الصحراء المغربية

أحمد نور الدين لجسر بريس: مقترحات دافعت عنها منذ عشر سنوات تفرض نفسها اليوم في معركة الحسم النهائي لملف الصحراء المغربية

جسر بريس 8 دقائق للقراءة
Jisrpress

عز الدين السريفي

خبير العلاقات الدولية يعتبر أن التحولات الأخيرة في قضية الصحراء المغربية تعزز أطروحاته السابقة، ويدعو إلى إنهاء مهمة المينورسو وإلغاء المنطقة العازلة ومراجعة دور اللجنة الرابعة، مع الاكتفاء بالجهوية المتقدمة باعتبارها الإطار المؤسساتي لتدبير الأقاليم الجنوبية داخل السيادة المغربية

في تصريح خاص لجريدة جسر بريس، عاد أحمد نور الدين، خبير العلاقات الدولية، إلى النقاش المتجدد بشأن مستقبل قضية الصحراء المغربية، مستحضرا مجموعة من الأفكار والمقترحات التي قال إنه دافع عنها على امتداد السنوات العشر الماضية، في وقت كانت فيه، بحسب تعبيره، تواجه رفضا وتشكيكا من طرف عدد من الدبلوماسيين والسياسيين وأساتذة الجامعات.

ويرى نور الدين أن التطورات التي شهدها الملف خلال الأيام الأخيرة، وما تضمنه بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026، إلى جانب مضامين الحوار الذي أجراه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، يوم 31 أكتوبر، تشكل مؤشرا على انتقال النقاش بشأن الصحراء المغربية إلى مرحلة جديدة، تتطلب إعادة النظر في بعض الآليات التي ظلت تؤطر هذا النزاع لعقود.

وفي قراءة الخبير أحمد نور الدين، فإن ما يعتبره اليوم تحولا في مقاربة الملف لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد تطور ظرفي أو استجابة لمستجدات دبلوماسية عابرة، بل باعتباره فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتجاوز بعض التصورات التي يرى أنها لم تعد منسجمة مع التحولات السياسية والقانونية التي عرفتها قضية الصحراء المغربية.

عشر سنوات من الأفكار.. بين التشكيك والتحولات الجديدة

يؤكد أحمد نور الدين أن عددا من المقترحات التي يدافع عنها اليوم سبق أن طرحها منذ نحو عشر سنوات، مشيرا إلى أنها كانت تواجه، في مراحل سابقة، اعتراضات واسعة من بعض الفاعلين في الحقل الدبلوماسي والسياسي والأكاديمي.

وبحسب الخبير، فإن النقاش الذي كان يدور حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، والمنطقة العازلة، والآليات الأممية المرتبطة بالنزاع، وطبيعة الحل السياسي الممكن، لم يكن يحظى دائما بالقبول الذي يراه ضروريا لإعادة تقييم هذه الملفات.

غير أن التحولات الأخيرة، كما يقرأها نور الدين، أعادت إلى الواجهة عددا من هذه الأفكار، وجعلت من الضروري، في نظره، الانتقال من مرحلة الدفاع عن المقترحات إلى مرحلة مناقشة شروط تنزيلها ومآلاتها.

ويعتبر أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إثبات أن بعض الأفكار أصبحت موضوعا للنقاش، بل في تحديد ما إذا كانت هذه التحولات ستفضي إلى مراجعة عملية للآليات التي ظلت مرتبطة بالنزاع، أم أنها ستظل محصورة في مستوى التصريحات والمواقف السياسية.

ومن هذا المنطلق، يضع أحمد نور الدين مقترحاته ضمن تصور أوسع، يقوم على ضرورة إنهاء التدبير الدولي التقليدي للملف، والانتقال إلى معالجة سياسية ومؤسساتية تنطلق من واقع السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، ومن مقتضيات التنظيم الترابي للمملكة.

المينورسو.. من آلية أممية إلى سؤال الفعالية والجدوى

في مقدمة المقترحات التي أعاد أحمد نور الدين التأكيد عليها، يأتي إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، المعروفة اختصارا باسم المينورسو.

ويعتبر الخبير أن استمرار البعثة، بعد عقود من وجودها، يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الدور الذي باتت تؤديه، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي عرفها الملف، خصوصا في ظل تعثر المسار السياسي المرتبط بالنزاع.

ومن وجهة نظره، فإن مراجعة مستقبل المينورسو ينبغي أن تنطلق من تقييم موضوعي لحصيلة عملها، ومدى مساهمتها في الوصول إلى تسوية نهائية، وليس فقط من منطق الحفاظ على آلية دولية أصبحت جزءا من المشهد السياسي المرتبط بالقضية.

ويطرح هذا الموقف، في قراءة نور الدين، ضرورة الانتقال من التعامل مع وجود البعثة باعتباره أمرا ثابتا، إلى مناقشة إمكانية إنهاء مهمتها ضمن تصور سياسي أوسع، يهدف إلى تجاوز المرحلة التي ارتبط فيها تدبير النزاع بآليات أممية تقليدية.

غير أن إنهاء مهمة المينورسو، كما يقتضي النقاش القانوني والسياسي، يظل مرتبطا بالقرارات الأممية ذات الصلة وبموقف مجلس الأمن، ولا يمكن اعتباره نتيجة تلقائية لأي تحول سياسي أو تصريح دبلوماسي.

وتكمن أهمية هذا المقترح، بحسب نور الدين، في فتح النقاش حول مستقبل البعثة، وتحديد ما إذا كانت الظروف السياسية الراهنة تسمح بإعادة صياغة دور الأمم المتحدة في الملف، بما ينسجم مع التوجه نحو تسوية نهائية.

المنطقة العازلة.. مراجعة أحد أبرز ترتيبات النزاع

ومن بين النقاط التي شدد عليها أحمد نور الدين، الدعوة إلى إلغاء المنطقة العازلة، باعتبارها إحدى القضايا التي يرى أنها تستحق إعادة تقييم في سياق التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية.

ويعتبر الخبير أن استمرار التعامل مع المنطقة العازلة ضمن التصورات التقليدية المرتبطة بالنزاع يطرح إشكالات تتعلق بطبيعة الترتيبات الميدانية، وحدود استمرارها، ومدى انسجامها مع تصور التسوية السياسية النهائية.

ويرى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتيح نقاشا معمقا حول مستقبل هذه المنطقة، بما يضع في الاعتبار مقتضيات السيادة المغربية، ومتطلبات الاستقرار، والالتزامات المرتبطة بالمسار الأممي.

وفي هذا السياق، يربط نور الدين مراجعة المنطقة العازلة بضرورة الانتقال إلى مقاربة شاملة، لا تكتفي بمعالجة جانب واحد من الملف، بل تستهدف إعادة النظر في مختلف الآليات التي ظلت مرتبطة بإدارة النزاع.

ويؤكد هذا الطرح أن النقاش حول المنطقة العازلة، في نظره، لا ينبغي أن يظل محصورا في الجوانب التقنية أو الميدانية، بل يجب أن يندرج ضمن رؤية سياسية أوسع تتعلق بمستقبل الصحراء المغربية.

اللجنة الرابعة.. هل حان وقت مراجعة الدور الأممي؟

كما دعا أحمد نور الدين إلى إعادة النظر في دور اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة، باعتبارها إحدى المؤسسات التي ظل ملف الصحراء المغربية مطروحا أمامها في إطار تصنيف الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

ويرى الخبير، أن التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفتها القضية تفرض إعادة تقييم طبيعة هذا المسار، ومدى انسجام استمرار مناقشة الملف داخل اللجنة الرابعة مع التطورات المرتبطة بالحل السياسي.

ويعتبر أن المرحلة الجديدة ينبغي أن تفتح نقاشا حول مستقبل هذا الإطار، في ضوء ما يراه تحولا في مقاربة القضية، وما يفرضه ذلك من مراجعة للآليات المؤسساتية المرتبطة بها.

وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن اللجنة الرابعة تمثل أحد المسارات الأممية التي ظل الملف يطرح ضمنها، الأمر الذي يجعل أي تغيير في وضع القضية داخل الأمم المتحدة مرتبطا بإجراءات سياسية ومؤسساتية تتجاوز مجرد إعلان موقف أو تقديم مقترح.

وبالنسبة إلى نور الدين، فإن مراجعة دور اللجنة الرابعة تندرج ضمن تصور متكامل يهدف إلى إنهاء ما يعتبره استمراراً لآليات تدبير النزاع، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على معالجة القضية باعتبارها ملفا سياسيا يرتبط بمبادرة الحكم الذاتي وبالتنظيم الترابي للمملكة.

الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة.. تصور جديد لتدبير الأقاليم الجنوبية

أما المقترح الذي يثير نقاشا سياسيا ومؤسساتيا واسعا، فيتعلق بدعوة أحمد نور الدين إلى سحب مقترح الحكم الذاتي والاكتفاء بالجهوية المتقدمة، باعتبارها الإطار الذي ينبغي أن يشمل مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية.

ويؤكد الخبير أن تصوره يقوم على اعتماد الجهوية باعتبارها آلية وطنية موحدة لتدبير الشؤون الترابية، بدل التعامل مع الصحراء المغربية ضمن صيغة مؤسساتية استثنائية منفصلة عن باقي جهات المملكة.

وفي هذا السياق، يرى نور الدين أن الجهوية المتقدمة يمكن أن تشكل مدخلا لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والجهات، وتوسيع مجالات التدبير المحلي، وتعزيز المشاركة في اتخاذ القرار، بما ينسجم مع وحدة الدولة وسيادتها.

ويطرح هذا التصور سؤالا جوهريا حول العلاقة بين مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب باعتبارها أساسا للحل السياسي، وبين النموذج المؤسساتي للجهوية المتقدمة الذي يشمل مختلف جهات المملكة.

ففي حين يرتبط الحكم الذاتي بمسار التسوية السياسية للنزاع، ترتبط الجهوية المتقدمة بالتنظيم الدستوري والترابي للدولة، وهو ما يجعل الانتقال من أحد الإطارين إلى الآخر موضوعا يحتاج إلى نقاش قانوني وسياسي معمق.

ويعتبر نور الدين أن المرحلة الراهنة تتيح، من وجهة نظره، فرصة لإعادة التفكير في هذه العلاقة، بما يسمح بتصور حل نهائي يكرس السيادة المغربية، ويضمن تدبيرا ترابيا متوازنا للأقاليم الجنوبية.

بين التحول السياسي والتنزيل المؤسساتي

إن المقترحات التي عرضها أحمد نور الدين تفتح نقاشا يتجاوز مسألة تقييم التطورات الأخيرة، لتصل إلى طبيعة المرحلة التي يمكن أن تدخلها قضية الصحراء المغربية.

فإنهاء مهمة المينورسو، وإلغاء المنطقة العازلة، ومراجعة دور اللجنة الرابعة، وإعادة النظر في الإطار المؤسساتي لتدبير الأقاليم الجنوبية، كلها قضايا ترتبط بمسار سياسي وقانوني معقد، لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

ويظل التحدي الأساسي هو تحديد الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل التحولات السياسية إلى إجراءات مؤسساتية واضحة، مع مراعاة الاختصاصات الأممية، والالتزامات الدولية، ومقتضيات الدستور المغربي.

كما أن الانتقال إلى مرحلة جديدة يقتضي، في نظر الأستاذ، تجاوز منطق إدارة النزاع إلى منطق البحث عن تسوية نهائية، تقوم على وضوح المرجعية السياسية، وتحديد الآليات التي يمكن أن تضمن استقرار المنطقة وتدبير شؤونها في إطار السيادة المغربية.

«عند المعارك يتقدم المخلصون.. وعند المغانم يتقدم الانتهازيون»

وفي ختام تصريحه لجسر بريس، عبر أحمد نور الدين عن ارتياحه لما يعتبره تقاطعا بين بعض الأفكار التي دافع عنها خلال السنوات الماضية وبين التطورات التي شهدها الملف مؤخرا، مؤكدا أن ما طرحه لم يكن، بحسب تعبيره، مجرد مواقف ظرفية، بل تصورا ظل يدافع عنه في مختلف مراحل النقاش.

كما وجه انتقادا لمن وصفهم بـ«المتنطعين»، معتبرا أن بعض الأصوات تحاول اليوم نسب مواقف أو مقترحات إلى نفسها، رغم أنها لم تكن، وفق تعبيره، من بين المدافعين عنها في السابق.

واستحضر الخبير في هذا السياق العبارة التي تختزل موقفه من الجدل الدائر حول من ساهم في بلورة الأفكار ومن يسعى إلى الاستفادة من التحولات الجديدة:

«عند المعارك يتقدم المخلصون، وعند المغانم يتقدم الانتهازيون».

وختم أحمد نور الدين تصريحه بالتأكيد على أن ما تحقق، وفق قراءته، يستدعي الحمد لله، مستحضرا قوله تعالى: «وما النصر إلا من عند الله»، وقوله سبحانه: «وما توفيقي إلا بالله».

وبين استحضار مسار عشر سنوات من النقاش، والتأكيد على ضرورة مراجعة آليات تدبير الملف، يضع أحمد نور الدين نفسه ضمن الأصوات التي ترى أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة تستوجب إعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن شروط إنهائه نهائيا، في إطار السيادة المغربية والمرجعيات السياسية والقانونية ذات الصلة.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *