وأن يميز بين نتائج التصويت، ومواقف الدول، والتطورات المرتبطة بالملف، وأن يقدم معلومات موثقة تساعد على فهم ما جرى.

أما تحويل الحدث إلى مناسبة للتهجم على المؤسسات المغربية، فإنه لا يقدم إجابة عن الأسئلة الأساسية، بل يساهم في نقل النقاش من الوقائع إلى الخصومة.

وتبرز في هذا السياق مسألة أخرى تتعلق بإقحام أسماء أشخاص وإسناد أدوار سياسية إليهم دون تقديم أدلة واضحة، وهي ممارسة تثير إشكالات مهنية عندما تتحول إلى وسيلة للشخصنة والتجريح بدل مساءلة المواقف والقرارات.

فالصحافة تستطيع نقد المسؤولين ومناقشة أدوارهم السياسية، لكنها لا تستطيع تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق مكتملة دون مصادر يمكن التحقق منها.

كما أن نشر هذه الادعاءات باسم وكالة رسمية يضاعف المسؤولية، لأن المادة لا تبقى مجرد تعليق شخصي، بل تصبح جزءا من الخطاب الإعلامي الذي يصدر عن مؤسسة يفترض أن تحترم قواعد الدقة والإسناد.

وفي هذا الإطار، فإن المسؤولية المهنية عن مضمون المادة تقع أولا على المؤسسة التي نشرتها، بينما يتطلب ربط ذلك بمواقف المؤسسات السياسية أو العسكرية الجزائرية أدلة مستقلة حول آليات التحرير والتوجيه، ولا يمكن استخلاصه من مجرد صدور المادة عن وكالة رسمية.

غير أن ذلك لا يقلل من أهمية مساءلة المؤسسة الإعلامية عن مضمون ما تنشره، ولا من ضرورة مراجعة الادعاءات التي تتعارض مع نصوص قانونية واضحة.

إن ما تكشفه هذه الواقعة هو أن الخصومة السياسية، عندما تتحول إلى معيار يحدد مضمون المادة الإعلامية، يمكن أن تدفع بعض المنابر إلى تجاوز حدود النقد المشروع، وتقديم خطاب يختلط فيه الخبر بالتجريح، والمعلومة بالاتهام، والتحليل بالدعاية.

وهذا الأسلوب يستحضر آليات الدعاية المركزية التي عرفتها بعض الأنظمة خلال الحرب الباردة، حيث تنتج جهة واحدة الرواية، ثم تنتقل عبر منابر متعددة، بما يمنح الرسالة الواحدة مظهرا من التعدد الإعلامي.

لكن تشابه الرسائل لا يكفي لإثبات وجود توجيه مركزي، ولذلك فإن الحديث عن التنسيق المباشر يظل بحاجة إلى أدلة إضافية، تشمل المقارنة النصية، وتحديد مصادر المواد، وتتبع توقيت النشر، والتحقق من وجود تعليمات تحريرية مشتركة.

ومع ذلك، فإن تكرار الادعاءات نفسها دون مراجعة، إذا ثبت، يكشف عن أزمة في استقلالية المعالجة، لأن الصحافة المهنية لا تقاس بقدرتها على تكرار موقف المصدر، بل بقدرتها على مساءلته والتحقق من المعلومات التي يقدمها.

فالمؤسسة الإعلامية التي تكتفي بإعادة إنتاج الرواية الرسمية دون اختبارها، لا تضيف للقارئ معرفة جديدة، بل تمنحه نسخة أخرى من الرسالة نفسها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على وكالة الأنباء الجزائرية والمنابر التي أعادت تداول مضمونها ليس لماذا انتقدت المغرب، بل لماذا اختارت هذه اللغة، وما الأدلة التي اعتمدتها، وهل تحققت من الادعاءات التي قدمتها بشأن مؤسسة دستورية مغربية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت المادة تمثل نقدا سياسيا مشروعا، أم أنها تجاوزت حدود المهنية إلى تقديم معلومات غير دقيقة وخطاب تعبوي.

وفي نهاية المطاف، فإن ما جرى لا يمكن اختزاله في سجال إعلامي عابر بين المغرب والجزائر، بل يتعلق بمصداقية المؤسسات التي تقدم نفسها باعتبارها مصادر للأخبار، وبقدرتها على احترام الحقيقة حتى عندما تتعارض مع المواقف السياسية التي تتبناها.

فالمغرب لا يحتاج إلى أن يتحول كل عنوان هجومي إلى معركة جديدة، بقدر ما تحتاج الصحافة إلى أن تلتزم بالتحقق، وأن تراجع مصادرها، وأن تصحح الأخطاء التي تظهر في موادها.

وإذا كانت وكالة الأنباء الجزائرية قد نشرت ادعاءات تتعارض مع مقتضيات الدستور المغربي، فإن تصحيحها يصبح واجبا مهنيا، وإذا كانت المنابر الأخرى قد أعادت نشرها دون مراجعة، فإن استقلاليتها التحريرية تصبح موضع مساءلة.

أما إذا ثبت أن الرسالة نفسها انتقلت عبر عدد من المؤسسات دون إضافة مستقلة، فإن ذلك يكشف حدود التعدد الإعلامي في هذه الواقعة، ويؤكد أن كثرة المنابر لا تعني بالضرورة تعدد الروايات أو استقلال مصادرها.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الصحافة ليس اختلاف المواقف السياسية، بل فقدان القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية.

فحين تصبح مهاجمة المغرب هدفا يسبق التحقق، وحين تتحول السخرية إلى بديل عن التحليل، وحين تتكرر الادعاءات دون مراجعة، فإن المؤسسة الإعلامية لا تضع الخصم وحده أمام المساءلة، بل تضع مصداقيتها هي أيضا أمام اختبار صعب.

وفي هذه الواقعة تحديدا، فإن الدستور المغربي، والمواد المنشورة، ومسار إعادة تداولها، كلها عناصر تتيح للقارئ أن يفحص مضمون الخطاب، وأن يميز بين ما يمكن إثباته وما يحتاج إلى مزيد من التوثيق.

فالتحقيق لا يقوم على رفع سقف الاتهام، بل على قوة الأدلة، ولا تقاس مصداقية الصحافة بعدد المنابر التي تكرر روايتها، بل بقدرتها على التحقق منها وتصحيحها.

وحين يصبح التجريح بديلا عن الحجة، وتتحول المغالطة إلى مادة قابلة للتداول، فإن الأزمة لا تكون في صورة المغرب التي تحاول بعض المنابر رسمها، بل في صورة المؤسسة الإعلامية التي اختارت أن تضع الحقيقة في المرتبة الثانية.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *