سياسة

الجزائر تصدّر العسكر إلى الساحل وتترك أزماتها في الداخل.. مغامرات النظام على حساب الشعب

جسر بريس 8 دقائق للقراءة
Jisrpress

عز الدين السريفي

بين شعارات حماية الأمن القومي وحسابات النفوذ الإقليمي، يواجه النظام الجزائري أسئلة محرجة بشأن أولوياته السياسية، فيما ينتظر المواطن حلولاً لأزماته المعيشية، ويظل الجنود في مواجهة مخاطر قرارات لم تُكشف كل تفاصيلها للرأي العام.

يبدو أن النظام الجزائري لم يكتفِ بإقحام البلاد في حسابات إقليمية معقدة، بل يريد توسيع دائرة حضوره العسكري في منطقة الساحل، وكأن أزمات الداخل لم تعد كافية لاستنزاف أعصاب الجزائريين وموارد دولتهم. فقرار إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، تحت عنوان حماية المنشآت النفطية، يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة لا يمكن إسكاتها بالشعارات الجاهزة عن الأمن القومي والتعاون الإقليمي.

فمن يحمي المواطن الجزائري من الغلاء والبطالة وتآكل القدرة الشرائية، إذا كان النظام منشغلاً بتوسيع حضوره العسكري خارج الحدود؟ ومن يضمن ألا تتحول مهمة محدودة في ظاهرها إلى مغامرة مفتوحة، يدفع ثمنها الجنود الجزائريون من أرواحهم، وتتحمل كلفتها الخزينة العمومية من أموال الشعب؟

إن القضية لا تتعلق برفض التعاون الأمني بين الدول الإفريقية، ولا بإنكار المخاطر التي تهدد منطقة الساحل، وإنما تتعلق بضرورة إخضاع القرارات الاستراتيجية للمساءلة، ورفض تحويل الأمن القومي إلى مظلة واسعة تُحجب خلفها الأسئلة المشروعة عن الأهداف والكلفة والنتائج.

نظام يبحث عن النفوذ خارج الحدود ويتهرب من أسئلة الداخل

في الوقت الذي ينتظر فيه الجزائريون سياسات اقتصادية أكثر نجاعة، وفرص عمل حقيقية للشباب، وتحسيناً ملموساً لمستوى المعيشة، يجدون أنفسهم أمام تساؤلات جديدة بشأن توسيع الالتزامات العسكرية لبلادهم في منطقة شديدة الاضطراب.

وهنا تتجلى المفارقة السياسية التي تستحق النقاش: كيف يمكن لنظام يرفع شعار حماية الدولة واستقرارها أن يقنع مواطنيه بجدوى توسيع المخاطر الخارجية، بينما لا تزال المطالب الاجتماعية والاقتصادية تفرض نفسها بقوة على الحياة اليومية؟

لا يكفي أن ترفع السلطة شعار حماية المصالح الاستراتيجية لتصبح قراراتها بمنأى عن النقد. فالمصالح الوطنية لا تُقاس بعدد التحركات العسكرية، ولا بحجم الحضور خارج الحدود، وإنما بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وصون مواردها، وتحقيق التوازن بين التزاماتها الخارجية واحتياجات مجتمعها.

وإذا كان النظام الجزائري يعتبر تحركه نحو النيجر ضرورة أمنية، فإن من حق الجزائريين أن يعرفوا طبيعة هذه الضرورة، وحدودها، والجهة التي حددتها، والكلفة التي ستترتب عليها. أما الاكتفاء بالتبريرات العامة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك بشأن حقيقة الحسابات التي تقف وراء هذا القرار.

النيجر ليست ساحة خالية من الألغام

من يعتقد أن إرسال وحدات عسكرية إلى منطقة الساحل مجرد إجراء تقني لحماية منشآت نفطية، يتجاهل تعقيدات واقع أمني وسياسي بالغ الحساسية.

فالنيجر تقع في قلب منطقة تتشابك فيها التهديدات المسلحة مع التنافس الإقليمي، وتتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع حسابات السيادة والتحالفات الدولية. وأي انتشار عسكري في مثل هذه البيئة يحتاج إلى رؤية واضحة، وتنسيق معلن، وضمانات قانونية، وتحديد دقيق للمهمة ومدتها وقواعد الاشتباك.

والسؤال هنا ليس ما إذا كان الجيش الجزائري يمتلك القدرة على تنفيذ عمليات خارج الحدود، بل ما إذا كانت القيادة السياسية قد أجابت عن السؤال الأهم: ماذا لو خرجت المهمة عن نطاقها المعلن؟ وماذا لو تعرضت الوحدات العسكرية لهجمات؟ ومن يتحمل مسؤولية أي تصعيد محتمل؟

إن التاريخ الأمني لمنطقة الساحل يقدم دروساً قاسية بشأن حدود المقاربات العسكرية عندما لا تكون مدعومة بتوافق سياسي محلي، وتعاون إقليمي فعلي، واستراتيجية واضحة لمعالجة جذور الاضطراب.

فلا العتاد وحده يصنع الاستقرار، ولا الانتشار العسكري يضمن النفوذ المستدام، ولا الخطابات الرسمية تستطيع إلغاء المخاطر الميدانية.

إن أخطر ما في القرارات العسكرية ليس ما تعلنه السلطة عند اتخاذها، بل ما قد تخفيه حساباتها من احتمالات لم تجرؤ على مصارحة الرأي العام بها.

الجيش ليس ورقة لتصفية الحسابات الإقليمية

تتمثل إحدى الإشكاليات الأساسية في الدور الذي تحتله المؤسسة العسكرية داخل بنية النظام الجزائري، وفي مدى وضوح الحدود الفاصلة بين متطلبات الدفاع عن البلاد وحسابات السياسة الخارجية.

فالجيش مؤسسة وطنية مهمتها الأساسية حماية الدولة وسيادتها، وجنوده ليسوا أدوات لتسويق صورة سياسية أو تعزيز نفوذ إقليمي على حساب اعتبارات أخرى.

ومن هذا المنطلق، فإن إرسال العسكريين إلى مناطق مضطربة يجب أن يكون قراراً مدروساً، يستند إلى تقييم واقعي للتهديدات، وأهداف قابلة للتحقق، وخطة خروج واضحة، لا إلى تقديرات فضفاضة قد تتغير بتغير موازين القوى.

ولا يجوز التعامل مع أرواح الجنود باعتبارها تفصيلاً ثانوياً في معادلات النفوذ. فكل عسكري يُرسل إلى منطقة خطرة هو إنسان له أسرة تنتظر عودته، وله حقوق تفرض على الدولة أن توضح المخاطر التي سيتعرض لها والضمانات التي توفرها لحمايته.

ومن حق الرأي العام أن يسأل: هل توجد استراتيجية محددة لهذه المهمة؟ وهل جرى تقدير انعكاساتها على الأمن الوطني؟ وما حدود الالتزام الجزائري في حال تغيرت الظروف السياسية أو الأمنية في النيجر؟

هذه ليست أسئلة عدائية، كما أنها ليست تشكيكاً في كفاءة الجيش. إنها أسئلة مشروعة تفرضها خطورة القرار نفسه، ولا يمكن لأي سلطة أن تطالب المواطنين بالثقة المطلقة بينما تترك التفاصيل الأساسية خارج النقاش العام.

النفط والنفوذ.. من المستفيد الحقيقي؟

يكتسب الحديث عن حماية المنشآت النفطية حساسية إضافية، لأن الأمر يتعلق بقطاع استراتيجي تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والسياسية.

لكن حماية المصالح الاقتصادية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر مفتوح لتوسيع الالتزامات العسكرية، ولا إلى غطاء يحول دون معرفة المستفيدين الحقيقيين من هذه الترتيبات.

وهنا تبرز أسئلة لا يمكن القفز عليها: ما طبيعة المنشآت المستهدفة بالحماية؟ وما الأساس القانوني للوجود العسكري الجزائري؟ وهل توجد اتفاقيات معلنة تحدد المسؤوليات والالتزامات؟ وما المقابل الاستراتيجي أو الاقتصادي الذي تنتظره الجزائر من هذه الخطوة؟

لا يعني طرح هذه الأسئلة افتراض وجود أهداف خفية أو الجزم بأن القرار يخدم مصالح بعينها، وإنما يعني أن القرارات ذات الكلفة الأمنية والسياسية يجب أن تكون واضحة بما يكفي لتفادي تضارب الروايات وتعدد التأويلات.

فحين يتعلق الأمر بموارد الدولة وأمن جنودها ومكانتها الإقليمية، لا ينبغي أن تبقى التفاصيل الأساسية رهينة البيانات المقتضبة أو الخطاب الرسمي العام.

سياسة خارجية لا تعوض إخفاقات الداخل

لا يمكن لأي نظام أن يعوض ضعف الأداء الداخلي باستعراض الحضور الخارجي إلى ما لا نهاية. فالدول القوية ليست تلك التي تبحث باستمرار عن ساحات جديدة لإثبات وجودها، وإنما تلك التي تمتلك اقتصاداً متماسكاً، ومؤسسات فعالة، وثقة متبادلة بين السلطة والمجتمع.

وإذا أرادت القيادة الجزائرية إقناع مواطنيها بأن تحركها في النيجر يخدم المصلحة الوطنية، فعليها أن تقدم حججاً واضحة وأرقاماً قابلة للفحص، وأن تكشف عن الكلفة المتوقعة، والنتائج المنتظرة، والضمانات التي تحول دون تحول المهمة إلى التزام طويل الأمد.

أما تجاهل الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية، والتعامل مع النقد باعتباره تشكيكاً في الدولة، فلن يؤدي إلا إلى توسيع الفجوة بين الخطاب الرسمي وانتظارات المواطنين.

فالجزائري الذي يبحث عن فرصة عمل، والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، والشاب الذي ينتظر مستقبلاً أفضل، جميعهم يملكون الحق في معرفة كيف تُرتب الدولة أولوياتها، وكيف تُصرف مواردها، وعلى أي أساس تُتخذ القرارات التي قد تعرض أبناءهم لمخاطر إضافية.

لا يمكن مطالبة الشعب بتحمل كلفة قرارات استراتيجية من دون منحه الحد الأدنى من المعلومات التي تسمح له بفهمها ومساءلة أصحابها.

الجزائر في الساحل.. نفوذ بلا ضمانات؟

إقليمياً، لا تعمل الجزائر في فراغ. فكل تحرك عسكري في النيجر يتفاعل مع حسابات دول الجوار، ومع حساسيات السيادة الوطنية، ومع توازنات إقليمية تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

ومن ثم، فإن أي خطوة جزائرية تحتاج إلى مقاربة دقيقة تحترم سيادة النيجر، وتراعي مخاوف دول المنطقة، وتمنع تحول التعاون الأمني إلى مصدر جديد للتوتر.

فالمكانة الإقليمية لا تُفرض بالقوة وحدها، ولا تُقاس بمجرد القدرة على الوصول إلى مناطق أبعد. إنها تُبنى أيضاً بالثقة، ووضوح الأهداف، واحترام الشركاء، وتقديم حلول قابلة للاستمرار.

وإذا كان الهدف المعلن هو حماية منشآت اقتصادية ومواجهة تهديدات أمنية، فإن نجاح المهمة ينبغي أن يُقاس بنتائجها الفعلية، لا بمجرد الإعلان عنها. أما إذا لم تكن هناك أهداف محددة ومؤشرات واضحة للنجاح، فإن الحديث عن استراتيجية إقليمية متماسكة سيظل موضع تساؤل مشروع.

من يحاسب أصحاب القرار؟

تكمن المشكلة الأعمق في أن القرارات العسكرية والاستراتيجية لا يمكن أن تكون شأناً مغلقاً بالكامل، خصوصاً عندما تتصل بأمن المواطنين وموارد الدولة واحتمالات التصعيد الإقليمي.

ففي القضايا التي قد تترتب عليها خسائر بشرية أو التزامات مالية طويلة الأمد، تصبح الشفافية ضرورة وطنية، لا ترفاً سياسياً. كما تصبح المساءلة شرطاً لحماية الدولة من أخطاء التقدير، لا أداة لإضعافها.

ومن حق الجزائريين أن يعرفوا ما إذا كانت المهمة محدودة زمنياً، وما إذا كانت هناك آليات للرقابة على تنفيذها، وما الضمانات المتاحة لإنهائها إذا تغيرت الظروف أو تجاوزت المخاطر المستوى المقبول.

كما أن من واجب السلطة أن تميز بين الدفاع عن المصالح الوطنية وبين تقديم قراراتها باعتبارها حقائق لا يجوز مناقشتها. فالدولة التي تثق في سلامة خياراتها لا تخشى الأسئلة، والقيادة التي تمتلك رؤية واضحة تستطيع شرح أهدافها ومخاطرها للرأي العام.

أمن الجزائر يبدأ من وضوح القرار

إن إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، إذا تأكدت تفاصيله وأهدافه المعلنة، ليس مجرد خبر عابر في العلاقات بين بلدين جارين، بل قضية تستحق نقاشاً وطنياً جاداً بشأن حدود الالتزام العسكري، وكلفة السياسة الخارجية، ومستقبل الدور الجزائري في منطقة الساحل.

ولا تكمن المسؤولية في إطلاق أحكام مسبقة على النوايا، بل في مطالبة أصحاب القرار بتقديم الأدلة والتوضيحات اللازمة، حتى لا تتحول الشعارات الاستراتيجية إلى ستار يحجب المخاطر الحقيقية.

فالجزائر ليست بحاجة إلى سباق نفوذ يستهلك مواردها أو يضع جنودها في مواجهة احتمالات غير محسوبة. إنها بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وأولويات اقتصادية واجتماعية واضحة، وعلاقة أكثر شفافية بين السلطة والمجتمع.

وإذا كان النظام الجزائري يرى في تحركه نحو النيجر خطوة ضرورية لحماية الأمن القومي، فعليه أن يثبت ذلك بالوقائع، وأن يكشف حدود المهمة وتكاليفها وضماناتها، لا أن يكتفي بالخطاب الرسمي.

فالسيادة ليست مجرد قدرة على التحرك خارج الحدود، والقوة ليست في فتح جبهات جديدة، والوطنية ليست في إسكات الأسئلة. القوة الحقيقية هي أن تعرف الدولة لماذا تتحرك، وإلى أين تتجه، وماذا ستجني، وما الثمن الذي قد يدفعه شعبها وجنودها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه النظام الجزائري بوضوح: هل تمثل هذه الخطوة استثماراً محسوباً في أمن البلاد، أم التزاماً جديداً يحتاج أصحابه إلى تقديم تبريرات مقنعة بشأنه؟

إن الإجابة لن تكون في الشعارات، بل في الشفافية والنتائج. أما الشعب الجزائري، فمن حقه أن يطالب بأن تكون سلامته وكرامته ومستقبله في صدارة كل قرار، لا أن يُترك لمواجهة تبعات خيارات استراتيجية لم تتضح له كل أبعادها بعد.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *