البوليساريو تصعّد اعتراضاتها على المسودة الأمريكية بشأن الصحراء المغربية ومستقبل المينورسو
في وقت تدفع فيه واشنطن نحو جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسًا للمفاوضات، تتمسك جبهة البوليساريو بالإطار الحالي لبعثة المينورسو، وسط ترقب لقرار مجلس الأمن المرتقب في 30 أكتوبر الجاري.
جددت جبهة البوليساريو اعتراضها على التوجهات المطروحة داخل الأمم المتحدة بشأن مستقبل بعثة المينورسو ومسار التسوية السياسية للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، في موقف يعكس استمرار الخلاف بشأن مرجعية المفاوضات المقبلة، بالتزامن مع تحركات أمريكية لإعادة هيكلة البعثة الأممية وتعزيز دورها في دعم المسار السياسي.
وجاء موقف الجبهة في رسالة وجهها زعيمها إبراهيم غالي إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اعترض فيها على أي صيغة تفاوضية ترى أنها تحدد مسبقًا نتائج العملية السياسية، مطالبة بالإبقاء على الهيكل الحالي للمينورسو وولايتها القائمة، في مقابل توجه أمريكي يقترح إنهاء مهمتها بصفتها بعثة لحفظ السلام وتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة.
المسودة الأمريكية تضع الحكم الذاتي في صلب المفاوضات
وتأتي هذه التطورات في سياق تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن، من خلال مسودة قرار ترمي إلى إعادة تحديد مهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، بالتوازي مع الدفع نحو اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن، تحت السيادة المغربية، أساسًا للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع.
وامتدت اعتراضات البوليساريو إلى ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، ضمن الوثيقة رقم «S/2026/781»، بشأن مشروع اتفاق إطاري منقح أعده المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، استنادًا إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها أرضية للمفاوضات السياسية المقبلة.
ويعكس هذا التباين اختلافًا واضحًا بشأن الإطار الذي ينبغي أن يحكم العملية السياسية، بين توجه أمريكي يدفع نحو مفاوضات ترتكز على مقترح الحكم الذاتي، وموقف للبوليساريو يرفض ما تعتبره حصرًا مسبقًا لخيارات التسوية.
مستقبل المينورسو في قلب الخلاف
ولا يقتصر اعتراض الجبهة على مرجعية المفاوضات، بل يشمل أيضًا مستقبل بعثة المينورسو وطبيعة مهامها في المرحلة المقبلة.
فبحسب المعطيات الواردة في المسودة الأمريكية، يُقترح إنهاء ولاية البعثة بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، على أن تتحول، ابتداءً من فاتح ماي من السنة نفسها، إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، مع تغيير تسميتها من «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء» (MINURSO) إلى «بعثة الأمم المتحدة للصحراء» (MINUSO).
كما تتضمن المسودة إجراءات لإعادة تنظيم انتشار البعثة، من بينها تقليص مكونها النظامي بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، إلى جانب مراجعة بعض مواقع انتشارها الميداني.
وتشير هذه المقترحات إلى توجه نحو إعادة صياغة الدور الأممي في الصحراء، بما يجعل دعم العملية السياسية في صدارة أولويات البعثة، بدل استمرارها وفق الهيكل والمهام المعمول بها حاليًا.
خلاف بشأن تدابير بناء الثقة
وفي سياق متصل، اتهمت البوليساريو الأمين العام للأمم المتحدة بتحريف مضمون ردها بشأن تدابير بناء الثقة والزيارات المتبادلة بين الأقاليم الجنوبية للمملكة ومخيمات تندوف.
ونفت الجبهة، وفق مضمون الرسالة المشار إليها، أن تكون قد ربطت هذه التدابير بتمكين سكان المخيمات من الاطلاع على الأوضاع في الصحراء المغربية ومضامين مقترح الحكم الذاتي، وذلك في إطار مبادرة «اذهب وشاهد» التي اقترحها المبعوث الشخصي للأمين العام.
ويكشف هذا الخلاف عن استمرار الصعوبات التي تواجه جهود بناء الثقة بين الأطراف، رغم أهمية هذه التدابير في تهيئة الظروف الملائمة للحوار السياسي وتقريب وجهات النظر بشأن مستقبل التسوية.
كما تتقاطع هذه المسألة مع مقترحات أوسع تتعلق بتوسيع المشاورات لتشمل مكونات صحراوية وجهات معنية من خارج دائرة المشاركين المباشرين في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في المهجر، مع إدراج نتائج هذه المشاورات ضمن التقارير المرفوعة إلى مجلس الأمن.
واشنطن تدفع نحو توسيع المشاورات وتعزيز المسار السياسي
وتتضمن المسودة الأمريكية، إلى جانب إعادة هيكلة المينورسو، مقتضيات تدعو الأطراف إلى الانخراط بصورة نشطة وبنّاءة في المفاوضات، مع دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي والولايات المتحدة لتيسير العملية السياسية.
كما تشير إلى تدابير مرتبطة بالوضع الميداني وبناء الثقة وتسجيل اللاجئين في منطقة تندوف، فضلًا عن التنبيه إلى إمكانية نظر مجلس الأمن في اتخاذ تدابير إضافية إذا لم تنخرط الأطراف بصورة بنّاءة في المسار السياسي.
وتضع هذه المقترحات الأطراف المعنية أمام مرحلة جديدة من النقاش بشأن مستقبل العملية الأممية، خصوصًا في ظل التوجه نحو ربط فعالية البعثة بمدى مساهمتها في تيسير المفاوضات ودعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية.
ومن شأن اعتماد هذه التوجهات أن يفتح الباب أمام تغييرات مؤسساتية وسياسية في طريقة تدبير الملف داخل الأمم المتحدة، مع استمرار الحاجة إلى مشاورات بشأن الصيغة النهائية للقرار وحدود التوافق حول مضامينه.
30 أكتوبر.. محطة حاسمة لمستقبل المسار الأممي
وتتجه الأنظار إلى جلسة التصويت المرتقبة في 30 أكتوبر الجاري، لمعرفة ما إذا كان مجلس الأمن سيعتمد المسودة الأمريكية بصيغتها الحالية، أم ستطالها تعديلات خلال المشاورات التي تسبق التصويت.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بملفين متداخلين: مستقبل بعثة المينورسو من جهة، والمرجعية السياسية التي ستؤطر المفاوضات المقبلة من جهة أخرى.
وفي حال اعتماد التوجهات المقترحة، فإن ذلك قد يمهد لإعادة تنظيم الدور الأممي في الصحراء المغربية، مع منح مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية موقعًا محوريًا في العملية التفاوضية، وفق الصيغة التي تدفع بها واشنطن.
وفي المقابل، تكشف اعتراضات البوليساريو عن استمرار الخلاف بشأن شروط التسوية وطبيعة الإطار التفاوضي، وهو ما يجعل مسار المشاورات داخل مجلس الأمن عاملًا أساسيًا في تحديد الصيغة النهائية للقرار.
وبين التحركات الأمريكية الرامية إلى إعادة توجيه المسار السياسي والاعتراضات التي تبديها البوليساريو، تظل الأنظار معلقة على مخرجات مجلس الأمن، باعتبارها محطة مؤثرة في تحديد ملامح المرحلة المقبلة من تدبير الأمم المتحدة للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.






