ترامب يوجّه صفعة مدوية للجزائر بقرار تاريخي يقبر حلم “الاستفتاء”
أثارت مسودة مشروع القرار الأمريكي الجديد بشأن الصحراء المغربية، المرتقب عرضها على مجلس الأمن الدولي قبل 31 أكتوبر الجاري، نقاشا واسعا بشأن مستقبل المسار السياسي للنزاع، في ظل ما تتضمنه من إشارات إلى تعزيز مكانة مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإعادة النظر في طبيعة ولاية بعثة الأمم المتحدة بالمنطقة.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع اقتراب موعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، وسط ترقب للموقف الذي ستتبناه الدول الأعضاء في مجلس الأمن بشأن الصيغة النهائية للقرار، وانعكاساته المحتملة على مواقف المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
الحكم الذاتي في صلب المسار السياسي
تتضمن المسودة، وفق المعطيات المتداولة، تسع فقرات تمهيدية واثنتي عشرة مادة تنفيذية، تستحضر قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، وتؤكد أهمية الجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي للنزاع.
وتبرز أهمية المشروع في الإشارات الواردة بشأن تنامي الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، إلى جانب التأكيد على دور الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، ستافان دي ميستورا، في تيسير المفاوضات بين الأطراف المعنية.
كما تشير المسودة إلى جهود الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة، في إطار مساعٍ لتقريب وجهات النظر وإعادة إطلاق المفاوضات المباشرة بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، على أساس مقترح الحكم الذاتي.
وتعكس هذه الصياغة توجها نحو إعطاء المقترح المغربي مكانة مركزية في النقاشات السياسية، بما قد يضيق هامش الخيارات المطروحة أمام الأطراف الأخرى، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات والمشاورات داخل مجلس الأمن.
إعادة تسمية المينورسو تثير تساؤلات بشأن المستقبل
ومن أبرز النقاط التي تتضمنها المسودة، تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع اقتراح تغيير تسميتها ابتداء من فاتح نونبر 2026، بحذف كلمة «الاستفتاء» من اسمها واعتماد تسمية «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية».
ويطرح هذا التغيير، في حال اعتماده بصيغته الحالية، تساؤلات بشأن تطور طبيعة البعثة الأممية ومهامها المستقبلية، خصوصا في ظل التحولات التي يشهدها المسار السياسي للنزاع.
ويأتي حذف الإشارة إلى الاستفتاء من التسمية المقترحة في سياق نقاش أوسع بشأن آليات التسوية، ومدى ملاءمة الصيغ المعتمدة منذ تسعينيات القرن الماضي مع التوجهات السياسية الجديدة.
كما تطلب المسودة من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات، قبل 30 يناير 2027، بشأن خفض عدد الأفراد النظاميين وإغلاق بعض مواقع الفرق أو دمجها، وهو ما قد يمهد لمراجعة ترتيبات البعثة وانتشارها الميداني، وفقا لما ستقرره الأمم المتحدة.
ومع ذلك، فإن تغيير اسم البعثة، في حد ذاته، لا يكفي للجزم بإنهاء جميع الخيارات المرتبطة بتقرير المصير، إذ يظل التقييم النهائي رهينا بالنص المعتمد رسميا وبالولاية التي سيحددها مجلس الأمن.
«الأساس الوحيد للتفاوض».. رسالة سياسية واضحة
على المستوى السياسي، تبرز المسودة من خلال تكرار عبارة «الأساس الوحيد» في سياق الحديث عن مقترح الحكم الذاتي، بما يعكس توجها نحو توحيد المرجعية المعتمدة في المفاوضات المقبلة.
وتشيد إحدى فقراتها بتطوير المغرب لمقترح الحكم الذاتي وتحديثه، باعتباره أرضية للنقاشات الموضوعية، كما ترحب بالجهود الأمريكية الرامية إلى دفع الأطراف نحو الانخراط في مفاوضات دون تأخير.
وتؤكد الصياغة الواردة في المشروع أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل، بحسب توجه المسودة، الحل الأكثر واقعية وقابلية للاستمرار، مع ربط العملية السياسية بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
كما تدعو مواد المشروع الأطراف المعنية إلى التعاون الكامل وتقديم ردودها بشأن المقترح المغربي، في خطوة من شأنها، إذا أُقرت نهائيا، تعزيز موقع المبادرة المغربية ضمن مسار التسوية الأممية.
وتبقى الإشارة إلى أن هذه المقتضيات تعكس مضمون مشروع قرار قيد التداول، ولا تصبح مقررات رسمية لمجلس الأمن إلا بعد اعتماد النص النهائي.
وقف الأعمال العدائية في صلب الأولويات الأمنية
ولا يقتصر مضمون المسودة على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الوضع الأمني، من خلال التشديد على ضرورة الالتزام بوقف الأعمال العدائية، وتجنب التحركات التي قد تقوض العملية السياسية أو تزيد من حدة التوتر في المنطقة.
كما يتضمن النص، وفق المعطيات الواردة بشأنه، إدانة للهجوم الذي وقع بمدينة السمارة في 5 ماي 2026، بما يسلط الضوء على المخاطر الأمنية التي قد تواجه المسار التفاوضي.
ومن شأن إدراج هذه الإشارات الأمنية أن يزيد الضغط على الأطراف المعنية من أجل تجنب التصعيد، والالتزام بمقتضيات وقف الأعمال العدائية، بما يحافظ على فرص التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.
وفي هذا السياق، تكتسب المواقف الميدانية أهمية خاصة، بالنظر إلى أن أي تصعيد جديد قد ينعكس سلبا على جهود الوساطة الأممية والدولية، ويعقد فرص بناء الثقة بين الأطراف.
مخيمات تندوف تحت مجهر الأمم المتحدة
وفي الجانب الإنساني، تثير المقتضيات المتعلقة بمخيمات تندوف اهتماما خاصا، بعدما أعربت المسودة عن القلق إزاء استمرار أوضاع النزوح وتدهور الظروف الإنسانية، معتبرة أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر على نحو مسؤول.
وتتضمن المسودة طلبا موجها إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لاستكمال إجراءات تسجيل وإحصاء سكان المخيمات خلال ستة أشهر، مع ضمان الوصول دون عوائق وحرية التنقل، بما يسمح بتقييم الحلول الفردية الطوعية والدائمة.
ويعيد هذا المطلب ملف الإحصاء إلى واجهة النقاش، بالنظر إلى ما يمكن أن يتيحه من معطيات أكثر دقة بشأن أعداد السكان واحتياجاتهم الإنسانية، فضلا عن دوره في تحسين التخطيط للمساعدات وتقييم الحلول الممكنة.
كما أن التشديد على حرية التنقل والوصول الإنساني يسلط الضوء على ضرورة توفير الظروف الملائمة لحماية حقوق السكان، وضمان وصول المساعدات إليهم، بعيدا عن أي عراقيل قد تؤثر على أوضاعهم المعيشية.
توسيع المشاورات يتجاوز حصر التمثيل في قيادة البوليساريو
ومن النقاط اللافتة أيضا، الدعوة إلى التشاور مع طيف واسع من الصحراويين، سواء داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة أو في مخيمات تندوف أو ضمن الجاليات المقيمة بالخارج.
ويعكس هذا التوجه، إذا جرى اعتماده، رغبة في توسيع دائرة الاستماع إلى المعنيين بالنزاع، وعدم حصر المشاورات في الأطراف السياسية المشاركة في العملية التفاوضية.
وقد يشكل هذا الأمر تحديا سياسيا لقيادة البوليساريو، بالنظر إلى ما يطرحه من أسئلة بشأن التمثيلية وآليات التعبير عن مواقف مختلف فئات الصحراويين، ومدى حضور وجهات نظرهم في صياغة الحل النهائي.
وفي المقابل، يظل نجاح هذا التوجه مرتبطا بكيفية تنفيذ المشاورات، وضمان شموليتها وشفافيتها، بما يسمح بتقديم صورة متوازنة عن تطلعات السكان ومواقفهم.
مجلس الأمن أمام اختبار جديد
وتأتي هذه التطورات في وقت تتباين فيه مواقف القوى الدولية بشأن عدد من تفاصيل المشروع، وسط معطيات تشير إلى دعم فرنسي وبريطاني للمسودة، مقابل تحفظات روسية وصينية بشأن بعض مضامينها.
وتبقى هذه المواقف مرشحة للتأثير في المشاورات النهائية، قبل التصويت المرتقب داخل مجلس الأمن، حيث قد تخضع الصياغة لتعديلات تبعا للمفاوضات بين أعضاء المجلس.
وبينما ترى الرباط في تعزيز مكانة الحكم الذاتي فرصة لدفع المسار السياسي نحو تسوية نهائية، تواجه البوليساريو والجزائر تحديا يتعلق بكيفية التعامل مع المرجعية التي تقترحها المسودة، خصوصا في ما يتعلق بطبيعة المفاوضات المستقبلية، ودور البعثة الأممية، وتوسيع المشاورات الإنسانية والسياسية.
وفي المحصلة، تبدو مسودة القرار الأمريكي، وفق مضامينها المتداولة، مؤشرا على مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية، عنوانها تعزيز مركزية مقترح الحكم الذاتي، وإعادة تقييم بعض آليات العمل الأممي، وتكثيف الضغوط من أجل إطلاق مسار تفاوضي أكثر وضوحا. غير أن الأثر الفعلي لهذه التحولات سيظل رهينا بالنص النهائي الذي سيعتمده مجلس الأمن، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للتفاعل معه والانخراط في تسوية سياسية دائمة.






