الصحراء المغربية

قرار مجلس الأمن المرتقب يمهّد لنقل ملف الصحراء من التفاوض إلى ترتيبات الحل

جسر بريس 5 دقائق للقراءة
Jisrpress

يتجه ملف الصحراء نحو مرحلة مفصلية مع اقتراب موعد تصويت مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار جديد تتولى الولايات المتحدة الأمريكية صياغته بصفتها حاملة القلم، في سياق تحركات دبلوماسية تروم تجاوز حالة الجمود التي طبعت المسار السياسي للنزاع على مدى عقود.

وبحسب معطيات دبلوماسية متداولة، فإن الرهان لم يعد مقتصراً على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، بل يتجاوز ذلك إلى وضع أسس عملية للانتقال نحو تنفيذ تسوية سياسية، في ظل تزايد التوجه نحو تحديد إطار واضح للمفاوضات والابتعاد عن المسارات المفتوحة التي لم تفضِ إلى نتائج حاسمة.

وتعكس الصيغة الأولية لمشروع القرار، وفق المعطيات ذاتها، توجهاً أمريكياً يرمي إلى جعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محوراً أساسياً للمسار السياسي المقبل، بما قد يمهد للانتقال من مرحلة تبادل المواقف إلى مناقشة الترتيبات العملية الكفيلة بتنفيذ الحل المقترح.

تعديل اسم بعثة «مينورسو» وحذف الإشارة إلى الاستفتاء

ومن أبرز النقاط التي تتضمنها المسودة المتداولة، تعديل التسمية الرسمية لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً بـ«مينورسو»، لتصبح «بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية»، مع حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسمها.

ويمثل هذا التعديل، في حال اعتماده ضمن الصيغة النهائية للقرار، تحولاً في التسمية المعتمدة للبعثة الأممية، في وقت تتجه فيه النقاشات الدبلوماسية نحو إعادة تحديد الإطار السياسي الذي ستتم داخله معالجة النزاع.

أما النقطة الثانية فتتعلق بتكريس الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات المقبلة، وهو توجه ينسجم مع المقاربة الأمريكية الداعمة للمبادرة المغربية. غير أن باقي مقتضيات المسودة الأولية تظل، وفق المعطيات المتداولة، خاضعة للمشاورات بين أعضاء مجلس الأمن، مع إمكانية إدخال تعديلات على بعض التفاصيل تبعاً للتفاهمات التي ستسبق التصويت.

ومن المرتقب أن تشمل هذه التعديلات المحتملة الآجال الزمنية المقترحة للانتقال إلى المراحل المقبلة، فضلاً عن الترتيبات المتعلقة بإعادة هيكلة البعثة الأممية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير المرجعية السياسية التي يقوم عليها مشروع القرار.

إحصاء سكان مخيمات تندوف ضمن النقاط الخلافية

ويبرز ملف إحصاء سكان مخيمات تندوف باعتباره أحد المحاور التي تحظى باهتمام في المشاورات الجارية، خصوصاً في ما يتعلق بتمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من استكمال إجراءات التسجيل الفردي.

وتقترح المسودة المتداولة إنجاز هذه العملية خلال ستة أشهر، مع ضمان الوصول إلى المخيمات وحرية التنقل، وربط التدابير الإنسانية بالبحث عن حلول طوعية ودائمة.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بتوفير معطيات دقيقة حول الأوضاع السكانية والإنسانية، بما يمكن أن يساعد على بناء الترتيبات المستقبلية على أسس واضحة، ويعزز فعالية المقاربة الأممية في التعامل مع الملف.

وفي موازاة ذلك، يجري تداول إمكانية توسيع دائرة المشاورات لتشمل مكونات صحراوية خارج الأطراف التي اعتادت المشاركة في المسار السياسي، من بينها حركة «صحراويون من أجل السلام».

وقد يفتح هذا التوجه المجال أمام مشاركة أوسع في النقاشات المرتبطة بمستقبل المنطقة، خصوصاً إذا اتجه المسار السياسي نحو تنزيل الحكم الذاتي، واستمر الخلاف بشأن قبول جبهة البوليساريو بهذا المقترح.

الجزائر في قلب الحسابات الدبلوماسية

وفي الجانب السياسي، لا تزال المواقف الجزائرية تشكل أحد العناصر المؤثرة في مسار المشاورات، في ظل استمرار الخلاف بشأن المرجعية التي ينبغي أن تؤطر الحل النهائي للنزاع.

وتحمّل بعض التقديرات الدبلوماسية الجزائر مسؤولية استمرار حالة الجمود، بالنظر إلى دعمها لجبهة البوليساريو وتأثيرها في توجهاتها السياسية، بينما تتمسك الجزائر بمقاربة تعتبر أن تقرير المصير ينبغي أن يظل مفتوحاً على خيار الاستقلال.

ويضع هذا التباين الأطراف المعنية أمام اختبار جديد، مع سعي الولايات المتحدة إلى الدفع نحو صيغة أكثر تحديداً للمفاوضات، ترتكز على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساساً للتوصل إلى تسوية سياسية.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الاتصالات التي تجريها الجزائر مع عدد من العواصم المؤثرة، خصوصاً موسكو، في محاولة للتأثير في مضامين المسودة الأولية قبل تثبيت صيغتها النهائية وعرضها على التصويت.

روسيا والصين أمام اختبار التصويت

وعلى مستوى موازين القوى داخل مجلس الأمن، تتجه التقديرات المتداولة إلى استبعاد استخدام روسيا والصين حق النقض ضد مشروع القرار المرتقب، استناداً إلى سلوك البلدين خلال التصويت السابق على القرار رقم 2797، حين امتنعا عن التصويت دون أن يمنعا اعتماده.

ومع ذلك، تبقى المواقف النهائية للدول الأعضاء رهينة بمضمون الصيغة التي ستُعرض للتصويت، وبمدى استجابتها للتحفظات التي قد تثيرها بعض الأطراف خلال المشاورات الأخيرة.

ويستفيد المغرب، وفق القراءات الدبلوماسية المطروحة، من دعم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب البحرين وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال، فضلاً عن مواقف مؤيدة للمبادرة المغربية بدرجات متفاوتة لدى عدد من الدول الأخرى، من بينها بنما والدنمارك واليونان وكولومبيا.

في المقابل، تضم تركيبة المجلس دولاً تختلف مواقفها من الملف، من بينها الصين وروسيا وباكستان ولاتفيا، وهو ما يجعل المفاوضات بشأن الصيغة النهائية لمشروع القرار ضرورية لتحديد مستوى التوافق الذي يمكن أن يحظى به.

هل ينتقل الملف من التفاوض إلى التنفيذ؟

ويأتي مشروع القرار المرتقب في سياق مساعٍ دولية لإعادة تحريك المسار السياسي لنزاع الصحراء، الذي استمر لأكثر من خمسة عقود دون التوصل إلى تسوية نهائية تحظى بقبول الأطراف المعنية.

وفي حال اعتماد الصيغة المقترحة، فقد يشكل القرار خطوة نحو الانتقال من تجديد الدعوات العامة إلى التفاوض إلى تحديد معالم أكثر وضوحاً للمسار السياسي المقبل، مع وضع الحكم الذاتي في صلب المفاوضات وتحديد بعض التدابير المرتبطة بالجوانب الإنسانية والمؤسساتية.

غير أن الأثر الفعلي لهذا التوجه سيظل مرتبطاً بالمضمون النهائي للقرار، ومدى التزام الأطراف المعنية بالتفاعل مع مقتضياته، فضلاً عن قدرة أعضاء مجلس الأمن على الحفاظ على توافق يسمح بتفعيل المسار السياسي.

وبين التحركات الأمريكية الرامية إلى تثبيت إطار جديد للمفاوضات، والمساعي الجزائرية للتأثير في الصيغة النهائية، تترقب الأوساط الدبلوماسية مآلات التصويت باعتباره محطة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في ملف الصحراء، وتحدد ما إذا كان المسار الأممي سيتجه نحو مقاربة أكثر تركيزاً على تنفيذ الحل السياسي المقترح‏.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *