سياسة

المغرب يرفع مخصصاته الدفاعية إلى مستويات قياسية والجزائر تحافظ على تفوقها في حجم الإنفاق

جسر بريس 8 دقائق للقراءة
Jisrpress

يشير الارتفاع اللافت في المخصصات المالية الموجهة لتجهيز القوات المسلحة الملكية المغربية، وفق الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، إلى مرحلة جديدة في مسار تحديث القدرات الدفاعية للمملكة، تتجاوز منطق الزيادة السنوية التقليدية في الميزانية نحو إعادة تشكيل تدريجية لأولويات الاستثمار العسكري، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتسارع التحولات التكنولوجية، وتزايد أهمية الاستقلالية في مجال الصناعات الدفاعية.

فانتقال الاعتمادات المخصصة لاقتناء وإصلاح معدات القوات المسلحة الملكية ودعم تطوير الصناعة الدفاعية من 157.171 مليار درهم سنة 2026 إلى 190.5 مليار درهم في مشروع مالية 2027، بزيادة تبلغ 33.329 مليار درهم، لا يمثل مجرد تطور محاسباتي، بل يعكس توجها استراتيجيا يروم تعزيز القدرات العسكرية للمغرب، وتوسيع هامش حركته في مواجهة التحديات الأمنية الراهنة والمحتملة.

غير أن قراءة هذه الأرقام تقتضي التمييز بين حجم الاعتمادات المالية المرصودة، وطبيعة التجهيزات التي يمكن اقتناؤها، والقدرات العملياتية التي تستطيع المؤسسة العسكرية تطويرها فعليا. فالقوة العسكرية لا تقاس بحجم الميزانية وحده، وإنما كذلك بمدى كفاءة الإنفاق، ومستوى التدريب، وجودة أنظمة القيادة والسيطرة، والقدرة على دمج التكنولوجيا، واستدامة الصيانة والإمداد.

قفزة مالية تعكس تحولا في الأولويات الدفاعية

تُظهر الأرقام الواردة في المعطيات المعروضة مسارا تصاعديا واضحا للمخصصات العسكرية المغربية، إذ انتقلت من 124.766 مليار درهم سنة 2024 إلى 133.453 مليار درهم سنة 2025، ثم إلى 157.171 مليار درهم سنة 2026، قبل أن تبلغ 190.5 مليار درهم في مشروع مالية 2027.

وتكتسي الزيادة الأخيرة أهمية خاصة بالنظر إلى حجمها، إذ تناهز 21.2 في المائة مقارنة بمخصصات السنة السابقة، وهو ما يعكس استمرار إعطاء الأولوية لتحديث التجهيزات العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية.

لكن الدلالة الأساسية لهذه الزيادة لا تكمن في قيمتها المالية فقط، بل في طبيعة المرحلة التي تأتي ضمنها. فالمؤسسة العسكرية تواجه اليوم تحولات عميقة في مفهوم الدفاع، حيث لم تعد القدرات التقليدية وحدها كافية لضمان التفوق العملياتي، في ظل تنامي دور الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الاستطلاع المتقدمة، والدفاع الجوي متعدد الطبقات، والقدرات السيبرانية.

ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم الأموال الإضافية المرصودة، بل بكيفية توزيعها بين اقتناء المنظومات الجديدة، وتحديث المعدات الموجودة، وتطوير البنية التحتية العسكرية، وتعزيز أنظمة الرصد والاتصال، ورفع مستوى الجاهزية العملياتية.

كما ينبغي الانتباه إلى أن الاعتمادات المأذون بالالتزام بها مقدما لا تعني بالضرورة أن المبلغ الإجمالي سيُصرف نقدا خلال السنة المالية نفسها؛ إذ قد يرتبط جزء من هذه الاعتمادات بالتزامات تعاقدية تمتد آثارها المالية على عدة سنوات. ولذلك، فإن التمييز بين الاعتمادات المبرمجة والنفقات المنفذة فعليا يظل ضروريا لفهم الحجم الحقيقي للاستثمار العسكري.

المغرب والجزائر.. تقارب مالي لا يعني بالضرورة تقاربا عسكريا

تضع الأرقام المتداولة بشأن مشروعي الميزانية المغربية والجزائرية لسنة 2027 الإنفاق الدفاعي في البلدين ضمن دائرة الاهتمام الإقليمي، خصوصا في ظل استمرار التوتر السياسي بين الرباط والجزائر.

ففي الوقت الذي تشير فيه المعطيات المغربية إلى مخصصات تبلغ 190.5 مليار درهم، تتحدث الأرقام المتداولة بشأن الجزائر عن ميزانية دفاع تقارب 24 مليار دولار.

ويبدو، من الناحية الحسابية، أن الفارق بين المخصصات المعلنة لدى البلدين قد تقلص مقارنة ببعض المقارنات السابقة. غير أن هذا التقارب لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مؤشرا كافيا على تقارب القدرات العسكرية أو توازن القوة بين الجيشين.

فالمقارنة الدقيقة تقتضي أولا التأكد من أن الأرقام المعتمدة تخص البنود المالية نفسها، وأنها تستند إلى المنهجية ذاتها في احتساب الإنفاق الدفاعي. كما تقتضي التمييز بين ميزانية الدفاع الإجمالية، والاعتمادات المخصصة تحديدا لاقتناء المعدات، والنفقات المتعلقة بالأجور والتشغيل والصيانة والاستثمار الصناعي.

ويُعد سعر الصرف عاملا إضافيا مؤثرا في المقارنة بالدولار، إلى جانب اختلاف تكاليف الإنتاج والتوريد والتشغيل بين البلدين.

والأهم من ذلك أن موازين القوة العسكرية لا تُحسم بالأرقام وحدها؛ إذ تتداخل فيها نوعية الأسلحة، ومستوى الجاهزية، والخبرة العملياتية، والقدرة على التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، وفعالية أنظمة الاستطلاع والدفاع الجوي، ومدى توفر الذخائر وقطع الغيار.

وعليه، فإن ارتفاع الإنفاق المغربي يمكن قراءته بوصفه مؤشرا على توسيع الاستثمار الدفاعي، لكنه لا يكفي وحده للاستنتاج بأن المملكة أصبحت على مستوى متكافئ مع الجزائر في جميع المجالات العسكرية.

الصناعة الدفاعية.. الرهان المغربي على تقليص التبعية للخارج

من أبرز الأبعاد الاستراتيجية لهذا التطور ارتباط الإنفاق العسكري المغربي بتوجه يرمي إلى بناء قاعدة وطنية للصناعات الدفاعية، بما يسمح للمملكة بتقليص اعتمادها الكامل على استيراد المعدات الجاهزة.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أن الاعتماد على الاستيراد لا يرتبط فقط بتكلفة شراء الأسلحة، بل يشمل أيضا تكاليف الصيانة الدورية، والحصول على قطع الغيار، والتحديث التقني، والتدريب، والارتباط بشروط الموردين الخارجيين.

ومن هذا المنطلق، يمكن لتطوير الصناعة الدفاعية المحلية أن يحقق فوائد متعددة، من بينها خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة مرتفعة، ونقل الخبرات التقنية، وتطوير الكفاءات الهندسية، وتعزيز قدرات الصيانة، وتوسيع قاعدة الإنتاج الصناعي الوطني.

كما أن استقطاب الشركات الدولية وإقامة شراكات صناعية يمكن أن يشكلا مدخلا للاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة، شريطة ألا يقتصر التعاون على التجميع المحلي، بل يمتد تدريجيا إلى تطوير الخبرات الوطنية، وتكوين المهندسين والتقنيين، وتعزيز البحث والتطوير، وتوسيع مشاركة المقاولات المغربية في سلاسل التوريد.

ومع ذلك، فإن بناء صناعة دفاعية قادرة على تلبية جزء معتبر من الاحتياجات العسكرية يظل مشروعا طويل الأمد، يتطلب استثمارات مستمرة، وسوقا قادرة على استيعاب الإنتاج، وكفاءات متخصصة، وشراكات مستقرة، فضلا عن تحقيق التوازن بين متطلبات السرية العسكرية وقواعد المنافسة والشفافية المالية.

لذلك، فإن المؤشر الأهم لنجاح هذه السياسة لن يكون حجم الاستثمارات المعلنة فحسب، بل مدى تحولها إلى قدرات إنتاجية فعلية، ونقل مستدام للتكنولوجيا، وتقليص ملموس للاعتماد على الخارج في مجالات الصيانة والإمداد والتصنيع.

الجزائر تراهن على التسلح.. لكن قراءة الخيارات العسكرية تحتاج إلى الحذر

في المقابل، تواصل الجزائر تخصيص موارد مالية كبيرة لقطاع الدفاع، ضمن توجه يضع القدرات العسكرية في صلب أولويات الدولة.

وتشير التقارير المتداولة بشأن التعاون العسكري الجزائري الروسي إلى استمرار الاهتمام بمنظومات جوية متقدمة، من بينها مقاتلات سوخوي، في وقت تشهد فيه سوق السلاح الدولية تحولات متزايدة بفعل التنافس بين القوى الكبرى، وتغير طبيعة الحروب، وتزايد القيود السياسية والتجارية المرتبطة بالتوريد العسكري.

لكن تقييم نتائج هذه المشتريات يقتضي التمييز بين الإعلان عن صفقة، وتسليم المعدات، ودخولها الخدمة الفعلية، ثم بلوغها مستوى الجاهزية العملياتية المطلوب. فالحصول على مقاتلات متطورة، على سبيل المثال، لا يضمن تلقائيا تحقيق التفوق الجوي، ما لم يترافق مع تدريب الطيارين، وتوفير الصيانة وقطع الغيار، وتكامل أنظمة الرادار والقيادة والسيطرة، وضمان استدامة الإمداد.

كما أن تنويع مصادر التسلح يظل عاملا مهما في تحديد هامش الاستقلالية العسكرية، بالنظر إلى تأثير الظروف الجيوسياسية والعقوبات والتغيرات في العلاقات الدولية على إمكانية الحصول على المعدات والخدمات التقنية.

ومن ثم، فإن تقييم السياسة الدفاعية الجزائرية لا ينبغي أن ينحصر في قيمة الميزانية أو عدد المنظومات المعلن عنها، بل يتعين أن يشمل قدرتها على تحويل المشتريات إلى منظومة عسكرية متكاملة ومستدامة.

التوتر المغربي الجزائري يرفع كلفة الخيارات الدفاعية

لا يمكن فصل الزيادة في الإنفاق العسكري بالمغرب والجزائر عن السياق السياسي والأمني الذي يطبع العلاقات بين البلدين.

فاستمرار الخلافات الثنائية، وغياب التطبيع السياسي، وتباين التصورات الاستراتيجية، إلى جانب التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، كلها عوامل تجعل الاعتبارات الدفاعية حاضرة بقوة في حسابات صناع القرار.

كما أن اتساع استخدام الطائرات المسيرة، وتطور وسائل الحرب الإلكترونية، وتزايد أهمية مراقبة الحدود والمجالين الجوي والبحري، يدفعان الدول إلى مراجعة احتياجاتها العسكرية باستمرار.

وفي مثل هذا السياق، يمكن أن يؤدي ارتفاع الإنفاق الدفاعي لدى أحد الطرفين إلى تعزيز الشعور بالحاجة إلى التحديث لدى الطرف الآخر، بما يساهم في استمرار دوامة التسلح.

لكن هذا المسار لا يعني بالضرورة أن البلدين يتجهان إلى مواجهة عسكرية مباشرة؛ إذ ينبغي التمييز بين الاستعداد الدفاعي، والتنافس الاستراتيجي، واتخاذ قرار فعلي باستخدام القوة. فارتفاع الميزانيات العسكرية يمثل مؤشرا على الأولويات الأمنية، وليس دليلا مستقلا على وجود قرار بالحرب.

ومع ذلك، فإن استمرار هذا التنافس يفرض تحديات اقتصادية على الطرفين، بالنظر إلى الفرص البديلة التي كان يمكن توجيه جزء من الموارد إليها في مجالات البنية التحتية والتعليم والصحة والتشغيل والتنمية الإقليمية.

هل يقود ارتفاع الإنفاق إلى تفوق عسكري؟

يمثل هذا السؤال جوهر النقاش المرتبط بالزيادة الجديدة في المخصصات المغربية. فرفع الميزانية يتيح توسيع خيارات التحديث، لكنه لا يضمن، بمفرده، تحقيق نتائج عسكرية متناسبة مع حجم الإنفاق.

وتتوقف فعالية الاستثمار الدفاعي على مجموعة من العوامل، أبرزها وضوح الأولويات الاستراتيجية، وحسن اختيار المنظومات، والقدرة على دمجها ضمن بنية عملياتية متكاملة، وكفاءة الموارد البشرية، وتوفر الصيانة والذخائر، فضلا عن القدرة على تقييم الأداء وتصحيح الاختلالات.

كما أن الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية يفرض تحديا إضافيا يتمثل في سرعة تقادم بعض الأنظمة، وارتفاع تكاليف تحديثها، والحاجة المستمرة إلى تدريب الأفراد وتأهيلهم للتعامل مع منظومات أكثر تعقيدا.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة إلى المغرب لا يتمثل فقط في زيادة حجم الإنفاق، بل في تحقيق أفضل عائد دفاعي ممكن من كل درهم يُخصص لهذا القطاع، مع ضمان التكامل بين تحديث القوات المسلحة وبناء القدرات الصناعية والتكنولوجية الوطنية.

اختبار الفعالية والاستقلالية

تعكس الزيادة المقترحة في المخصصات الدفاعية المغربية لسنة 2027 توجها نحو تعزيز القدرات العسكرية وتوسيع الاستثمار في التجهيزات والصناعة الدفاعية، في سياق إقليمي تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا والجاهزية والاستقلالية الصناعية.

وفي المقابل، تؤكد الميزانية الجزائرية الكبيرة استمرار ثقل الاعتبارات الدفاعية في حسابات الدولة الجزائرية، بما يجعل الإنفاق العسكري أحد أبرز مؤشرات التنافس الاستراتيجي في شمال إفريقيا.

غير أن اختزال هذا المشهد في مقارنة مباشرة بين 20 مليار دولار مغربية و24 مليار دولار جزائرية قد يؤدي إلى قراءة مضللة، ما لم تُضبط طبيعة الاعتمادات ومجالات الإنفاق وسعر الصرف، وتُربط الأرقام بمؤشرات فعلية عن الجاهزية والتجهيز والقدرات الصناعية.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في مجاراة الأرقام الجزائرية فحسب، بل في تحويل الإنفاق المتزايد إلى قوة دفاعية أكثر كفاءة، وصناعة وطنية قادرة على اكتساب التكنولوجيا وتطويرها، ومنظومة إمداد أقل تعرضا للتقلبات الخارجية.

ففي نهاية المطاف، لا تُقاس القوة العسكرية بما تنفقه الدول وحده، بل بما تستطيع تحقيقه ميدانيا من ردع وحماية للمصالح الوطنية، وبمدى قدرتها على الحفاظ على هذه القدرات واستدامتها دون إغفال التوازن بين متطلبات الأمن وأولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *