سياسة

من حرب الرمال وأمغالا إلى رمال النيجر المتحركة.. رهان شنقريحة على النفوذ أم بداية استنزاف إقليمي ؟

جسر بريس 12 دقائق للقراءة
Jisrpress

عز الدين السريفي

من حماية المصالح النفطية إلى إعادة رسم موازين القوى في الساحل، يفتح قرار إرسال قوات عسكرية جزائرية إلى النيجر أسئلة تتجاوز المبررات الأمنية المعلنة، لتلامس طبيعة القرار السياسي والعسكري في الجزائر، وحدود قدرة المؤسسة العسكرية على تحويل الانتشار المسلح إلى نفوذ إقليمي مستدام.

صادق مجلس الأمة الجزائري، بحسب المعطيات الواردة بشأن القرار، بالإجماع على إرسال قوات عسكرية إلى النيجر، في خطوة تستكمل مسار الموافقة الدستورية داخل المؤسسة التشريعية، وسط تقارير تتحدث عن مرور المصادقة في جلسة مغلقة ودون مناقشة علنية لمضمون القرار وتداعياته.

ولا تكمن أهمية هذه الخطوة في بعدها العسكري وحده، بل في الطريقة التي اتُّخذ بها القرار، وفي طبيعة الأسئلة التي لم تجد طريقها إلى النقاش العام: ما المهمة المحددة للقوات الجزائرية؟ وما المدة الزمنية التي سيستغرقها انتشارها؟ وما الضمانات التي تحول دون اتساع نطاق العملية من حماية منشأة اقتصادية إلى الانخراط في صراعات أمنية وسياسية مفتوحة؟

إن غياب النقاش العلني حول هذه الأسئلة يثير إشكالية الرقابة البرلمانية على القرارات العسكرية، ويعيد إلى الواجهة طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الدستورية في الجزائر، حيث تبدو القرارات المرتبطة بالأمن القومي محكومة، في كثير من الأحيان، بمنطق القيادة العسكرية أكثر من خضوعها لنقاش سياسي تعددي.

وفي هذا السياق، يكتسب القرار دلالة تتجاوز التصويت البرلماني نفسه، إذ يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المؤسسة التشريعية تمارس دورها الرقابي في تحديد شروط التدخل العسكري ومراقبة كلفته، أم تكتفي بمنح الغطاء الدستوري لقرار حُسمت خياراته الأساسية خارج فضاء النقاش العام.

من حماية النفط إلى استعادة النفوذ في الساحل

تتمثل المبررات المعلنة للانتشار العسكري، وفق المعطيات المتداولة، في حماية المصالح الاقتصادية الجزائرية، وفي مقدمتها أنشطة شركة سوناطراك في حقل كفرا النفطي شمال النيجر، حيث انطلقت أعمال حفر بئر استكشافية خلال غشت الماضي.

غير أن اختزال الخطوة في حماية منشأة نفطية لا يكفي لفهم أبعادها الاستراتيجية. فوجود قوات عسكرية خارج الحدود قد يتحول، بحسب طبيعة المهمة والظروف الميدانية، من إجراء لحماية المصالح الاقتصادية إلى أداة لإعادة تثبيت النفوذ السياسي والأمني.

وتتحرك الجزائر في منطقة الساحل ضمن بيئة إقليمية شهدت تحولات متسارعة، تراجعت خلالها أدوار تقليدية، وصعدت قوى منافسة، وتبدلت التحالفات بين الحكومات والجيوش والفاعلين المحليين. ومن ثم، يمكن قراءة الانتشار المحتمل في النيجر بوصفه محاولة للجمع بين حماية المصالح الطاقية وتعزيز العلاقة مع سلطات نيامي، وتأكيد أن الجزائر لا تزال قادرة على التأثير في التوازنات الأمنية المحيطة بها.

لكن الفارق كبير بين امتلاك القدرة على نشر القوات وامتلاك القدرة على التحكم في النتائج السياسية والأمنية لهذا الانتشار.

فالقوة العسكرية قد توفر حماية مؤقتة لمنشأة اقتصادية، لكنها لا تضمن وحدها استقرار المجال المحيط بها، ولا تستطيع بالضرورة احتواء التنافس بين القوى المحلية والإقليمية. وكلما اتسعت المهمة من حماية موقع محدد إلى تأمين طرق الإمداد ومواجهة التهديدات المسلحة، ارتفعت احتمالات تحول الانتشار المحدود إلى التزام عسكري طويل الأمد.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للقيادة الجزائرية: هل يتعلق الأمر بمهمة محددة ذات أهداف قابلة للقياس ونهاية واضحة، أم أن حماية المصالح النفطية قد تتحول إلى مدخل لالتزام أمني يصعب ضبط حدوده؟

النيجر.. مسرح معقد يتجاوز الحسابات العسكرية

تتسم البيئة الأمنية في النيجر بتداخل التهديدات المسلحة، وتعدد مراكز النفوذ، واتساع المجال الجغرافي الذي يصعب تأمينه بصورة مستمرة. وفي مثل هذه الظروف، لا يمثل نشر القوات نهاية المشكلة الأمنية، بل قد يكون بداية سلسلة من الالتزامات الميدانية المتزايدة.

فالقوة التي تنتشر لحماية منشأة نفطية قد تجد نفسها مضطرة إلى تأمين محيطها، ثم حماية طرق الإمداد المؤدية إليها، ثم الرد على هجمات محتملة تستهدف مواقعها أو تحركاتها. ومع كل توسع في نطاق المهمة، تتزايد الأعباء اللوجستية والأمنية، وتتسع دائرة الأطراف التي قد تنظر إلى القوات الأجنبية باعتبارها هدفًا عسكريًا أو سياسيًا.

ويزداد هذا الاحتمال تعقيدًا إذا تأكد تمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما، الواقعة شمال النيجر بالقرب من الحدود الليبية. فهذه المنطقة تقع ضمن فضاء جغرافي تتقاطع فيه مسارات التهريب وشبكات السلاح والنفوذ المسلح، كما تتداخل فيه حسابات أطراف ليبية وإقليمية متعددة.

ومع ذلك، فإن تقييم المخاطر يقتضي التمييز بين الوقائع المؤكدة والسيناريوهات المحتملة؛ إذ لا يكفي القرب الجغرافي من مناطق نفوذ قوى مسلحة للقول إن مواجهة مباشرة ستقع حتمًا. لكن هذا القرب يفرض على القيادة الجزائرية حسابات إضافية تتعلق بقواعد الاشتباك، وطبيعة التهديدات، وآليات الانسحاب، وحدود التنسيق مع سلطات النيجر.

ويحذر منتقدو القرار من أن الجزائر قد تجد نفسها أمام معادلة يصعب التحكم فيها: قوات أُرسلت لحماية استثمار اقتصادي، لكنها تصبح مع مرور الوقت مطالبة بحماية وجودها العسكري نفسه.

وعند هذه النقطة، يمكن أن تنقلب المعادلة من توظيف القوة لحماية المصالح إلى استنزاف القوة في حماية الانتشار.

سجل التدخلات العسكرية.. بين التضامن الخارجي وحسابات القوة

لا يشكل إرسال قوات جزائرية إلى خارج الحدود سابقة في تاريخ الدولة الجزائرية المستقلة. فقد ارتبطت التحركات العسكرية الخارجية، منذ السنوات الأولى للاستقلال، باعتبارات التضامن مع حلفاء إقليميين، ودعم قضايا سياسية وعسكرية، ومحاولة تعزيز مكانة الجزائر في محيطها.

في يونيو 1967، أرسلت الجزائر طائرات وقوات إلى مصر لمساندتها في مواجهة إسرائيل خلال حرب الأيام الستة. وجاء ذلك امتدادًا للعلاقات التي ربطت البلدين خلال حرب التحرير الجزائرية، وللتحالف السياسي والعسكري الذي نشأ بين الجزائر والقاهرة بعد الاستقلال.

لكن انهيار الجبهة المصرية خلال الحرب حدّ من الأثر الفوري للتعزيزات الجزائرية، فيما استمر وجود وحدات جزائرية على الجبهة المصرية خلال حرب الاستنزاف، قبل انسحابها سنة 1970، وفق تقديرات استخباراتية أمريكية منشورة ضمن الأرشيف الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية.

وتشير روايات ووثائق متداولة بشأن تلك المرحلة إلى وجود تباينات بين التوقعات المصرية ومستوى الدعم الذي قدمته الجزائر، خصوصًا في ما يتعلق بالطيارين والتمويل. وتكشف هذه المعطيات أن التضامن السياسي، مهما بلغت قوته، لا يضمن بالضرورة تطابق الحسابات العسكرية بين الحلفاء.

وفي حرب أكتوبر 1973، أرسلت الجزائر تعزيزات جديدة إلى الجبهة المصرية، شملت طائرات مقاتلة ووحدات برية مدرعة. غير أن وصول بعض هذه التعزيزات بعد انطلاق المعارك الرئيسية يوضح أن الفاعلية العسكرية لا تتوقف على حجم القوات المرسلة، بل ترتبط كذلك بسرعة الانتشار، والجاهزية اللوجستية، والقدرة على الاندماج في خطة عملياتية واضحة.

وتقدم هذه التجارب درسًا مهمًا في قراءة القرار الحالي: فالتدخل الخارجي لا يُقاس بمجرد إعلان المشاركة أو نشر القوات، وإنما بمدى وضوح الأهداف، وملاءمة الوسائل، والقدرة على تحقيق النتائج المطلوبة بكلفة مقبولة.

ومع اختلاف السياقات التاريخية بين مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي والنيجر اليوم، يبقى السؤال نفسه مطروحًا: هل تملك القيادة الجزائرية تصورًا واضحًا للعلاقة بين الانتشار العسكري والنتيجة السياسية التي تسعى إلى تحقيقها؟

حرب الرمال وأمغالا.. حين تحولت الحدود إلى ساحة للصراع

إذا كانت التدخلات الجزائرية في مصر قد ارتبطت بالتضامن مع حليف عربي، فإن المواجهات مع المغرب شكلت فصلًا مختلفًا من التاريخ العسكري الجزائري، اتسم بالاشتباك المباشر على خلفية النزاع الحدودي والصراع على النفوذ الإقليمي.

ففي أكتوبر 1963، اندلعت حرب الرمال بين الجزائر والمغرب، على خلفية الخلاف حول الحدود الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، ولا سيما المناطق المحيطة بتندوف وبشار ومواقع حدودية أخرى.

وجاءت المواجهة في سياق إقليمي ودولي اتسم بتنافس القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا، وبروز اصطفافات سياسية وعسكرية مرتبطة بالحرب الباردة. وتلقت الجزائر دعمًا خارجيًا بأشكال مختلفة، بينما اعتمد المغرب بدوره على شبكة علاقاته الإقليمية والدولية.

وتختلف التقييمات التاريخية بشأن حصيلة الحرب وأداء الطرفين، لذلك لا يصح اختزالها في رواية واحدة عن انتصار مطلق لطرف أو هزيمة شاملة للطرف الآخر. غير أن المؤكد أن المواجهة لم تحسم الخلافات الحدودية بصورة نهائية، وأن آثارها السياسية تجاوزت ميدان القتال لتؤثر في مسار العلاقات الثنائية لعقود.

فقد ساهمت حرب الرمال في تكريس الشك المتبادل، وتعزيز النزعة الأمنية في إدارة الخلافات بين البلدين، وتحويل الحدود من مجال للتفاوض إلى عنصر مركزي في التصورات الاستراتيجية لكل طرف.

وفي يناير 1976، تجدد الاشتباك العسكري في منطقة أمغالا بالصحراء، ضمن سياق الصراع حول قضية الصحراء ودعم الجزائر لجبهة البوليساريو. وكانت المواجهة محدودة مقارنة بالحروب التقليدية الشاملة، لكنها كشفت مدى استعداد الأطراف للانتقال من الدعم السياسي والعسكري غير المباشر إلى الاشتباك الميداني.

وتوثق اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارات لأسرى جزائريين خلال تلك المرحلة، فيما تتناول دراسات تاريخية وعسكرية تفاصيل المواجهة وملابساتها.

أما الادعاءات المتعلقة بأسر شخصيات عسكرية بعينها، أو تأثير تلك التجربة في مواقف المسؤولين الجزائريين اللاحقة، فتحتاج إلى توثيق مستقل ودقيق قبل اعتمادها أساسًا لتفسير القرارات السياسية الراهنة.

والأهم في هذا السياق أن التاريخ العسكري لا يقدم تفسيرًا آليًا للسلوك السياسي الحالي؛ فالتجارب السابقة قد تؤثر في العقيدة الأمنية وفي تصورات القيادة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن قرارًا معاصرًا يستهدف دولة بعينها أو تحركه دوافع انتقامية.

من حرب الرمال إلى أزمة الثقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة

لم تتوقف آثار حرب الرمال عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى الذاكرة السياسية الجزائرية، حيث استُخدمت الهزيمة والخلاف الحدودي في تشكيل خطاب التعبئة الوطنية، وفي ترسيخ تصورات متبادلة عن التهديد والأمن القومي.

وفي هذا السياق، ارتبطت عبارة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة «حقرونا» بخطاب التعبئة الذي أعقب المواجهة، وأصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية المرتبطة بتلك المرحلة.

لكن التحولات الأهم في بنية السلطة الجزائرية جاءت لاحقًا، وتحديدًا في 19 يونيو 1965، عندما أطاح وزير الدفاع هواري بومدين بالرئيس بن بلة في انقلاب عسكري أنهى تجربته في الحكم.

وقد مثّل ذلك التحول محطة مفصلية في تاريخ الجزائر المستقلة، إذ عزز موقع المؤسسة العسكرية داخل منظومة السلطة، ورسخ نمطًا سياسيًا استمر فيه الجيش فاعلًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات الحكم وموازين القوى.

وعلى امتداد العقود التالية، اختلفت أشكال العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، لكن الجيش احتفظ بموقع مؤثر في القضايا الاستراتيجية والأمنية، وفي محطات مفصلية من تاريخ الدولة الجزائرية.

وتشير دراسات أكاديمية تناولت النظام السياسي الجزائري إلى مركزية المؤسسة العسكرية في بنية السلطة، وإلى قدرتها على التأثير في القرارات الكبرى حتى عندما تتولى المؤسسات المدنية واجهة الحكم.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو النقاش بشأن إرسال قوات إلى النيجر منفصلًا عن السؤال الأوسع المتعلق بصناعة القرار في الجزائر: من يحدد أولويات الأمن القومي؟ وما حدود الرقابة المدنية على القرارات العسكرية؟ وكيف يمكن ضمان خضوع الانتشار الخارجي لتقييم سياسي ومؤسساتي مستمر؟

إن غياب النقاش البرلماني العلني، إذا تأكدت التقارير بشأنه، لا يمثل مجرد تفصيل إجرائي، بل يضعف قدرة الرأي العام على تقييم القرار وفق معايير واضحة تتعلق بالمصلحة الوطنية والكلفة والنتائج المتوقعة.

فكلما ارتفعت المخاطر المرتبطة بقرار عسكري، ازدادت الحاجة إلى توضيح أهدافه، وتحديد مدته، ووضع آليات لمراجعة نتائجه، بدل الاكتفاء بإضفاء الشرعية الدستورية على مسار تنفيذي لا تتضح جميع تفاصيله للرأي العام.

شنقريحة واختبار تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي

يدخل قرار الانتشار المحتمل في النيجر ضمن اختبار أوسع للقيادة العسكرية الجزائرية، بقيادة رئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة، يتعلق بقدرة المؤسسة العسكرية على ترجمة مواردها العسكرية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستدامة.

فالقوة العسكرية تتيح للدول حماية مصالحها وردع خصومها، لكنها لا تنتج النفوذ تلقائيًا. إذ يتطلب النفوذ المستدام شبكة من التحالفات المقبولة، ومصالح اقتصادية متبادلة، وقدرة على إدارة الخلافات، وفهمًا دقيقًا للتركيبة المحلية للمجتمعات التي يجري التحرك داخلها.

وفي منطقة الساحل، تزداد هذه المعادلة تعقيدًا بسبب هشاشة الأوضاع الأمنية، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتباين مصالح الحكومات المحلية، فضلًا عن المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية.

ومن ثم، فإن إرسال قوات إلى النيجر لا يمكن تقييمه فقط من زاوية عدد الجنود أو طبيعة المعدات أو الموقع الجغرافي للانتشار، بل ينبغي النظر إليه ضمن استراتيجية متكاملة تحدد العلاقة بين الوسائل العسكرية والأهداف السياسية.

وإذا كان الهدف هو حماية منشأة نفطية، فإن نجاح المهمة يتوقف على وضوح نطاق الحماية، وكفاية الإجراءات الأمنية، وقدرة الدولة المضيفة على تأمين محيطها، ووجود خطة تمنع تحول المهمة إلى التزام مفتوح.

أما إذا كان الانتشار يستهدف، إلى جانب حماية المصالح الاقتصادية، تعزيز حضور الجزائر الإقليمي، فإن التحدي يصبح أكبر؛ لأن الوجود العسكري قد يمنح الدولة قدرة إضافية على التأثير، لكنه قد يعرضها كذلك لضغوط ومخاطر جديدة، خصوصًا إذا لم يكن الانتشار مدعومًا بتوافق سياسي محلي وبخطة خروج واضحة.

ولا يعني ذلك أن التدخل محكوم بالفشل، كما لا يعني أن الجزائر عاجزة عن حماية مصالحها خارج حدودها. لكنه يعني أن نجاح الخطوة يظل مرتبطًا بمدى واقعية أهدافها، وقدرة القيادة على تقدير المخاطر، واستعدادها لمراجعة المهمة إذا تغيرت الظروف الميدانية.

بين الطموح الإقليمي واحتمال الاستنزاف

تتطلع الجزائر إلى الحفاظ على موقعها بوصفها قوة إقليمية مؤثرة، مستندة إلى إمكاناتها العسكرية وموقعها الجغرافي ومواردها الطاقية وعلاقاتها مع دول الجوار. غير أن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل أظهرت أن النفوذ لم يعد حكرًا على دولة واحدة، وأن التوازنات الإقليمية أصبحت أكثر سيولة وتعقيدًا.

وفي هذا السياق، قد يشكل الانتشار العسكري في النيجر فرصة لتعزيز التعاون الأمني وحماية الاستثمارات الاقتصادية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى عبء إذا اتسعت المهمة أو تغيرت طبيعة التهديدات أو تراجعت قدرة السلطات المحلية على توفير بيئة مستقرة.

ويتمثل الخطر الأساسي في أن تبدأ المهمة بهدف محدود، ثم تتوسع تدريجيًا بفعل الضرورات الميدانية. فحماية المنشأة تستدعي حماية الطريق المؤدي إليها، وتأمين الطريق يقتضي مراقبة مناطق أوسع، ومراقبة هذه المناطق قد تستدعي مواجهات مع جماعات مسلحة لا تتقيد بخطوط جغرافية ثابتة.

وعندئذ، يصبح الانسحاب أكثر تعقيدًا؛ لأن التراجع قد يُفسر بوصفه إخفاقًا سياسيًا، بينما يؤدي الاستمرار إلى تراكم الكلفة البشرية والمالية والضغط على القوات المنتشرة.

وهذه هي المعضلة التي ينبغي أن تحضر في صلب النقاش الجزائري: كيف يمكن حماية المصالح الوطنية من دون الانزلاق إلى التزامات عسكرية مفتوحة؟ وكيف يمكن تعزيز النفوذ الإقليمي من دون تحويل القوات المسلحة إلى أداة لمعالجة أزمات سياسية وأمنية لا تملك وحدها القدرة على حلها؟

إن الإجابة لا تكمن في رفض كل انتشار خارجي، ولا في اعتبار كل تحرك عسكري دليلًا على استعادة المكانة الإقليمية، بل في إخضاع القرار لمعايير دقيقة تشمل وضوح المهمة، والتناسب بين الوسائل والأهداف، والرقابة المؤسسية، والتقييم المستمر للكلفة والمردودية.

اختبار استراتيجي يتجاوز النيجر

لا يمثل قرار إرسال قوات جزائرية إلى النيجر، إذا استكملت إجراءاته ونُفذ على الأرض، مجرد خطوة لحماية استثمار نفطي. إنه اختبار لطريقة تفكير المؤسسة العسكرية في الأمن القومي، ولقدرتها على التمييز بين توسيع الحضور العسكري وتوسيع النفوذ الفعلي.

فالتاريخ الجزائري، من التدخلات العسكرية في مصر إلى المواجهات الحدودية مع المغرب، يقدم نماذج متعددة للعلاقة بين القوة العسكرية والأهداف السياسية. لكنه لا يفرض نتيجة مسبقة على التجربة الحالية؛ إذ تتحدد مآلاتها وفق طبيعة المهمة والظروف الإقليمية والخيارات التي ستتخذها القيادة في مواجهة المستجدات.

أما الرهان الحقيقي، فيكمن في قدرة الجزائر على حماية مصالحها الاقتصادية وتعزيز حضورها في الساحل من دون تحميل جيشها التزامات تتجاوز الأهداف المعلنة أو الإمكانات المتاحة.

ففي منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتتشابك فيها التهديدات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، لا يكفي نشر القوات لإثبات النفوذ، ولا يضمن التفوق العسكري القدرة على فرض الاستقرار.

وقد يتحول الانتشار المحدود إلى فرصة استراتيجية إذا ظل مضبوطًا بأهداف واقعية وتفاهمات سياسية واضحة. لكنه قد يصبح مصدر استنزاف إذا اتسعت المهمة من حماية المصالح إلى محاولة إدارة التوازنات الإقليمية بالقوة وحدها.

وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال الحاسم هو ما إذا كانت الجزائر قادرة على إرسال قوات إلى النيجر، بل ما إذا كانت قيادتها قادرة على تحديد ما تريد تحقيقه هناك، وكيف ستقيس نجاح المهمة، ومتى ستقرر أن كلفة البقاء أصبحت أكبر من عائد الانتشار.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *