الصحراء المغربية

مسودة أمريكية تحصر التفاوض في الحكم الذاتي وتحذف “الاستفتاء”

جسر بريس 7 دقائق للقراءة
Jisrpress

في ظل احتدام التنافس الدبلوماسي بين المغرب والجزائر داخل أروقة الأمم المتحدة، تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن، حيث تتواصل المشاورات بشأن مشروع القرار الأمريكي حول الصحراء، وسط مؤشرات على تعزيز موقع مقترح الحكم الذاتي المغربي في المسار التفاوضي، مقابل توجه نحو مراجعة تسمية البعثة الأممية وتوسيع دائرة المشاورات لتشمل أصواتًا صحراوية خارج الأطراف المتفاوضة.

تتواصل المشاورات داخل مجلس الأمن الدولي بشأن مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء، المرتقب التصويت عليه يوم الجمعة المقبل، في سياق سياسي ودبلوماسي يتسم بتنافس حاد بين الرباط والجزائر حول مستقبل النزاع وآفاق التسوية السياسية. ويكشف النص المسرّب للمشروع عن توجه نحو تثبيت مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الوحيد للمفاوضات المقبلة، بالتوازي مع إدخال تعديلات على مهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وتوسيع نطاق الاستماع إلى مختلف المكونات والأوساط الصحراوية.

وبحسب المعطيات الواردة في المسودة، فإن واشنطن، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، تقود صياغة مشروع القرار، الذي خضع لتعديلات خلال المشاورات بين أعضاء المجلس، تمهيدًا للوصول إلى صيغة نهائية تُعمّم على الأعضاء في إطار ما يُعرف بـ«المسودة الزرقاء»، وهي مرحلة تسبق التصويت ولا تعني بالضرورة حصول توافق نهائي بشأن جميع المقتضيات.

الحكم الذاتي المغربي في صدارة المسار التفاوضي

يكرّس مشروع القرار، وفق النص المتداول، موقع مقترح الحكم الذاتي المغربي في العملية السياسية، إذ يعتبر أن «الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية» يمثل الحل الأكثر جدوى للنزاع، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية تستند إلى اتفاق الأطراف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما فيها مبدأ تقرير المصير.

ويستند المشروع إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، مشيرًا إلى تنامي الدعم الدولي للمقترح المغربي، كما يرحب بتوسيع المبادرة المغربية وتحديثها، باعتبارها الإطار الذي ينبغي أن تستند إليه المناقشات الموضوعية خلال المرحلة المقبلة.

وتفيد المسودة بأن المقترح المغربي شكّل أساسًا للمناقشات خلال ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة، عُقدت في واشنطن ومدريد بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، وبتيسير من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا السياق، يدعو المشروع الأطراف المعنية إلى التعاون الكامل مع جهود الوساطة، والانخراط بصورة نشطة وبنّاءة في المفاوضات، وتقديم ردودها على أساس المقترح المغربي، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة ومقبولة من الطرفين.

ويعكس هذا التوجه رغبة أمريكية في دفع العملية السياسية نحو إطار تفاوضي أكثر تحديدًا، مع الإبقاء على دور الأمم المتحدة في رعاية المسار السياسي وتيسير الحوار بين الأطراف المعنية.

واشنطن تعزز حضورها الدبلوماسي في الملف

ولا يقتصر مشروع القرار على إعادة تأكيد الأساس المقترح للمفاوضات، بل يرحب أيضًا بدور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الجهود الرامية إلى حل النزاع، ويحيط علمًا بدعوته إلى الشروع دون تأخير في مفاوضات تعتمد المقترح المغربي إطارًا وحيدًا للنقاش.

ومع ذلك، يؤكد المشروع استمرار الدور القيادي للأمم المتحدة في العملية السياسية، بما يشير إلى سعي واشنطن إلى الجمع بين دفع مسار تفاوضي قائم على مقترح الحكم الذاتي والحفاظ على الإطار الأممي الذي تُدار من خلاله جهود التسوية.

وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في ظل التنافس الدبلوماسي بين المغرب والجزائر، إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه في النقاشات الدولية المرتبطة بالنزاع، والتأثير في الصياغات الأممية التي تحدد معالم المرحلة المقبلة.

توسيع المشاورات نحو أصوات صحراوية خارج الأطراف المتفاوضة

ومن أبرز المستجدات التي تتضمنها المسودة الدعوة إلى توسيع دائرة المشاورات لتشمل طيفًا أوسع من الأوساط والمحاورين الصحراويين، بمن فيهم الموجودون خارج الأطراف المشاركة مباشرة في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في المهجر.

ويقترح النص أن يتولى المبعوث الشخصي للأمين العام إجراء هذه المشاورات، على أن تُدرج نتائجها ضمن تقارير الأمين العام للأمم المتحدة.

ويفتح هذا التوجه المجال أمام الاستماع إلى أصوات ومكونات صحراوية لا تشارك مباشرة في المفاوضات الرسمية، بما فيها شخصيات وتيارات خارج الأطر التفاوضية القائمة، وهو ما قد يوسع النقاش بشأن التمثيلية السياسية والاجتماعية في أي تسوية مستقبلية.

كما يعكس إدراج هذه المقتضيات اهتمامًا متزايدًا بإشراك طيف أوسع من الفاعلين في العملية السياسية، وإن كانت المسودة لا تحسم مسبقًا طبيعة التأثير الذي ستتركه هذه المشاورات على مسار المفاوضات أو مخرجاتها.

تغيير اسم المينورسو.. مراجعة للرمزية الأممية

وعلى مستوى الوجود الأممي، يقترح مشروع القرار تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء حتى 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداءً من فاتح نونبر 2026، ليصبح «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، تحت الاختصار «مينوسو»، بدلًا من «مينورسو».

ويتمثل أبرز أبعاد هذا التغيير في حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسمية البعثة، في خطوة تحمل دلالة سياسية ورمزية بالنظر إلى ارتباط الاسم الحالي بمفهوم الاستفتاء الذي شكّل جزءًا من الإطار الأصلي لإنشاء البعثة.

غير أن المشروع لا يحسم بصورة نهائية مستقبل البعثة أو طبيعة التحولات التي قد تطرأ على ولايتها، بل يترك ذلك لقرار لاحق يتخذه مجلس الأمن، استنادًا إلى مقترحات الأمين العام ومدى التقدم المحرز في العملية السياسية.

وفي هذا الإطار، يطلب المشروع من الأمين العام تقديم مقترحات مفصلة في موعد أقصاه 30 يناير 2027، بشأن هيكل البعثة وملاكها واحتياجاتها من الموارد، بما يشمل إمكانية تقليص عدد الأفراد النظاميين المأذون بهم، وإغلاق بعض مواقع الفرق أو دمجها.

كما يُنتظر أن تشمل هذه المقترحات ترتيبات الإبلاغ ومراقبة وقف إطلاق النار والأعمال المتعلقة بالألغام، فضلًا عن دعم العملية السياسية وإعادة توظيف هياكل الدعم القائمة، مع التأكيد على ضرورة ضمان استمرارية القيادة العليا والحفاظ على الخبرة والمعرفة المؤسسية المتراكمة لدى البعثة.

وتشير هذه المقتضيات إلى توجه نحو تقييم أكثر شمولًا لعمل البعثة الأممية واحتياجاتها، وربط تطور مهامها بمستقبل العملية السياسية على الأرض.

مخيمات تندوف والتسجيل.. البعد الإنساني حاضر في المسودة

وفي الشق الإنساني، تعرب المسودة عن قلقها إزاء استمرار النزوح وتدهور الأوضاع في مخيمات تندوف، مشددة على أهمية استمرار التمويل الدولي بما يسهم في إيجاد حلول فردية وطوعية ودائمة للاجئين، وفقًا للقانون الدولي وتحت إشراف مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

كما تطلب من المفوضية استكمال تسجيل السكان اللاجئين في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، وفقًا للقانون الدولي، ولا سيما قانون اللاجئين، وبما يتماشى مع ممارسات المفوضية ومعاييرها، ودون تدخل من أي كيان.

وتدعو المسودة كذلك جميع الأطراف المعنية إلى ضمان الوصول دون عوائق وتوفير حرية التنقل الضرورية لإنجاز عملية التسجيل وتقييم الحلول الدائمة.

ويضع هذا الجانب الملف الإنساني ضمن أولويات النقاش الأممي، بالنظر إلى ارتباط أوضاع اللاجئين بمتطلبات الحماية الدولية والبحث عن حلول مستدامة، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية الضيقة.

وقف الأعمال العدائية وإدانة هجوم السمارة

أمنيًا، يشدد مشروع القرار على ضرورة التزام الأطراف بصورة واضحة وصريحة وغير مشروطة بوقف الأعمال العدائية، والامتناع عن أي خطوات من شأنها تقويض العملية السياسية أو تعريض جهود التسوية للخطر.

كما يتضمن إدانة للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في الخامس من ماي 2026، في تأكيد على استمرار المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني وانعكاساته المحتملة على فرص استئناف المفاوضات وتعزيز الاستقرار.

ويشير المشروع أيضًا إلى الاستعراض الاستراتيجي للبعثة المنجز تنفيذًا للقرار 2797، وإلى تقرير الأمين العام المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، داعيًا إلى مواصلة إحاطة مجلس الأمن بالتطورات خلال فترة الولاية الجديدة، وحاثًا الدول الأعضاء على دعم المفاوضات وجهود التيسير.

تصويت مرتقب ومرحلة جديدة من التجاذبات الدبلوماسية

ومع اقتراب موعد التصويت المرتقب يوم الجمعة المقبل، تتجه الأنظار إلى الصيغة النهائية لمشروع القرار، ومدى احتفاظها بالمقتضيات الواردة في النص المتداول، خصوصًا ما يتعلق بتكريس مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا وحيدًا للمفاوضات، وتوسيع المشاورات الصحراوية، ومراجعة تسمية البعثة الأممية ومهامها المستقبلية.

وفي انتظار المصادقة على المشروع، تظل المسودة مؤشرًا على اتجاه النقاش داخل مجلس الأمن، من دون أن تُعدّ في حد ذاتها قرارًا نهائيًا أو أن تحسم جميع تفاصيل التسوية السياسية.

وبين رهانات الدبلوماسية المغربية على تعزيز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، ومساعي الجزائر وجبهة البوليساريو للتأثير في مسار المفاوضات، يبدو أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق موازين التفاوض داخل المجلس، ومواقف أعضائه، وقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من التجاذب السياسي إلى تسوية تحظى بالقبول وتستجيب لمقتضيات الشرعية الدولية.

و لا تقتصر أهمية مشروع القرار الأمريكي على الموقف الذي يتبناه بشأن الإطار التفاوضي، بل تمتد إلى ما يقترحه من مراجعة لدور البعثة الأممية وتوسيع دائرة المشاورات وإعادة ترتيب الأولويات الإنسانية والأمنية. وهي عناصر تجعل التصويت المرتقب محطة مهمة في مسار النزاع، مع بقاء النتائج النهائية رهينة بما ستسفر عنه المفاوضات والقرارات الرسمية لمجلس الأمن.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *