لانا نسيبة والأمانة العامة للأمم المتحدة: هل تنجح الدبلوماسية الإماراتية في عبور جدار الفيتو ؟
ترشيح إماراتي بطموح دولي.. ودبلوماسية تراهن على التوافق بين القوى الكبرى لقيادة المنظمة الأممية
في خطوة تحمل أبعاداً دبلوماسية واستراتيجية لافتة، دخلت دولة الإمارات العربية المتحدة سباق اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة بترشيح الدبلوماسية لانا نسيبة، وزيرة الدولة بوزارة الخارجية الإماراتية، لتفتح بذلك فصلاً جديداً في معركة خلافة الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، في مرحلة تتسم بتعقيدات جيوسياسية غير مسبوقة، وتراجع الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على احتواء النزاعات وتسوية الأزمات.
ويأتي هذا الترشيح في توقيت بالغ الحساسية، بعدما كشفت جولات الاقتراع غير الرسمي، المعروفة باسم «Straw Polls»، داخل مجلس الأمن الدولي عن صعوبة التوصل إلى توافق بشأن شخصية تحظى بقبول القوى الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة. وهو ما يجعل دخول نسيبة إلى السباق تطوراً يستحق القراءة من زاوية الفرص والتحديات، لا باعتباره مجرد ترشيح جديد، بل باعتباره محاولة لفتح نافذة تفاهم في جدار الانسداد الدبلوماسي.
لانا نسيبة.. خبرة دبلوماسية في مواجهة اختبار دولي كبير
لا تدخل لانا نسيبة هذا السباق من خارج المؤسسة الأممية، بل تستند إلى تجربة دبلوماسية ممتدة، بعدما شغلت منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، قبل توليها مهامها الحكومية الحالية.
وقد أتاحت لها هذه التجربة التعرف عن قرب على آليات اتخاذ القرار داخل المنظمة الدولية، وعلى طبيعة التوازنات التي تحكم مواقف الدول الأعضاء، خصوصاً في مجلس الأمن، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية والسياسية والاستراتيجية.
ومن أبرز المحطات المرتبطة بعملها الدبلوماسي دورها في الدفع نحو اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2720 عام 2023، المتعلق بتيسير إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وقد عكس هذا المسار أهمية التحرك الدبلوماسي وبناء التفاهمات بين أعضاء المجلس في مواجهة الأزمات الإنسانية المعقدة.
وتمنح هذه الخبرة نسيبة رصيداً مؤسسياً مهماً، لكنها لا تضمن وحدها الوصول إلى قمة الهرم الأممي؛ فالأمانة العامة للأمم المتحدة ليست منصباً إدارياً رفيعاً فحسب، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تتطلب القدرة على التواصل مع الخصوم، وإدارة الخلافات، والدفاع عن استقلالية المنظمة ومبادئ ميثاقها.
ما بعد «Straw Polls».. المعركة الحقيقية تبدأ
تكمن إحدى أهم نقاط التحول في هذا السباق في نتائج الاقتراعات غير الرسمية داخل مجلس الأمن، التي أظهرت أن التقدم في عدد الأصوات المؤيدة لا يكفي وحده لضمان الفوز بالمنصب.
فقد برزت مرشحات وشخصيات دبلوماسية أخرى، من بينها ريبيكا غرينسبان، التي تصدرت بعض جولات الاقتراع، غير أن ظهور أصوات معارضة صادرة عن أعضاء دائمين في المجلس ألقى بظلاله على فرص المرشحين، وأعاد طرح السؤال الأساسي: من يستطيع الحصول على الحد الأدنى من الدعم، من دون أن يصطدم بحق النقض؟
وهنا تبرز أهمية ترشيح لانا نسيبة؛ إذ يمكن أن تستفيد من حالة عدم الحسم التي طبعت المنافسة، لتقدم نفسها باعتبارها مرشحة قادرة على بناء الجسور بين المواقف المتباينة.
ومع ذلك، فإن افتراض قدرتها على تجاوز الفيتو يظل تقديراً سياسياً يحتاج إلى اختباره عبر المواقف الفعلية للقوى الكبرى. فالعلاقات الدبلوماسية الجيدة، مهما بلغت أهميتها، لا تعني بالضرورة وجود ضمانات مسبقة بشأن التصويت النهائي.
إن نجاح نسيبة لن يتوقف على عدد الدول التي تعلن دعمها لها فحسب، بل على قدرتها على إقناع العواصم الكبرى بأن وجودها على رأس الأمم المتحدة يمكن أن يشكل نقطة التقاء، لا امتداداً للتنافس الإقليمي والدولي.
هل تستطيع الإمارات تقديم مرشحة توافقية؟
تملك دولة الإمارات شبكة علاقات دولية واسعة، وتتبنى دبلوماسية نشطة تقوم على توسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية والانخراط في الملفات الإقليمية والدولية. وقد تمنح هذه المعطيات ترشيح نسيبة مساحة للتحرك بين أطراف متعددة، بما فيها القوى الكبرى والدول النامية.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم العلاقات وحده، بل في كيفية توظيفها لإنتاج توافق سياسي قابل للاستمرار.
فالأمين العام للأمم المتحدة يحتاج إلى ثقة الدول الأعضاء، وفي مقدمتها الدول الخمس دائمة العضوية، من دون أن يتحول إلى ممثل لمصالح أي منها. كما يحتاج إلى طمأنة الدول النامية بأن صوتها سيظل حاضراً في القرارات الدولية، وأن المنظمة لن تختزل في حسابات القوى الأكثر نفوذاً.
ومن هذا المنطلق، قد تتمثل إحدى نقاط القوة المحتملة في ترشيح نسيبة في خبرتها التفاوضية ومعرفتها بآليات العمل الأممي. غير أن نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرتها على تقديم رؤية واضحة بشأن استقلالية الأمانة العامة، وإصلاح المؤسسات الدولية، وتعزيز فعالية عمليات حفظ السلام، وتطوير الاستجابة للأزمات الإنسانية.
وفي المقابل، ستحتاج المرشحة الإماراتية إلى التعامل مع التساؤلات التي قد تثيرها بعض السياسات الإقليمية لدولة الإمارات، ولا سيما الملفات التي تحظى بمتابعة دولية مكثفة. فالوصول إلى الأمانة العامة يقتضي إقناع المجتمع الدولي بأن المرشح قادر على ممارسة مسؤولياته باستقلالية، بعيداً عن التزاماته الوطنية السابقة.
سابقة تاريخية محتملة: أول امرأة على رأس الأمم المتحدة
يحمل ترشيح لانا نسيبة بُعداً تاريخياً إضافياً؛ إذ إن انتخابها سيجعلها أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة منذ تأسيس المنظمة عام 1945.
وسيكون ذلك تحولاً رمزياً ومؤسسياً مهماً في مسار تمثيل المرأة في أعلى مستويات القيادة الدولية، خصوصاً أن المنصب ظل حكراً على الرجال طوال العقود الماضية.
غير أن البعد التاريخي، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب جوهر المنافسة؛ فالمعيار الحاسم سيظل قدرة المرشحة على قيادة المنظمة في بيئة دولية شديدة الاستقطاب، والتعامل مع الحروب والأزمات الإنسانية، واستعادة الثقة في العمل متعدد الأطراف.
ومن شأن وصول امرأة إلى هذا المنصب أن يشكل سابقة لافتة، لكن تحويل هذه السابقة إلى إنجاز مؤسسي مستدام سيعتمد على الكفاءة والقدرة على اتخاذ المبادرات، وبناء التوافقات، والدفاع عن مبادئ الأمم المتحدة.
الفيتو.. العقبة الأصعب والاختبار الحاسم
ينص ميثاق الأمم المتحدة على أن تعيين الأمين العام يتم بقرار من الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. وبموجب آلية التصويت المعمول بها، تحتاج التوصية إلى تسعة أصوات مؤيدة على الأقل داخل المجلس، وألا يصدر أي صوت سلبي من الأعضاء الخمسة الدائمين.
وهذا يعني أن المرشح قد يحظى بدعم واسع من الدول الأعضاء، لكنه يظل عاجزاً عن بلوغ المنصب إذا اصطدم برفض إحدى القوى الخمس.
ومن هنا، تكتسب مرحلة ما بعد «Straw Polls» أهمية استثنائية؛ فهي تتيح للدول استكشاف اتجاهات التصويت، وتحديد نقاط الاعتراض، وإعادة تقييم المرشحين قبل الانتقال إلى القرار الرسمي.
وبالنسبة إلى لانا نسيبة، فإن التحدي لا يتمثل في إلغاء التناقضات بين القوى الكبرى، وهو أمر غير واقعي، بل في بناء مساحة مشتركة تسمح لها بالحصول على قبول متبادل، حتى في ظل استمرار الخلافات الاستراتيجية بين تلك القوى.
وقد تكون القدرة على إدارة التناقضات أهم من محاولة حلها؛ فالأمين العام الناجح ليس بالضرورة من ينهي الخلاف بين واشنطن وموسكو وبكين، بل من يستطيع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، ومنع انهيار التوافقات الممكنة، وإعادة الاعتبار إلى الدبلوماسية متعددة الأطراف.
الأمم المتحدة تحتاج إلى قيادة تتجاوز إدارة الأزمات
تأتي المنافسة على الأمانة العامة في وقت تواجه فيه المنظمة الأممية تحديات تتعلق بالحروب، والأزمات الإنسانية، والتنافس بين القوى الكبرى، والضغوط المالية، وتراجع الثقة في بعض آليات العمل الدولي.
ولذلك، فإن أي مرشح جديد مطالب بتقديم ما يتجاوز الخطاب التقليدي عن السلام والتعاون الدولي، من خلال رؤية عملية تعيد للأمم المتحدة قدرتها على التأثير.
وفي هذا السياق، سيكون على نسيبة أن توضح كيف يمكن تعزيز الوساطة السياسية، وتطوير آليات الاستجابة الإنسانية، وتحسين أداء عمليات حفظ السلام، وتقوية التنسيق بين مجلس الأمن والجمعية العامة، فضلاً عن حماية استقلالية الأمانة العامة في مواجهة الضغوط السياسية.
كما أن قدرتها على التعامل مع الأزمات في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، وعلى بناء الثقة مع دول الجنوب العالمي، ستكون من العوامل التي ستحدد مدى اتساع دائرة قبولها الدولي.
هل تكون نسيبة مرشحة العبور من الانسداد إلى التوافق؟
يمثل ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة للانا نسيبة منعطفاً جديداً في سباق الأمانة العامة للأمم المتحدة، ويمنح المنافسة بعداً دبلوماسياً إضافياً في مرحلة لم تنجح فيها الاقتراعات غير الرسمية في حسم هوية المرشح القادر على تجاوز اعتراضات القوى الكبرى.
ومن وجهة نظر تحليلية، فإن فرص نسيبة قد ترتبط بقدرتها على استثمار خبرتها الأممية، وتوظيف علاقاتها الدولية، وتقديم نفسها بوصفها شخصية قادرة على إدارة التوازنات المعقدة، من دون التفريط في استقلالية المنصب أو مبادئ المنظمة.
أما عبور جدار الفيتو، فسيظل الاختبار الفاصل بين الطموح والواقع؛ إذ لا تكفي الخبرة وحدها، ولا تكفي العلاقات الثنائية، ما لم تتوافر إرادة سياسية مشتركة لدى القوى الخمس لقبول مرشح جديد.
ومع ذلك، فإن دخول نسيبة إلى السباق يطرح احتمالاً يستحق المتابعة: أن تفضي حالة الانسداد الحالية إلى البحث عن شخصية تستطيع جمع ما تفرق بين القوى الكبرى، وتقديم صيغة توافقية تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من القيادة الأممية.
قد تكون لانا نسيبة أمام فرصة دبلوماسية استثنائية، لكن الرهان الأكبر لن يكون مجرد وصول امرأة إلى منصب الأمين العام، بل قدرتها على إقناع العالم بأن الأمم المتحدة ما زالت قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول.






