الصحراء المغربية

صعود حزب زوما المؤيد للحكم الذاتي مقابل تراجع المؤتمر الوطني الإفريقي الداعم للبوليساريو..

جسر بريس 5 دقائق للقراءة
Jisrpress

أظهرت نتائج استطلاع للرأي في مدينة إيثيكويني، التي تضم ديربان، تقدم حزب «أومكونتو وي سيزوي» بقيادة الرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما، على حساب المؤتمر الوطني الإفريقي، في مؤشر جديد على التحولات التي يشهدها المشهد السياسي في جنوب إفريقيا، وسط تنافس انتخابي تكتسب نتائجه أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى المواقف المتباينة للحزبين بشأن قضية الصحراء المغربية.

وحسب النتائج التي نشرتها قناة «إنكا» الجنوب إفريقية، تصدر حزب «أومكونتو وي سيزوي»، المعروف اختصارا بـ«MK»، نوايا التصويت بنسبة 48 في المائة، مقابل 25.2 في المائة للتحالف الديمقراطي، و14.5 في المائة للمؤتمر الوطني الإفريقي «ANC»، وذلك قبل الانتخابات المحلية المقررة في 4 نونبر المقبل، وفق المعطيات الواردة في الاستطلاع.

وتضع هذه الأرقام حزب جاكوب زوما في موقع متقدم للمنافسة على قيادة إحدى أبرز البلديات في البلاد، مع اقترابه من عتبة الأغلبية المطلقة، في وقت يواجه فيه الحزب الحاكم تاريخيا ضغوطا انتخابية متزايدة. غير أن تحويل هذا التقدم إلى نتائج فعلية سيظل رهينا بتوجهات الناخبين يوم الاقتراع، ونسبة المشاركة، وإمكانية تشكل تحالفات سياسية بعد إعلان النتائج.

صعود حزب زوما يفاقم أزمة الحزب التاريخي

يأتي تقدم حزب «MK» في استطلاعات إيثيكويني امتدادا للصعود الذي حققه خلال الانتخابات العامة لسنة 2024، حين تمكن من انتزاع 58 مقعدا من أصل 400 في الجمعية الوطنية، ليصبح ثالث أكبر قوة سياسية في البرلمان الجنوب إفريقي.

وفي المقابل، سجل المؤتمر الوطني الإفريقي تراجعا تاريخيا بعدما فقد أغلبيته المطلقة للمرة الأولى منذ وصوله إلى الحكم سنة 1994، وحصوله على نحو 40 في المائة من الأصوات، وهو ما دفع البلاد إلى مرحلة جديدة من التوازنات السياسية القائمة على التفاوض والتحالفات.

ويعكس هذا التحول تراجعا في هيمنة الحزب الذي ارتبط اسمه بالنضال ضد نظام الفصل العنصري وبالزعيم الراحل نيلسون مانديلا، ويفتح المجال أمام قوى سياسية جديدة تسعى إلى استثمار حالة الاستياء من أداء المؤسسات الحاكمة، وتوسيع حضورها على المستويين الوطني والمحلي.

وفي هذا السياق، يشكل التقدم الذي يحققه حزب زوما في إيثيكويني اختبارا جديدا لقدرة المؤتمر الوطني الإفريقي على الحفاظ على قواعده الانتخابية التقليدية، خصوصا في المناطق التي تمثل ثقلا سياسيا وديمغرافيا مهما.

موقف مغاير من قضية الصحراء المغربية

ولا تقتصر أهمية التنافس بين حزب جاكوب زوما والمؤتمر الوطني الإفريقي على أبعاده الانتخابية الداخلية، بل تمتد إلى السياسة الخارجية، ولا سيما الموقف من قضية الصحراء المغربية، التي تشكل إحدى نقاط الاختلاف المعلنة بين الطرفين.

ففي 15 يوليوز 2025، أعلن زوما، خلال زيارة إلى الرباط أجرى خلالها مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، دعم حزبه للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها مقترحا يتيح تدبير الشؤون المحلية لسكان الأقاليم الجنوبية في إطار السيادة المغربية.

ويعكس هذا الموقف توجها سياسيا مغايرا للموقف الذي دافع عنه المؤتمر الوطني الإفريقي على مدى سنوات، من خلال مساندته لجبهة البوليساريو وتأييده خيار الاستقلال في نزاع الصحراء.

ووفق المواقف التي أعلنها الحزب، فإن دعمه للمبادرة المغربية يرتبط باعتبارات تشمل احترام الوحدة الترابية للدول الإفريقية، والبحث عن تسوية سياسية تضمن الاستقرار والسلام والتنمية في المنطقة.

كما استند الحزب إلى الروابط التاريخية بين المغرب والصحراء، داعيا إلى أخذ الاعتبارات التاريخية والقانونية بعين الاعتبار في الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل نهائي للنزاع.

ولم يقتصر هذا التوجه على تصريحات زوما خلال زيارته إلى المغرب، بل سبق أن عبّر الحزب عن مواقفه بشأن العلاقات مع المملكة في وثيقة سياسية نشرها في يونيو 2025، ما يمنح دعمه للمبادرة المغربية طابعا مؤسساتيا داخل الحزب، بدلا من اختزاله في موقف شخصي للرئيس الجنوب إفريقي السابق.

تحركات برلمانية وانتقادات داخل المؤتمر الوطني الإفريقي

وتعزز هذا التوجه خلال استقبال رئيس مجلس النواب المغربي، راشيد الطالبي العلمي، لجاكوب زوما في 17 يوليوز 2025، حيث تناولت المباحثات سبل تعزيز التواصل البرلماني والتعاون بين الجانبين، على أساس احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية.

في المقابل، أثار موقف حزب «MK» من قضية الصحراء ردود فعل منتقدة داخل المؤتمر الوطني الإفريقي، إذ نشرت دورية الحزب مقالات انتقدت تأييد زوما للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وجددت التمسك بدعم خيار الاستقلال.

ويكشف هذا التباين عن خلاف سياسي يتجاوز التنافس على المقاعد الانتخابية، ليشمل تصورات مختلفة بشأن عدد من القضايا الخارجية، وفي مقدمتها النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.

وتكتسب هذه المفارقة أهمية إضافية بالنظر إلى أن زوما سبق أن قاد المؤتمر الوطني الإفريقي وتولى رئاسة جنوب إفريقيا، قبل أن يصبح حزبه الحالي منافسا مباشرا للقوة السياسية التي ارتبط بها طوال سنوات.

هل ينعكس الصعود الانتخابي على موقف جنوب إفريقيا من الصحراء؟

بالنسبة إلى المغرب، تبرز أهمية هذه التطورات في احتمال اتساع حضور قوة سياسية جنوب إفريقية تتبنى موقفا داعما للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، في مقابل حزب ظل من أبرز المدافعين عن أطروحة البوليساريو داخل القارة الإفريقية.

وفي حال تأكد تقدم حزب «MK» في الانتخابات المحلية، فقد يشكل ذلك مكسبا سياسيا له على المستوى الداخلي، ويعزز حضور خطاب مؤيد للمقترح المغربي داخل المؤسسات السياسية والمنتخبة في جنوب إفريقيا، خصوصا إذا تمكن الحزب من تحويل شعبيته إلى نفوذ فعلي في تدبير الشأن المحلي.

ومع ذلك، فإن تصدر استطلاعات الرأي في بلدية إيثيكويني لا يعني بالضرورة حدوث تحول مباشر في السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا، التي تظل مرتبطة بمواقف مؤسسات الدولة والحكومة وموازين القوى داخل البرلمان.

كما أن طبيعة الانتخابات المحلية تجعل انعكاس نتائجها على السياسة الخارجية غير مباشر، إذ يتوقف حجم هذا التأثير على تطور موقع حزب زوما داخل النظام السياسي، وقدرته على توسيع نفوذه الانتخابي والمؤسساتي.

وبينما يواجه المؤتمر الوطني الإفريقي تحديا انتخابيا جديدا، يراقب المغرب هذه التحولات باعتبارها مؤشرا على تنامي التعددية السياسية في بلد ظل موقفه الرسمي من قضية الصحراء أقرب إلى دعم أطروحة البوليساريو.

وعليه، فإن أهمية تقدم حزب جاكوب زوما لا تكمن فقط في احتمال إعادة رسم الخريطة الانتخابية المحلية، بل أيضا في بروز فاعل سياسي مؤثر يتبنى مقاربة مختلفة للنزاع، بما قد يفتح المجال أمام نقاش أوسع بشأن مستقبل العلاقات المغربية الجنوب إفريقية ومواقف القوى السياسية في بريتوريا من قضية الصحراء المغربية.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *