كيف حوّل المغرب صحراءه إلى قطب اقتصادي يفرض رحيل “المينورسو”؟
يواجه مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) مرحلة دقيقة، في ظل النقاشات المتواصلة داخل مجلس الأمن الدولي بشأن مراجعة مهامها وولايتها، بالتزامن مع تداول مقترحات أمريكية ترمي إلى إعادة هيكلة حضورها الأممي، وتقليص مكونها العسكري، وتعزيز الطابع السياسي لمهمتها، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها مسار نزاع الصحراء المغربية.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن مستقبل النموذج التقليدي لبعثات حفظ السلام، ومدى قدرة الآليات الأممية المعتمدة منذ عقود على مواكبة التحولات السياسية والميدانية، خصوصاً في ظل تزايد الدعوات إلى الانتقال من تدبير النزاعات الممتدة إلى البحث عن تسويات سياسية قابلة للتنفيذ.
واشنطن تدفع نحو مراجعة مهام المينورسو
تتجه الأنظار إلى المقترحات الأمريكية المتداولة بشأن مستقبل المينورسو، والتي تتضمن، وفق المعطيات الواردة بشأن المسودة، مراجعة طبيعة المهمة الأممية، وإعادة النظر في مكونها العسكري، إلى جانب تعزيز أدوارها السياسية خلال المرحلة المقبلة.
وتشمل المقترحات المنسوبة إلى الجانب الأمريكي تغييرات محتملة في تسمية البعثة وإطار عملها، بما قد يفتح الباب أمام تحول تدريجي من التركيز على المهام العسكرية المرتبطة بوقف إطلاق النار إلى مقاربة أكثر ارتباطاً بالمسار السياسي للنزاع.
غير أن هذه التوجهات تظل رهينة بمضمون الصيغة النهائية لأي قرار أممي، وبمواقف أعضاء مجلس الأمن، فضلاً عن طبيعة التوافق الذي يمكن التوصل إليه بشأن مستقبل البعثة واختصاصاتها.
وتعكس هذه النقاشات توجهاً نحو تقييم فعالية عمليات حفظ السلام التي استمرت لسنوات طويلة، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، في ظل التحديات المالية والسياسية والأمنية التي تواجه منظومة العمل الأممي.
التنمية في الأقاليم الجنوبية تعزز الحضور المغربي
بالتوازي مع النقاشات الأممية، يواصل المغرب الرهان على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أقاليمه الجنوبية، باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار وترسيخ الاندماج الاقتصادي للمجال الصحراوي ضمن الدينامية الوطنية.
وفي هذا الإطار، تبرز المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، باعتباره أحد أبرز الأوراش الرامية إلى تعزيز الربط التجاري والاقتصادي بين المغرب وعمقه الإفريقي، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والطاقة واللوجستيك التي تستهدف دعم جاذبية المنطقة للاستثمارات.
كما يندرج مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يربط المغرب بنيجيريا ويمر عبر عدد من بلدان غرب إفريقيا، ضمن الرهانات الاستراتيجية التي يسعى المغرب من خلالها إلى تعزيز التعاون الإقليمي وتطوير البنية التحتية للطاقة.
وتمنح هذه الأوراش الأقاليم الجنوبية موقعاً متنامياً ضمن المبادرات الاقتصادية الأطلسية والإفريقية، وتدعم الطرح المغربي القائم على اعتبار التنمية والاستثمار وتحسين الظروف الاجتماعية من المداخل الأساسية لترسيخ الاستقرار طويل الأمد.
ومع ذلك، فإن الربط بين هذه الدينامية التنموية ومستقبل المينورسو يظل مرتبطاً بالقرارات السياسية والقانونية التي سيتخذها مجلس الأمن، إذ لا يؤدي التقدم الاقتصادي، في حد ذاته، إلى تغيير تلقائي في الولاية القانونية للبعثة الأممية.
الحكم الذاتي في صلب النقاش السياسي
على المستوى الدبلوماسي، يواصل المغرب الترويج لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها مقترحاً لحل نزاع الصحراء، مستنداً إلى تحركاته الدبلوماسية ومواقفه المعلنة داخل الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، يبرز دور السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، في الدفاع عن الموقف المغربي أمام الهيئات الأممية، والتأكيد على مركزية الحل السياسي في إطار السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي.
ويكتسب هذا التوجه أهمية في ظل استمرار النقاش الدولي بشأن الصيغ الممكنة لتسوية النزاع، وما يرافقه من محاولات لإيجاد مقاربة سياسية أكثر فعالية، قادرة على تجاوز حالة الجمود التي طبعت الملف لسنوات.
لكن مستقبل العملية السياسية لا يتوقف على مواقف طرف واحد، بل يتأثر أيضاً بمواقف الأطراف المعنية، وبمدى استعدادها للمشاركة في المسار الأممي وفق الأسس التي يحددها مجلس الأمن في قراراته.
البوليساريو والجزائر أمام تحديات المرحلة المقبلة
في المقابل، تثير المقترحات المتعلقة بإعادة هيكلة المينورسو، في حال تأكدت تفاصيلها، تساؤلات بشأن ردود فعل جبهة البوليساريو والجزائر، خصوصاً إذا تضمنت تعديلات جوهرية على طبيعة المهمة الأممية أو آليات متابعة المسار السياسي.
وتكتسي مسألة إحصاء سكان مخيمات تندوف أهمية إنسانية وسياسية، بالنظر إلى المطالب المتكررة بإرساء معطيات دقيقة بشأن أعداد المستفيدين من المساعدات الإنسانية، بما يساهم في تحسين توجيه الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه.
وفي هذا الإطار، فإن أي مقترح أممي يحدد آجالاً زمنية لإجراء عملية التسجيل أو الإحصاء، أو يربطها بآليات المراقبة الإنسانية، سيظل بحاجة إلى التحقق من صيغته الرسمية ومدى اعتماده ضمن قرار صادر عن مجلس الأمن.
كما أن مستقبل المفاوضات يظل مرتبطاً بطبيعة الإطار السياسي الذي سيعتمده المجلس، وبمدى تجاوب الأطراف المعنية مع أي مبادرة ترمي إلى إحياء المسار التفاوضي وتحقيق تقدم ملموس نحو التسوية.
أما التهديدات المحتملة بالانسحاب من العملية السياسية، في حال صدورها رسمياً، فستكون لها انعكاسات على مسار المفاوضات، لكنها لا تكفي وحدها للحسم في مآلات النزاع أو في مستقبل البعثة الأممية.
بين إعادة الهيكلة واستمرار الولاية الأممية
تضع التطورات الراهنة مجلس الأمن أمام معادلة دقيقة تجمع بين مراجعة فعالية المينورسو والحفاظ على الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة في دعم المسار السياسي ومراقبة الأوضاع الميدانية وفق ولايتها المعتمدة.
فأي تغيير في تركيبة البعثة أو تسميتها أو صلاحياتها يتطلب قراراً أممياً واضحاً، ولا يمكن التعامل مع المقترحات المتداولة باعتبارها قرارات نافذة قبل اعتمادها رسمياً.
ومن شأن إعادة النظر في طبيعة المهمة، إذا جرى إقرارها، أن تفتح مرحلة جديدة في تدبير الملف، خصوصاً إذا اقترنت بتعزيز الجهود الدبلوماسية وتوفير شروط التقدم نحو تسوية سياسية مقبولة.
وفي المقابل، فإن استمرار الخلافات بين الأطراف المعنية قد يجعل أي تعديل مؤسساتي غير كافٍ، بمفرده، لإنهاء النزاع أو تجاوز العقبات التي تعترض المسار الأممي.
الصحراء المغربية بين رهانات التنمية والتحولات الدبلوماسية
في المحصلة، تعكس النقاشات المتعلقة بمستقبل المينورسو تزايد الاهتمام الدولي بضرورة مراجعة آليات تدبير النزاعات الممتدة، والبحث عن مقاربات أكثر قدرة على الجمع بين متطلبات الاستقرار والفعالية الدبلوماسية.
وبالنسبة إلى المغرب، تشكل المشاريع التنموية والاستثمارات الاستراتيجية في الأقاليم الجنوبية إحدى الركائز الأساسية في مقاربته لترسيخ الاستقرار وتعزيز الاندماج الاقتصادي، بالتوازي مع تحركاته الدبلوماسية الرامية إلى تكريس مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للحل السياسي الذي يدعو إليه.
وبين احتمالات إعادة هيكلة البعثة الأممية واستمرار ولايتها بصيغتها الحالية، يبقى القرار النهائي بيد مجلس الأمن، فيما ستظل نتائج المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى قدرة الجهود الدولية على تحويل النقاشات الدبلوماسية إلى تقدم فعلي نحو تسوية سياسية للنزاع.







