عز الدين السريفي
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار اختار الانطلاق مبكرا في معركة كسب ثقة الناخبين، من خلال الكشف التدريجي عن ملامح برنامجه الانتخابي الجديد، واضعا قضية القدرة الشرائية في صدارة أولوياته، في خطوة تحمل رسائل سياسية وانتخابية متعددة، وتؤشر على توجه الحزب نحو إعادة بناء تعاقده مع المغاربة انطلاقا من أحد أكثر الملفات حساسية في الظرفية الراهنة.
فإطلاق أولى محطات الجولة الوطنية للحزب من مدينة فاس لم يكن حدثا تنظيميا عاديا، بل يعكس رغبة واضحة في تدشين مرحلة سياسية جديدة، تقوم على التواصل المباشر مع المواطنين، واستباق النقاش العمومي حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت خلال السنوات الأخيرة في صلب اهتمامات الأسر المغربية.
ويكشف اختيار القدرة الشرائية كأول التزام انتخابي عن إدراك قيادة الحزب، وعلى رأسها محمد شوكي، لحجم التحديات التي فرضتها موجات التضخم وارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، وما خلفته من ضغوط متزايدة على ميزانيات الأسر، خاصة الطبقة المتوسطة والفئات الهشة.
ويبدو أن الأحرار يسعون، من خلال هذا الطرح، إلى تحويل ملف القدرة الشرائية من مجرد شعار انتخابي إلى محور مركزي في مشروعهم السياسي للمرحلة المقبلة، عبر تقديم ما وصفوه بـ”الأدرع” الأربعة، التي تشمل الحماية من غلاء المعيشة، وتشجيع الادخار لدى العاملين في القطاع غير المهيكل، وتحسين الأجور والمعاشات، فضلا عن دعم تمدرس أبناء الطبقة المتوسطة.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الإعلان عن الالتزامات، بل في مدى قدرة الحزب على إقناع الرأي العام بواقعية هذه الوعود وإمكانية تنزيلها على أرض الواقع. فالتجمع الوطني للأحرار، باعتباره الحزب الذي قاد الحكومة خلال الولاية الحالية، سيكون مطالبا أكثر من غيره بتقديم حصيلة ملموسة تدعم وعوده الجديدة، خصوصا أن جزءا من الناخبين قد يقارب البرنامج المقبل من زاوية تقييم الأداء الحكومي الحالي.
في المقابل، قد تمنح هذه المنهجية التواصلية الجديدة الحزب هامشا أوسع للتحكم في أجندة النقاش السياسي، من خلال الإعلان المتدرج عن مضامين البرنامج، بما يسمح بإبقاء حضوره السياسي والإعلامي مستمرا إلى غاية موعد الانتخابات، فضلا عن اختبار تفاعل الرأي العام مع مختلف المقترحات قبل الصياغة النهائية للبرنامج.
ويرى متابعون أن تركيز الأحرار على الطبقة المتوسطة ليس اعتباطيا، بل يعكس وعيا متزايدا بأهمية هذه الفئة في المعادلة الانتخابية والاجتماعية، باعتبارها الأكثر تأثرا بالتحولات الاقتصادية والأكثر قدرة على التأثير في التوجهات الانتخابية. كما أن استهدافها بإجراءات ضريبية واجتماعية قد يشكل أحد أبرز عناوين التنافس الحزبي خلال المرحلة المقبلة.
وفي سياق وطني يتسم بمواصلة ورش الدولة الاجتماعية، وتحديات مرتبطة بالتشغيل والسيادة الغذائية والمائية والتحول الرقمي، يبدو أن الأحرار يراهنون على تقديم أنفسهم كحزب قادر على الجمع بين الاستمرارية والإصلاح، غير أن نجاح هذا الرهان سيظل رهينا بمدى قدرة الحزب على تحويل الالتزامات المعلنة إلى سياسات قابلة للتنفيذ، واستعادة ثقة جزء من الناخبين الذين ينتظرون أجوبة عملية أكثر من الشعارات السياسية.
وبذلك، يكون حزب التجمع الوطني للأحرار قد أطلق فعليا أولى إشارات الحملة الانتخابية غير المعلنة، واضعا القدرة الشرائية في قلب معركة سياسية ينتظر أن تحتدم أكثر كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع.






