سياسة

المغرب يوسّع تحالفاته الاستراتيجية.. من دروس التاريخ إلى رسائل الرباط لباقي العواصم

جسر بريس 5 دقائق للقراءة
Jisrpress

من حرب الرمال سنة 1963 إلى التحولات الجيوسياسية الراهنة، يواصل المغرب تعزيز موقعه الإقليمي عبر دبلوماسية متعددة المسارات وشراكات استراتيجية تتجاوز الحسابات الظرفية، في وقت تواجه فيه المنطقة المغاربية تحديات متزايدة بسبب استمرار التوترات السياسية وتضارب المصالح الإقليمية.

لم تكن المواجهة المغربية الجزائرية مجرد خلاف عابر في تاريخ المنطقة المغاربية، بل تحولت، على امتداد عقود، إلى أحد أبرز مظاهر الصراع على النفوذ والتوجهات الاستراتيجية في شمال إفريقيا. فمنذ حرب الرمال سنة 1963، ظلت العلاقات بين البلدين رهينة تراكمات تاريخية وسياسية عميقة، حالت دون بناء فضاء مغاربي متكامل يستجيب لتطلعات شعوبه.

غير أن المغرب، رغم تعقيدات المشهد الإقليمي، اختار توسيع هامش تحركه الدبلوماسي، وتعزيز شراكاته الدولية، وبناء شبكة من العلاقات القائمة على المصالح المشتركة والالتزامات الاستراتيجية. وهي مقاربة تعكس، في نظر مراقبين، توجهاً نحو تثبيت موقع المملكة باعتبارها فاعلاً إقليمياً يمتلك القدرة على تنويع شركائه وعدم حصر خياراته في دائرة جغرافية ضيقة.

الإمارات والمغرب.. شراكة تتجاوز الحسابات الظرفية

يشكل التقارب المغربي الإماراتي أحد أبرز أوجه التحرك الاستراتيجي للمملكة في المنطقة العربية. فقد تطورت العلاقات بين البلدين عبر سنوات من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، بما يعكس تقاطعاً في عدد من الرؤى والمصالح الإقليمية.

وفي ظل التوترات التي شهدتها العلاقات الجزائرية الإماراتية، والتي بلغت مستوى قطع العلاقات الدبلوماسية في سبتمبر 2026، تكتسب الشراكة بين الرباط وأبوظبي أبعاداً إضافية في سياق التنافس الإقليمي وإعادة ترتيب الأولويات والتحالفات.

ولا يتعلق الأمر بمجرد تقارب ظرفي تفرضه خلافات بين أطراف إقليمية، بل بشراكة تستند إلى علاقات ممتدة ومصالح متبادلة. فالدول التي تبني علاقاتها على الثقة والتعاون طويل الأمد تكون أكثر قدرة على مواجهة التحولات السياسية، وأقل عرضة لتقلبات المواقف الآنية.

ومن هذا المنطلق، فإن الوفاء المتبادل بين الحلفاء يظل أحد العناصر الأساسية في بناء الشراكات الاستراتيجية، شريطة أن يقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية، بعيداً عن منطق الاصطفاف الأعمى أو تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات مفتوحة.

خالد حفتر في الرباط.. تحرك عسكري برسائل إقليمية

في السياق ذاته، أثار استقبال المغرب للفريق أول خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، خلال أكتوبر 2026، اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية.

وتندرج الزيارة، وفق ما أُعلن بشأنها، ضمن مساعي تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الجانبين، وتطوير التنسيق وتبادل الخبرات. كما تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة، تتداخل فيها الملفات الأمنية الليبية مع التنافس على النفوذ في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في تأكيد قدرة الدبلوماسية المغربية على الحفاظ على قنوات التواصل مع أطراف إقليمية متعددة، بما يخدم المصالح الوطنية للمملكة ويعزز حضورها في الملفات ذات الأهمية الاستراتيجية.

أما اعتبار الزيارة رسالة موجهة إلى الجزائر، فيظل قراءة سياسية محتملة لسياقها الإقليمي، وليس بالضرورة هدفاً معلناً لها. ومع ذلك، يصعب فصل أي تحرك دبلوماسي أو عسكري في المنطقة المغاربية عن المناخ العام الذي تطبعه المنافسة بين الرباط والجزائر.

والأهم أن المغرب يبعث، من خلال تنويع علاقاته، برسالة مفادها أن خياراته الاستراتيجية لن تظل رهينة الخلافات الثنائية، وأن التعاون مع الشركاء الإقليميين سيستمر وفق ما تقتضيه المصالح الوطنية.

الصحراء المغربية.. قضية وطنية في صلب الاستراتيجية الدبلوماسية

يظل ملف الصحراء المغربية محوراً أساسياً في السياسة الخارجية للمملكة، وعنصراً حاضراً في حسابات علاقاتها الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، يستمر النزاع حول الصحراء في تغذية التوتر بين المغرب والجزائر، خصوصاً في ظل الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو، وهو موقف تعتبره الرباط عاملاً رئيسياً في إطالة أمد النزاع وتعقيد فرص التسوية.

وبينما يواصل المغرب الدفاع عن وحدته الترابية وتوسيع دائرة دعمه الدولي لمقترح الحكم الذاتي، تبقى كلفة استمرار هذا النزاع أكبر من مجرد خلاف دبلوماسي، إذ تمتد إلى تعطيل التكامل المغاربي واستنزاف الموارد وإضعاف فرص التعاون الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة.

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان المغربي لا يقتصر على توسيع التحالفات، بل يشمل أيضاً تعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية، وترسيخ الاستقرار، وتقديم مقاربة سياسية يعتبرها المغرب أساساً لتسوية النزاع في إطار سيادته الوطنية.

الجزائر أمام اختبار المراجعة الاستراتيجية

في ظل هذه التحولات، تواجه القيادة الجزائرية تحدياً يتمثل في مراجعة سياستها الإقليمية، وتقييم كلفة استمرار التوتر مع المغرب، فضلاً عن تداعيات خلافاتها مع عدد من الشركاء الإقليميين.

إن قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، واستمرار القطيعة مع المغرب، وتعدد بؤر التوتر في المحيط الإقليمي، كلها تطورات تفرض على صناع القرار في الجزائر التفكير في انعكاساتها على المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للبلاد.

لكن اختزال المشهد في انتصار طرف وهزيمة آخر لا يقدم قراءة كافية لتعقيدات المنطقة. فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بعدد حلفائها أو بحجم الضغوط التي تستطيع ممارستها على خصومها، بل أيضاً بقدرتها على حماية مصالحها، وتدبير خلافاتها، وتجنب الاستنزاف طويل الأمد.

وفي هذا السياق، فإن استمرار النزاع حول الصحراء لا يرهق المغرب والجزائر وحدهما، بل يحرم المنطقة المغاربية برمتها من فرص اقتصادية وتنموية وأمنية كان يمكن أن تجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات الدولية.

المغرب يراهن على الشراكات.. والمستقبل تحسمه المصالح

تكشف التطورات الإقليمية أن المغرب يواصل العمل على تنويع شراكاته وتعزيز حضوره الدبلوماسي، مستفيداً من علاقاته مع شركاء عرب ودوليين، ومن موقعه الجغرافي والاستراتيجي، ومن شبكة مصالح تتجاوز حدود المنطقة المغاربية.

غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرتبطاً بقدرة المملكة على تحويل التقارب السياسي إلى مكاسب ملموسة في مجالات الاستثمار والتجارة والأمن والتنمية، وعلى الحفاظ على توازن دبلوماسي يتيح لها توسيع نفوذها دون الانجرار إلى صراعات استنزاف مفتوحة.

أما الجزائر، فإن استمرار التوتر مع جيرانها لن يؤدي بالضرورة إلى إضعاف خصومها بقدر ما قد يحد من قدرتها على الاستفادة من الفرص الإقليمية المتاحة.

الخلاصة أن المغرب يواصل تثبيت موقعه عبر بناء الشراكات وتوسيع خياراته الاستراتيجية، بينما تظل المنطقة المغاربية في حاجة إلى مراجعة عميقة لسياسات القطيعة والتصعيد. فالمكسب الحقيقي ليس في استنزاف موارد الشعوب أو إدامة العداء، بل في ترسيخ السيادة الوطنية، وحماية المصالح العليا، وبناء توازن إقليمي يمنح شعوب المنطقة مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *