عمار بلاني يكشف مخاوف الجزائر من مشروع القرار الأمريكي.. هل تقترب المينورسو من نهاية رهانات الاستفتاء ؟
عز الدين السريفي
في اعتراف يحمل دلالات سياسية ودبلوماسية لافتة، كشف عمار بلاني، المبعوث الخاص السابق للجزائر المكلف بقضية الصحراء ودول المغرب العربي، عن مضامين قال إنها واردة في مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، مشيراً إلى أن النص المقترح لا يقتصر على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو» لمدة سنة إضافية، بل يفتح الباب أمام مراجعة جوهرية لمهامها، قد تصل إلى حذف أي إشارة إلى الاستفتاء من إطار عملها.
وتأتي تصريحات المسؤول الدبلوماسي الجزائري السابق في سياق نقاش أممي متزايد بشأن مستقبل البعثة وطبيعة دورها، في ظل التحولات التي يعرفها مسار التسوية السياسية، وما يرافقها من تباين في مواقف الأطراف المعنية حول الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها الحل النهائي للنزاع.
مشروع أمريكي يتجاوز التجديد التقليدي للمينورسو
بحسب ما أورده بلاني في تدوينة نشرها على حسابه بموقع «فيسبوك»، فإن مشروع القرار الأمريكي يتجاوز الصيغة المعتادة لتجديد ولاية المينورسو، ليطرح إمكانية إعادة النظر في طبيعة المهام التي أُنشئت البعثة من أجلها.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أن أي تعديل محتمل في المرجعية السياسية التي تستند إليها البعثة قد تكون له انعكاسات على طريقة تدبير الملف داخل الأمم المتحدة، وعلى طبيعة الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها المينورسو خلال المرحلة المقبلة.
غير أن الحديث عن مراجعة المهام أو حذف الإشارة إلى الاستفتاء يظل، في هذه المرحلة، مرتبطاً بمضمون المشروع كما عرضه المسؤول الجزائري السابق، ولا يعني أن تغييراً نهائياً قد تم إقراره أو أن ولاية البعثة خضعت بالفعل لتحول عملي.
الحكم الذاتي في قلب المعادلة الدبلوماسية
ومن أبرز النقاط التي توقف عندها بلاني، ما اعتبره وضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في صلب العملية السياسية، وتقديمها باعتبارها أساساً واقعياً للتوصل إلى حل للنزاع.
ويرى المسؤول الجزائري السابق أن هذا التوجه يعكس تحولاً في المعايير الدبلوماسية المعتمدة في تدبير الملف، خصوصاً إذا اقترن بإعادة صياغة مفهوم تقرير المصير بما يسمح ببحث تسوية سياسية قائمة على الحكم الذاتي.
وتكتسب هذه القراءة أهمية بالنظر إلى أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تشكل محوراً أساسياً في تحركات الرباط الدبلوماسية، التي تدافع عن حل سياسي واقعي ودائم في إطار السيادة المغربية.
لكن التمييز يظل ضرورياً بين جعل المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات وبين اعتبارها الصيغة النهائية الوحيدة المتفق عليها أممياً؛ فحسم هذا الأمر يظل رهيناً بمضمون القرار الذي سيعتمده مجلس الأمن وبمسار المفاوضات السياسية.
قلق جزائري من إعادة ترتيب مرجعيات النزاع
وتكشف تصريحات بلاني عن حجم القلق الذي يثيره احتمال انتقال النقاش الأممي من التركيز على الصيغ التقليدية لتقرير المصير إلى البحث عن تسوية سياسية أكثر ارتباطاً بمقترح الحكم الذاتي المغربي.
فالمسألة، وفق القراءة التي قدمها المسؤول الجزائري السابق، لا تتعلق فقط بتمديد ولاية المينورسو، وإنما بإمكانية تغيير المرجعية التي تحكم عملها، وهو تحول قد تكون له انعكاسات سياسية تتجاوز الجانب التقني لعمل البعثة.
كما أن حديثه عن دعم فرنسي قوي للمشروع الأمريكي يعكس، من وجهة نظره، وجود تقاطع في مواقف بعض القوى الدولية بشأن اتجاه التسوية. ومع ذلك، فإن تقدير حجم هذا الدعم ومدى تأثيره في الصيغة النهائية للقرار يظل مرتبطاً بالمواقف الرسمية للدول الأعضاء وبنتائج المفاوضات داخل مجلس الأمن.
مجلس الأمن.. الاختبار الحقيقي للمشروع الأمريكي
ورغم النبرة التحذيرية التي طبعت تصريحات بلاني، فإنه أقر بأن المشروع لا يفرض، في المرحلة الراهنة، تغييراً عملياً على طبيعة عمليات المينورسو، وأن مصير التعديلات المقترحة سيحدده مسار التفاوض بين أعضاء مجلس الأمن.
وتكشف هذه النقطة أن المشروع الأمريكي، مهما كانت دلالاته السياسية، لا يمكن التعامل معه باعتباره قراراً نهائياً قبل اعتماد صيغته الرسمية. فالمشاورات الدبلوماسية قد تفضي إلى تعديلات في النص، أو إلى الإبقاء على بعض المقتضيات، أو إلى تسوية وسطية تراعي تباين مواقف الدول الأعضاء.
ومن ثم، فإن الرهان لا يرتبط فقط بما تتضمنه المسودة الأولية، بل بقدرة واشنطن على تحويل توجهاتها إلى صيغة تحظى بالدعم اللازم داخل المجلس، في ظل اختلاف المقاربات بشأن مستقبل البعثة الأممية وشروط التسوية السياسية.
هل تدخل المينورسو مرحلة جديدة؟
إن أخطر ما تطرحه التصريحات المنسوبة إلى بلاني هو احتمال أن تصبح مراجعة ولاية المينورسو جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل العملية السياسية، بدلاً من الاقتصار على تمديد دوري لمهمة البعثة.
فإذا تضمن القرار النهائي تعديلات تمس المرجعية السياسية لعمل المينورسو، فقد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير الملف الأممي، تتغير فيها طبيعة النقاش بشأن الخيارات المطروحة للتوصل إلى حل.
أما إذا لم تحظ التعديلات المقترحة بالتوافق المطلوب، فقد يستمر الإطار القائم، مع بقاء الخلافات السياسية حول طبيعة الحل النهائي دون حسم.
وفي جميع الأحوال، فإن تصريحات المسؤول الجزائري السابق تسلط الضوء على حساسية اللحظة الدبلوماسية، وعلى أن مستقبل المينورسو بات مرتبطاً، بصورة أوضح، بالنقاش حول آفاق التسوية السياسية وحدود الخيارات الممكنة.
ما بين المسودة والقرار النهائي
تمنح تصريحات عمار بلاني مؤشراً على أن مشروع القرار الأمريكي يثير مخاوف داخل الأوساط الجزائرية من احتمال إعادة ترتيب المرجعيات الأممية المؤطرة لملف الصحراء المغربية، ولا سيما إذا عزز موقع مبادرة الحكم الذاتي في العملية السياسية وفتح الباب أمام مراجعة مهام المينورسو.
لكن الحسم في دلالات هذا التطور يظل رهيناً بالنص النهائي الذي سيعتمده مجلس الأمن، وليس بالقراءات السياسية للمسودة الأولية وحدها.
وبين المخاوف التي عبّر عنها بلاني والرهانات الدبلوماسية للمغرب، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لمدى قدرة الأطراف على التأثير في الصيغة النهائية للقرار الأممي، في وقت يتواصل فيه النقاش الدولي بشأن مستقبل البعثة والمسار السياسي.
فالمعركة الدبلوماسية لا تُحسم بمجرد تداول مشروع قرار، وإنما بما يستقر عليه النص النهائي، وبما يترتب عنه من مواقف وقرارات عملية داخل الأمم المتحدة.






