الصحراء المغربية

البوليساريو تسقط بالضربة القاضية في مجلس الأمن.. حين تتحول المسودة الأمريكية إلى اختبار سياسي حاسم

جسر بريس 8 دقائق للقراءة
Jisrpress

عز الدين السريفي / جسر بريس تحليل سياسي

في تطور دبلوماسي لافت، تجد جبهة البوليساريو نفسها أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسار النزاع حول الصحراء المغربية، بعدما أعلنت رفضها للمسودة الأولية لمشروع القرار الأمريكي المعروض على أعضاء مجلس الأمن، ولوّحت بالانسحاب من عملية السلام برمتها إذا اعتُمد النص دون إدخال تغييرات جوهرية.

هذا الموقف، الذي عبّرت عنه الجبهة في رسالة مؤرخة في 22 أكتوبر 2026، لا يمثل مجرد اعتراض على صياغة دبلوماسية، بل يكشف حجم التوتر الذي يحيط بالمرحلة الجديدة التي دخلها الملف، في ظل تنامي مركزية مبادرة الحكم الذاتي المغربية في النقاشات المتعلقة بمستقبل التسوية السياسية.

ومن هنا، يمكن قراءة المشهد باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على التكيف مع التحولات الجارية داخل مجلس الأمن، واختباراً موازياً لقدرة الدبلوماسية المغربية على تحويل المكتسبات السياسية إلى مسار تفاوضي أكثر وضوحاً.

لكن هل نحن فعلاً أمام سقوط سياسي مدوٍّ للبوليساريو، أم أمام جولة جديدة من الضغط التفاوضي قد تحمل نتائج مختلفة؟

أولاً: المسودة الأمريكية.. حين تضيق مساحة المناورة

تكمن أهمية التطور الحالي في أن الخلاف لم يعد مقتصراً على المطالب التقليدية للأطراف، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالأساس الذي ستنطلق منه المفاوضات المقبلة.

فمنذ اعتماد القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، برز تحول مهم في صياغة المقاربة الأممية، بعدما دعا مجلس الأمن الأطراف إلى الانخراط في مناقشات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف يضمن تقرير المصير.

وقد منح ذلك المبادرة المغربية موقعاً مركزياً في المسار السياسي، دون أن يعني حسم جميع تفاصيل التسوية أو إلغاء الحاجة إلى المفاوضات.

أما المسودة الأمريكية الجديدة، التي وُزعت في 22 أكتوبر الجاري وفق المعطيات المتاحة، فتأتي في سياق مواصلة هذا المسار، بالتزامن مع اقتراب موعد تجديد ولاية بعثة المينورسو.

وهنا تتجلى المعضلة التي تواجه البوليساريو: كيف تتعامل مع مسار تفاوضي يتجه نحو تعزيز مكانة الحكم الذاتي، في وقت لا تزال فيه الجبهة متمسكة بموقفها التقليدي بشأن تقرير المصير والاستقلال؟

إن الاعتراض على المسودة قد يكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى تعديل النص، لكنه يكشف في الوقت ذاته أن صياغة القرار المقبل أصبحت موضوع مواجهة سياسية مباشرة.

المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول مضمون القرار، بل حول من يستطيع التأثير في قواعد التفاوض التي ستحدد مستقبل النزاع.

ثانياً: التلويح بالانسحاب.. ورقة ضغط أم اعتراف بصعوبة المرحلة؟

حين تلوّح جهة سياسية بالانسحاب من عملية سلام ترعاها الأمم المتحدة، فإنها تضع نفسها أمام معادلة معقدة.

فمن جهة، قد يكون التهديد وسيلة للضغط على أعضاء مجلس الأمن، ودفعهم إلى إدخال تعديلات على مشروع القرار.

ومن جهة أخرى، قد يتحول هذا التهديد إلى عبء سياسي إذا لم ينجح في تغيير اتجاه المشاورات، خصوصاً عندما تصبح كلفة الانسحاب أكبر من كلفة الاستمرار في التفاوض.

وفي رسالة الجبهة، لم يكن الموقف مجرد تحفظ على بعض التفاصيل؛ بل ربطت البوليساريو استمرار مشاركتها في عملية السلام بإدخال تغييرات جوهرية وهادفة على المسودة الأمريكية.

وهذا التصعيد يضع الجبهة أمام سؤال أساسي: ما البديل الذي يمكن أن تقدمه إذا قررت بالفعل الانسحاب من المسار الأممي؟

فالانسحاب قد يمنحها فرصة لتأكيد رفضها للصيغة المقترحة، لكنه قد يقلص قدرتها على التأثير في المفاوضات والقرارات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.

ومع ذلك، لا يجوز التعامل مع التهديد باعتباره انسحاباً وقع بالفعل؛ إذ يظل الفرق كبيراً بين التلويح السياسي واتخاذ قرار رسمي بالتوقف عن المشاركة.

كما أن موقف الجبهة قد يتغير تبعاً لمآلات المشاورات والصيغة النهائية التي سيعتمدها مجلس الأمن.

ثالثاً: المغرب ومكسب تثبيت الحكم الذاتي في قلب النقاش

بالنسبة للمغرب، تكمن الأهمية السياسية للمرحلة الراهنة في استمرار وضع مبادرة الحكم الذاتي ضمن الأسس التي تدور حولها المفاوضات الأممية.

فالمملكة تدافع منذ سنة 2007 عن مبادرتها باعتبارها إطاراً واقعياً لتسوية النزاع تحت السيادة المغربية، وتعمل دبلوماسياً على توسيع نطاق التأييد الدولي لها.

وفي حال حافظ مشروع القرار الأمريكي على هذا التوجه في صيغته النهائية، فقد يشكل ذلك دعماً إضافياً للمقاربة المغربية، ويعزز موقع الرباط في أي جولة تفاوضية مقبلة.

لكن المكسب الدبلوماسي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية تلقائية للنزاع.

فالقرارات الأممية تحدد الإطار السياسي، بينما يتطلب الوصول إلى تسوية نهائية مفاوضات بشأن التفاصيل والضمانات وآليات التنفيذ.

ومن هنا، فإن الرهان المغربي يتمثل في استثمار أي دعم دولي جديد لتعزيز فرص التوصل إلى حل مستدام، وليس الاكتفاء باعتبار اعتراض الطرف الآخر دليلاً على حسم الملف.

القوة الدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس فقط بمدى تراجع هامش المناورة لدى الخصم، بل بالقدرة على تحويل التحولات الدولية إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ.

رابعاً: مجلس الأمن أمام اختبار التوازن والحسم السياسي

تكتسب المداولات الحالية أهمية إضافية لأنها تجري بالتزامن مع مراجعة مستقبل بعثة المينورسو، التي تنتهي ولايتها الحالية في 31 أكتوبر 2026.

وقد أتاح القرار 2797 المجال لمراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة، في ضوء تطورات العملية السياسية.

لكن مراجعة الولاية لا تعني بالضرورة إنهاء المينورسو أو تحويلها إلى بعثة جديدة، كما لا تعني أن تنفيذ الحكم الذاتي أصبح مقرراً بصورة نهائية.

فكل تغيير جوهري في طبيعة المهمة الأممية يظل مرتبطاً بما يقرره مجلس الأمن وبنتائج المفاوضات.

وهنا يبرز دور الولايات المتحدة بصفتها صاحبة المبادرة في إعداد مشروع القرار، في مقابل ضرورة التوصل إلى صيغة تحظى بالدعم اللازم داخل المجلس.

وإذا نجحت واشنطن في تمرير نص يعزز المسار التفاوضي القائم على الحكم الذاتي، فقد يمثل ذلك تطوراً مهماً في إدارة الملف.

أما إذا أدت الاعتراضات إلى تعديلات واسعة، فقد تكشف النتيجة عن استمرار الخلاف بشأن طبيعة التسوية وحدود التوافق الدولي حولها.

لذلك، فإن الاختبار الحاسم لا يتمثل في مجرد وجود مسودة أمريكية، بل في مضمون القرار النهائي، وعدد الأصوات المؤيدة له، وما يتضمنه من توجيهات بشأن المفاوضات ومستقبل المينورسو.

خامساً: هل تواجه البوليساريو عزلة دبلوماسية؟

يمكن أن يؤدي التصعيد الحالي إلى زيادة الضغوط السياسية على البوليساريو، خصوصاً إذا لم تنجح في تعديل المسودة الأمريكية، ثم اختارت الانسحاب من العملية السياسية.

ففي هذه الحالة، قد تواجه الجبهة صعوبة في تبرير التخلي عن مسار تفاوضي تشرف عليه الأمم المتحدة، في وقت تستمر فيه الجهود الدولية لإيجاد تسوية للنزاع.

لكن الحديث عن عزلة دبلوماسية كاملة يظل سابقاً لأوانه.

فمواقف الدول داخل مجلس الأمن ليست متطابقة بالضرورة، كما أن الاعتراض على مسودة محددة لا يعني بالضرورة رفض جميع أشكال التفاوض أو التوافق بشأن مستقبل الملف.

والأدق أن المرحلة الحالية تكشف عن ضغوط تفاوضية متزايدة، وعن ضرورة إعادة تقييم الخيارات السياسية المتاحة أمام الجبهة.

فإذا اختارت المشاركة، فستكون مطالبة بالتعامل مع أساس المفاوضات كما سيحدده القرار المعتمد.

وإذا اختارت الانسحاب، فستكون مطالبة بتوضيح البديل السياسي الذي تقترحه، وكيف يمكن لهذا البديل أن يحقق تقدماً عملياً في مسار التسوية.

سادساً: الجزائر والبعد الإقليمي للنزاع

لا يمكن قراءة التطورات الحالية بمعزل عن البعد الإقليمي، ولا سيما دور الجزائر التي تدعم البوليساريو وتظل طرفاً محورياً في الحسابات المرتبطة بالنزاع.

فأي تحول في أساس المفاوضات سيطرح أسئلة بشأن مدى استعداد الأطراف الإقليمية المعنية للتفاعل مع الصيغة التي قد يعتمدها مجلس الأمن.

وإذا اتجه القرار الجديد إلى تعزيز مركزية الحكم الذاتي، فقد تتزايد الضغوط الدبلوماسية من أجل دفع جميع الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات عملية.

لكن ذلك لا يعني أن المواقف الإقليمية ستتغير تلقائياً، أو أن الخلافات التي عطلت التسوية لعقود ستختفي بمجرد صدور قرار جديد.

إن أحد التحديات الأساسية يتمثل في منع التوتر السياسي من تقويض فرص التفاوض، وإبقاء المسار الأممي مفتوحاً أمام تسوية يمكن أن تضع حداً للنزاع وتفتح المجال أمام استقرار إقليمي أوسع.

سابعاً: ثلاثة سيناريوهات لما بعد التصعيد

تسمح التطورات الحالية باستشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: اعتماد المسودة مع تعديلات محدودة.

إذا حافظ النص النهائي على جوهر التوجه الأمريكي، فقد تجد البوليساريو نفسها أمام واقع تفاوضي أكثر صعوبة، بينما يحصل المغرب على دعم إضافي لمقاربته السياسية. غير أن ذلك لن يعني حسم النزاع نهائياً، بل قد يفتح مرحلة جديدة من المفاوضات.

السيناريو الثاني: إدخال تعديلات لتفادي التصعيد.

قد تسعى الولايات المتحدة وأعضاء المجلس إلى صيغة توافقية تستوعب بعض الاعتراضات، مع الحفاظ على الإطار العام للمسار السياسي. وقد يسمح ذلك بتجنب مواجهة مباشرة، لكنه لن ينهي بالضرورة الخلاف حول الأساس النهائي للتسوية.

السيناريو الثالث: تصعيد سياسي وتعثر العملية الأممية.

إذا اعتُمد النص دون التعديلات التي تطالب بها البوليساريو، وقررت الجبهة الانسحاب فعلياً، فقد تدخل العملية السياسية مرحلة أكثر تعقيداً. وقد يزيد ذلك من الضغوط عليها، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى إبطاء المفاوضات ورفع كلفة استمرار النزاع.

وتظل هذه السيناريوهات احتمالات مرتبطة بمضمون القرار النهائي ومواقف الأطراف، وليست نتائج محسومة سلفاً.

هل سقطت البوليساريو بالضربة القاضية؟

قد يبدو التلويح بالانسحاب من عملية السلام مؤشراً على صعوبة المرحلة التي تواجهها البوليساريو، لكنه لا يكفي وحده للحكم بأن الجبهة تلقت هزيمة نهائية داخل مجلس الأمن.

فالهزيمة الدبلوماسية الحاسمة لا تثبت بالتصريحات أو التهديدات، بل تتحدد في ضوء القرار الذي سيعتمده المجلس، ومضمونه، وموازين التصويت، ومدى انعكاسه على مسار المفاوضات.

ومع ذلك، فإن ما يجري يكشف عن تحول مهم في طبيعة النقاش: مبادرة الحكم الذاتي المغربية أصبحت في صلب المسار التفاوضي، بينما تواجه البوليساريو اختباراً سياسياً يتعلق بقدرتها على التكيف مع التطورات الجديدة.

بالنسبة للمغرب، تظل الأولوية تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى تقدم عملي نحو تسوية سياسية مستدامة.

وبالنسبة للبوليساريو، فإن التحدي يكمن في تحديد ما إذا كانت ستستمر في التفاوض رغم اعتراضها على المسودة، أم ستخاطر بالابتعاد عن المسار الأممي دون ضمان بديل أكثر فاعلية.

أما مجلس الأمن، فهو أمام مسؤولية تتجاوز اعتماد قرار جديد؛ إذ يتعين عليه الحفاظ على إطار تفاوضي قادر على تحقيق تقدم فعلي، بدلاً من إعادة إنتاج التعثر نفسه.

قد تكون البوليساريو أمام أصعب اختبار تفاوضي منذ اعتماد القرار 2797، لكن الضربة القاضية لا تُعلن بالشعارات، وإنما عندما تتحول التحولات الدبلوماسية إلى نتائج سياسية واضحة وملموسة.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *