واشنطن تضيق هامش المناورة أمام البوليساريو والحكم الذاتي يفرض نفسه على معادلة التسوية
عز الدين السريفي / تحليل سياسي
لم يعد النقاش الدائر داخل أروقة الأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية مجرد جولة دبلوماسية عابرة مرتبطة بتجديد ولاية بعثة المينورسو، بل بات يعكس تحولات أعمق في مقاربة المجتمع الدولي لهذا النزاع الإقليمي الممتد منذ عقود. فحين يصبح المقترح المغربي للحكم الذاتي محوراً للنقاش حول التسوية السياسية، وحين تجد جبهة البوليساريو نفسها أمام خيارات تفاوضية أكثر تعقيداً، فإن الأمر يتجاوز حدود الصياغات الدبلوماسية ليدخل في صلب إعادة ترتيب موازين التأثير داخل الملف.
وفي هذا السياق، يطرح تلويح البوليساريو بالانسحاب من العملية السياسية الأممية، إذا تأكدت صحة التقارير المتداولة بشأن موقفها من المسودة الأمريكية، سؤالاً جوهرياً: هل يتعلق الأمر برفض حقيقي لمسار التسوية، أم بمحاولة أخيرة للضغط من أجل الحفاظ على هامش المناورة في مرحلة تتزايد فيها الضغوط السياسية باتجاه حل عملي وقابل للتنفيذ؟
أولاً: واشنطن تعيد ترتيب أولويات التسوية
تكمن أهمية التحرك الأمريكي في أن الولايات المتحدة لا تتحرك من خارج المنظومة الدولية، بل من داخل مجلس الأمن، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية والسياسية والاستراتيجية في صياغة القرارات المتعلقة بالنزاع.
فإذا كانت المسودة الأمريكية، كما ورد في التقارير المتداولة، تتجه إلى تعزيز مركزية مبادرة الحكم الذاتي المغربية، فإن ذلك سيعني أن النقاش لم يعد محصوراً في إعادة إطلاق المفاوضات، بل بات يتناول بصورة أكثر وضوحاً الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه تلك المفاوضات.
وهنا يكمن التحول الأهم: هناك فرق بين الدعوة إلى التفاوض دون تحديد أرضية واضحة، وبين توجيه المفاوضات نحو مقترح سياسي محدد باعتباره أساساً للتسوية.
ففي الحالة الثانية، لا تختفي المفاوضات، لكنها تدخل إطاراً أكثر تحديداً، ويصبح على الأطراف تقديم تصورات قابلة للنقاش والتطبيق، بدل الاكتفاء بتكرار المواقف التقليدية.
وبالنسبة للمغرب، فإن تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي داخل المسار الأممي من شأنه أن ينسجم مع استراتيجيته الدبلوماسية القائمة على تقديم المبادرة باعتبارها حلاً سياسياً واقعياً يتيح تدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة المغربية.
لكن من الضروري التمييز بين تعزيز مكانة المقترح المغربي في المفاوضات وبين القول إن المجتمع الدولي حسم جميع تفاصيل التسوية النهائية؛ فذلك يظل مرتبطاً بمضمون القرارات المعتمدة، وبالمسار التفاوضي الذي قد يليها.
ثانياً: لماذا يثير الحكم الذاتي قلق البوليساريو؟
لا يمكن فهم اعتراض البوليساريو المحتمل على المسودة الأمريكية بمعزل عن طبيعة التحول الذي قد يترتب على جعل الحكم الذاتي نقطة ارتكاز للمفاوضات.
فالجبهة بنت جانباً أساسياً من خطابها السياسي على المطالبة باستفتاء لتقرير المصير يتضمن خيار الاستقلال. ولذلك، فإن الانتقال إلى مسار تفاوضي يتمحور حول مبادرة الحكم الذاتي يضعها أمام معضلة سياسية حقيقية: كيف تحافظ على خطابها التقليدي، وفي الوقت نفسه تتعامل مع مسار دولي قد يمنح الأفضلية لحل يقوم على التفاوض بشأن تدبير الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟
من هنا، يمكن قراءة التلويح بالانسحاب، إذا ثبت رسمياً، باعتباره أداة ضغط تفاوضي محتملة، وليس بالضرورة قراراً نهائياً بإنهاء المشاركة في العملية الأممية.
فالانسحاب قد يمنح الجبهة فرصة لتسجيل موقف سياسي أمام أنصارها، لكنه قد يطرح عليها في المقابل سؤالاً أكثر إحراجاً: ما البديل العملي الذي يمكن تقديمه إذا جرى التخلي عن المسار الذي تشرف عليه الأمم المتحدة؟
وهذا هو جوهر المعضلة. فرفض صيغة تفاوضية لا يكفي وحده لإعادة تشكيل موازين القوى، ما لم يقترن ببديل يحظى بقدر مماثل من الدعم الدولي والقدرة على تحويله إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في تفسير التهديد بالانسحاب باعتباره دليلاً قاطعاً على انهيار الموقف السياسي للبوليساريو؛ فمثل هذه المواقف قد تكون أيضاً جزءاً من تكتيكات التفاوض، خصوصاً عندما تكون الصياغة النهائية للقرار لا تزال قيد التشاور.
ثالثاً: المغرب أمام فرصة دبلوماسية.. ولكن بشروط
يملك المغرب، في ضوء المعطيات الواردة في المقال، فرصة لتعزيز موقعه التفاوضي إذا اتجه القرار الأممي الجديد إلى تثبيت الحكم الذاتي باعتباره أساساً للمفاوضات.
غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكسب سياسي مستدام يتطلب أكثر من الترحيب بالمواقف الدولية أو الاحتفاء بتطورات دبلوماسية ظرفية.
فالرهان الأساسي يتمثل في مواصلة تقديم تفاصيل مبادرة الحكم الذاتي بصورة واضحة ومقنعة، وإبراز المؤسسات والضمانات وآليات التدبير التي يمكن أن تجعلها إطاراً عملياً لتسوية النزاع.
كما يتطلب الأمر مواصلة العمل الدبلوماسي مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وتعزيز الشراكات الدولية، وشرح الأبعاد السياسية والتنموية للمبادرة المغربية، مع الحرص على أن تظل الخطوات الميدانية والمؤسساتية منسجمة مع الخطاب السياسي المعلن.
وهنا تبرز نقطة أساسية: قوة الموقف المغربي لا تقاس فقط بعدد الدول التي تعلن دعمها للمبادرة، بل أيضاً بقدرته على تحويل هذا الدعم إلى مسار تفاوضي مستقر ونتائج سياسية ملموسة.
فالدعم الدولي، مهما بلغت أهميته، لا يغني عن إدارة دقيقة للمفاوضات، ولا يلغي ضرورة التعامل مع تعقيدات الملف الإقليمية والأممية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة قد تكون اختباراً لقدرة الدبلوماسية المغربية على الانتقال من توسيع دائرة التأييد إلى ترسيخ إطار سياسي أكثر وضوحاً لتسوية النزاع.
رابعاً: المينورسو.. هل نحن أمام مراجعة للمهام أم تحول في طبيعة البعثة؟
يفتح النقاش حول مستقبل بعثة المينورسو الباب أمام أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.
فالبعثة الأممية ليست مجرد عنصر إداري في النزاع، بل ترتبط ولايتها بالإطار الذي حدده مجلس الأمن وبالتطورات التي شهدها المسار السياسي منذ إنشائها.
وإذا كانت هناك مراجعة استراتيجية لمهامها، كما يشير المقال، فإن السؤال لا يتعلق فقط بتقليص النفقات أو تحسين الفعالية، بل بطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه البعثة في ظل أي تحول في مقاربة التسوية.
هل ستظل الأولوية للمهام القائمة؟ وهل ستقود المراجعة إلى تعديل بعض آليات العمل؟ أم ستتم إعادة تقييم دور البعثة وفق تطورات المسار السياسي؟
هذه أسئلة لا يمكن حسم الإجابة عنها قبل الاطلاع على مضمون المراجعة والقرار النهائي لمجلس الأمن.
لكن المؤكد أن أي تعديل في ولاية المينورسو سيحتاج إلى قراءة دقيقة لنص القرار، لأن مراجعة المهام لا تعني تلقائياً إنهاء البعثة، كما أن استمرارها لا يعني بالضرورة بقاء جميع تفاصيل عملها دون تغيير.
وبالنسبة للمغرب، فإن الأهمية الاستراتيجية لهذه النقطة تكمن في ضرورة الحفاظ على وضوح الأولويات السياسية، وعدم الخلط بين النقاش المتعلق بولاية البعثة وبين المفاوضات الخاصة بالحل النهائي للنزاع.
فالمساران مترابطان، لكنهما ليسا متطابقين؛ إذ يمكن أن تستمر البعثة في أداء مهام محددة بالتوازي مع استمرار البحث عن تسوية سياسية.
خامساً: الجزائر في قلب المعادلة الإقليمية
لا يمكن تحليل مستقبل النزاع حول الصحراء المغربية من خلال مواقف المغرب والبوليساريو وحدهما، لأن البعد الإقليمي يظل حاضراً بقوة في حسابات التسوية.
وتشكل الجزائر طرفاً محورياً في المعادلة السياسية المرتبطة بالنزاع، بالنظر إلى دعمها للبوليساريو ودورها في التوازنات الإقليمية المحيطة بالملف.
ومن ثم، فإن أي مسار تفاوضي يتجه نحو صيغة أكثر تحديداً للحل سيطرح تحدياً يتجاوز العلاقة المباشرة بين الرباط والجبهة، ليشمل مدى استعداد الأطراف الإقليمية المعنية للتفاعل مع المقاربة الجديدة.
فإذا اتجه مجلس الأمن إلى تأكيد الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، فقد ترتفع الضغوط الدبلوماسية باتجاه توضيح مواقف مختلف الأطراف من هذا المسار.
لكن ذلك لا يعني أن الجزائر ستغير موقفها تلقائياً، ولا أن الوصول إلى تسوية أصبح مسألة وقت فقط؛ إذ تظل الحسابات الإقليمية والسياسية عاملاً مؤثراً في فرص التقدم أو التعثر.
ولهذا، فإن أحد الاختبارات الحقيقية للمرحلة المقبلة سيكون مدى قدرة الأمم المتحدة على تحويل المواقف المعلنة إلى التزامات تفاوضية واضحة، مع التعامل مع البعد الإقليمي للنزاع دون إغفال الإطار الأممي.
سادساً: هل تستطيع البوليساريو الانسحاب دون دفع ثمن سياسي؟
إذا انتقلت تهديدات البوليساريو من مستوى التصريحات إلى قرار رسمي بالانسحاب من العملية السياسية، فإن ذلك قد يخلق صعوبات إضافية أمام الوساطة الأممية.
فمن الناحية السياسية، يمكن للجبهة أن تقدم الانسحاب باعتباره رفضاً لما تعتبره شروطاً غير مقبولة للتفاوض. لكن من الناحية العملية، فإن مغادرة المسار الأممي قد تقلص قدرتها على التأثير المباشر في صياغة التسوية، وتفتح المجال أمام تساؤلات بشأن مدى استعدادها للمشاركة في أي إطار تفاوضي بديل.
ومع ذلك، فإن النتائج لن تكون آلية أو أحادية الاتجاه؛ فقد يؤدي الانسحاب إلى زيادة الضغوط عليها، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تعقيد العملية السياسية وتأخير التوصل إلى اتفاق.
لذلك، فإن الرهان لا يكمن في افتراض أن مجرد التلويح بالانسحاب يمثل هزيمة سياسية نهائية، بل في تقييم أثر هذا الخيار على قدرة كل طرف على التأثير في المسار الأممي.
وإذا كانت التقارير المتداولة دقيقة، فإن الرسالة الأهم ليست أن التسوية أصبحت محسومة، بل أن النقاش بشأن الأساس السياسي للمفاوضات بات أكثر حساسية، وأن هامش المناورة أمام الأطراف قد يتغير تبعاً للصيغة النهائية للقرار.
سابعاً: ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
في ضوء المعطيات الواردة في المقال، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: تعزيز الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات
إذا اعتمد مجلس الأمن صيغة تعزز موقع المبادرة المغربية، فقد يشكل ذلك دعماً إضافياً للمقاربة التي يدافع عنها المغرب، ويدفع الأطراف إلى إعادة تقييم خياراتها التفاوضية. غير أن هذا السيناريو لن يعني بالضرورة التوصل الفوري إلى اتفاق نهائي، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة من المفاوضات بشروط سياسية أكثر تحديداً.
السيناريو الثاني: التوصل إلى صيغة توافقية
قد تسعى المشاورات داخل مجلس الأمن إلى صياغة قرار يحافظ على مركزية العملية السياسية، مع اعتماد لغة تحاول استيعاب تباين مواقف الأطراف. وقد يؤدي ذلك إلى تفادي مواجهة دبلوماسية مباشرة، لكنه قد يترك بعض الخلافات الأساسية قائمة إلى حين انطلاق جولات تفاوضية جديدة.
السيناريو الثالث: تصعيد سياسي وتعثر المفاوضات
إذا تعذر التوصل إلى صيغة مقبولة، أو قررت البوليساريو الانسحاب فعلياً من العملية السياسية، فقد تدخل الوساطة الأممية مرحلة من التعقيد. وفي هذه الحالة، قد تستمر التحركات الدبلوماسية دون تحقيق تقدم حاسم، بما يطيل أمد النزاع ويجعل مهمة الأمم المتحدة أكثر صعوبة.
وتظل المفاضلة بين هذه السيناريوهات مرتبطة بالنص النهائي للقرار، وبمواقف الأطراف، وبمدى استعدادها للانتقال من تبادل المواقف إلى مفاوضات عملية.
لحظة اختبار لا لحظة حسم نهائي
ما يجري حول ملف الصحراء المغربية يعكس، في جوهره، صراعاً على الإطار السياسي الذي ستدار من خلاله مفاوضات المرحلة المقبلة.
فالمغرب يسعى إلى تثبيت مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً واقعياً للتسوية تحت السيادة المغربية، بينما تواجه البوليساريو تحدياً يتمثل في كيفية التعامل مع أي تحول أممي يمنح هذه المبادرة موقعاً أكثر مركزية. أما الولايات المتحدة، فتسعى، وفق المعطيات المتداولة، إلى الدفع نحو صيغة سياسية أكثر تحديداً، في وقت تبقى فيه الأمم المتحدة مطالبة بالحفاظ على مسار تفاوضي قادر على إنتاج تسوية مستدامة.
لكن القراءة الاستراتيجية الرصينة تقتضي عدم الخلط بين التقدم الدبلوماسي المحتمل والحسم النهائي للنزاع.
فحتى إذا جاء القرار الجديد منسجماً مع التوجه الذي يدافع عنه المغرب، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بقدرة الدبلوماسية على تحويل الدعم السياسي إلى مفاوضات جدية، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للتعامل مع الوقائع الجديدة.
بالنسبة للمغرب، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط تعزيز مكانة الحكم الذاتي في الخطاب الأممي، بل تحويل هذا التقدم إلى مسار سياسي مستقر يقرّب المنطقة من تسوية نهائية. وبالنسبة للبوليساريو، فإن التحدي هو تحديد ما إذا كانت ستختار التكيف مع التحولات التفاوضية أم المخاطرة بتقليص قدرتها على التأثير في مستقبل العملية السياسية.
أما الاختبار الأكبر، فسيظل أمام مجلس الأمن: هل يستطيع الانتقال من إدارة نزاع طال أمده إلى الدفع نحو تسوية سياسية قابلة للتنفيذ، أم أن الخلاف حول شروط الحل سيعيد إنتاج التعثر نفسه بصياغات جديدة؟
في انتظار الجواب، تبقى الصحراء المغربية أمام مرحلة دقيقة، تتطلب من جميع الأطراف قراءة واقعية للتحولات الدبلوماسية، بعيداً عن التهويل أو إعلان الانتصار قبل اتضاح المآلات النهائية.






