المغرب يعزز السلوك المسؤول للمقاولات بخمس اتفاقيات لتعزيز النزاهة وتنافسية الاقتصاد
توقيع مذكرات تفاهم بين الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات وخمس مؤسسات وهيئات مهنية، بهدف ترسيخ الحكامة والشفافية والاستدامة، وتعزيز جاذبية الاستثمار والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.
الرباط – وقعت الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، اليوم الثلاثاء بالرباط، خمس مذكرات تفاهم مع مؤسسات عمومية وتنظيمات مهنية، تروم تعزيز التعاون في مجال السلوك المسؤول للمقاولات، وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية والحكامة الجيدة والاستدامة، باعتبارها مرتكزات أساسية لتطوير تنافسية النسيج الاقتصادي الوطني وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات.
وشملت هذه الاتفاقيات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، والجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، والفيدرالية الوطنية للصناعات الغذائية.
وجرى توقيع هذه المذكرات خلال افتتاح لقاء تنظمه الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، بصفتها رئيسة نقطة الاتصال الوطنية المغربية، بشراكة مع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، يومي 20 و21 أكتوبر، تحت شعار «السلوك المسؤول للمقاولات في المغرب: رافعة استراتيجية للاستدامة والتنافسية».
ويهدف هذا اللقاء إلى تعزيز التنسيق بين الفاعلين العموميين والخواص، وتطوير مبادرات مشتركة من شأنها توسيع نطاق اعتماد الممارسات المسؤولة داخل المقاولات، بما يواكب التحولات التي تشهدها الأسواق الدولية وتزايد متطلبات المستثمرين والشركاء التجاريين بشأن الشفافية واحترام المعايير الاجتماعية والبيئية والأخلاقية.
ويكتسي هذا الموعد أهمية خاصة، لكونه يتزامن مع مرور خمسين سنة على اعتماد المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن السلوك المسؤول للمقاولات، وخمس عشرة سنة على انخراط المغرب في هذه المبادئ، بمشاركة ممثلين عن المؤسسات العمومية والمقاولات والتنظيمات المهنية والنقابية والمجتمع المدني، إلى جانب شركاء دوليين.
السلوك المسؤول.. رافعة لجاذبية الاستثمار
وفي كلمة بالمناسبة، أكد المدير العام للوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات ورئيس نقطة الاتصال الوطنية، علي صديقي، أن التحولات التي تعرفها بيئة الأعمال الدولية جعلت شفافية الممارسات الاقتصادية وقابلية تتبعها واحترام المعايير الدولية عوامل متزايدة التأثير في قرارات الاستثمار وشروط الولوج إلى الأسواق.
وأوضح أن السلوك المسؤول للمقاولات لم يعد مجرد التزام أخلاقي أو مسألة مرتبطة بالامتثال للقواعد التنظيمية، بل أصبح قضية عملية ترتبط مباشرة بالقدرة التنافسية للمقاولات ومكانتها ضمن سلاسل القيمة الدولية.
وشدد صديقي على أن استقطاب الاستثمارات يظل هدفاً أساسياً، غير أن جودة هذه الاستثمارات لا تقل أهمية عن حجمها، بالنظر إلى دورها في إحداث فرص الشغل، وخلق القيمة المضافة، وتنمية الكفاءات، وتعزيز اندماج المنظومات الصناعية الوطنية.
وفي هذا السياق، أبرز الدور الذي تضطلع به نقطة الاتصال الوطنية في نشر المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وتعزيز الحوار بين مختلف الأطراف المعنية، ومواكبة المقاولات في إدماج متطلبات السلوك المسؤول ضمن استراتيجياتها وممارساتها اليومية.
النزاهة أساس الثقة في المعاملات الاقتصادية
من جهته، اعتبر رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بنعليلو، أن السلوك المسؤول للمقاولات يطرح أسئلة جوهرية بشأن النموذج الاقتصادي المنشود، ومدى قدرة بيئة الأعمال على مكافأة الجودة والابتكار والاستحقاق، بدل ترك المجال أمام الامتيازات والعلاقات التي قد تعطل المنافسة العادلة.
وأكد أن النزاهة لا ينبغي أن تقتصر على استيفاء متطلبات الامتثال بشكل شكلي، بل يتعين أن تتحول إلى ثقافة مؤسساتية متجذرة في مختلف مستويات التدبير واتخاذ القرار داخل المقاولات.
وقال بنعليلو: «فلا يستقيم أن تعلن المقاولة التزامها بالنزاهة، ثم تقيس نجاح مسؤوليها بالنتائج المالية وحدها، بصرف النظر عن وسائل تحقيقها».
وأوضح أن المسؤولية تقتضي اعتماد ممارسات شفافة في التعاقد، واختيار الوسطاء والموردين، وتدبير حالات تضارب المصالح، واحترام الالتزامات الاجتماعية والبيئية، فضلاً عن تقييم آثار الأنشطة الاقتصادية والعلاقات التجارية، والعمل على الوقاية من المخاطر المرتبطة بها.
كما شدد على أهمية توفير بيئة مؤسساتية واضحة وعادلة، تكون فيها شروط الترخيص ومعايير إسناد الصفقات والاستفادة من الدعم وآجال اتخاذ القرارات وسبل الطعن فيها محددة وشفافة.
وحذر من أن غموض المساطر واتساع السلطة التقديرية دون ضمانات كافية قد يفتحان المجال أمام الممارسات غير السليمة، داعياً إلى تطوير التعاون بين القطاع العام وعالم الأعمال على أساس الشراكة في الوقاية من الفساد وإيجاد الحلول المشتركة.
المقاولات العمومية في صلب التحول نحو الاستدامة
وفي ما يتعلق بدور المؤسسات والمقاولات العمومية، أبرز المدير العام المساعد للوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، خالد الحطاب، أهمية هذه المؤسسات في نشر الممارسات المسؤولة داخل النسيج الاقتصادي الوطني.
وأوضح أن المؤسسات والمقاولات العمومية تعد من أبرز الجهات صاحبة الطلبيات في المغرب، فيما تعتمد آلاف المقاولات الصغيرة والمتوسطة والموردين على العقود التي تبرمها، وهو ما يمنح المعايير التي تعتمدها في علاقاتها التجارية قدرة كبيرة على التأثير في سلوك مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
وكشف الحطاب أن الوكالة اعتمدت، مطلع السنة الجارية، ميثاقاً بيئياً واجتماعياً وللحكامة، منسجماً مع المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إلى جانب إرساء آلية لتتبع الأداء غير المالي.
وأشار إلى أن الحملة الأولى لإعداد التقارير أظهرت أن نحو نصف المقاولات المستجيبة أطلقت استراتيجياتها المتعلقة بهذه المجالات أو عملت على تحديثها، فيما يتوفر أقل بقليل من نصفها على جرد لانبعاثاته، بينما تواجه أكثر من نصفها مخاطر مناخية مرتفعة.
وتبرز هذه المؤشرات، بحسب المعطيات المقدمة، أهمية تعزيز قدرات المقاولات على قياس آثار أنشطتها الاقتصادية والبيئية، وتطوير آليات التتبع والتقييم، بما يساعدها على الاستعداد للتحولات التنظيمية والتجارية التي تشهدها الأسواق.
تحديات المقاولات الصغيرة والمتوسطة
من جانبها، أكدت رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب بجهة الرباط سلا القنيطرة، بثينة العراقي الحسيني، أن التحدي المطروح يتمثل في تحويل مبادئ السلوك المسؤول إلى ممارسات ملموسة تمنح الاقتصاد الوطني قيمة مضافة وميزة تنافسية مستدامة.
وأوضحت أن متطلبات العناية الواجبة والشفافية وتتبع المخاطر لم تعد تقتصر على المقاولات الكبرى، بل امتد تأثيرها إلى مختلف حلقات سلاسل القيمة، بما يشمل الموردين والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
وأشارت إلى أن قدرة المقاولات على إثبات التحكم في المخاطر الاجتماعية والبيئية والأخلاقية أصبحت عاملاً متزايد الأهمية في الولوج إلى الأسواق الدولية والحفاظ على العلاقات التجارية.
غير أنها نبهت إلى ضرورة تجنب تحويل هذه المتطلبات إلى أعباء إدارية ومالية إضافية تثقل كاهل المقاولات الصغيرة، داعية إلى اعتماد مقاربة متناسبة مع طبيعة المخاطر وحجم كل مقاولة والإمكانات المتاحة لها.
ويطرح هذا التحدي أهمية توفير المواكبة والتكوين والأدوات العملية التي تمكن المقاولات من تبني الممارسات المسؤولة تدريجياً، دون المساس بقدرتها على الاستثمار والنمو وخلق فرص الشغل.
الشراكات الدولية لتعزيز موقع المغرب الصناعي
بدوره، أكد سفير سويسرا لدى المغرب، فالنتين زيلفيغر، أن اندماج المملكة في سلاسل القيمة الدولية، خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والصناعات الغذائية والنسيج، يجعل من السلوك المسؤول للمقاولات خياراً استراتيجياً لتعزيز موقعها الصناعي والتجاري.
وأوضح أن اعتماد هذه الممارسات من شأنه دعم تنافسية المقاولات المغربية ومساعدتها على الاستجابة للمعايير التي يفرضها الشركاء الدوليون، بما يعزز فرص اندماجها في الأسواق العالمية.
كما أشار إلى دعم أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية للبرنامج الإقليمي لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مبرزاً أن التعاون بالمغرب يركز على مواكبة الفاعلين العموميين والخواص في تبني المبادئ التوجيهية وتطبيقها على أرض الواقع.
واعتبر أن المسؤولية في تدبير الأنشطة الاقتصادية ينبغي النظر إليها باعتبارها استثماراً في تحسين الأداء وضمان الاستدامة، وليس مجرد تكلفة إضافية تتحملها المقاولات.
نحو توسيع اعتماد الممارسات المسؤولة
وتندرج مذكرات التفاهم الخمس ضمن مسار وطني يروم توسيع نطاق اعتماد السلوك المسؤول للمقاولات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والتنظيمات المهنية.
وفي هذا الإطار، سبق لنقطة الاتصال الوطنية المغربية أن أطلقت، سنة 2024، جولة شملت سبع جهات بالمملكة، تضمنت تنظيم سبعة لقاءات جهوية وثماني ورشات تكوينية، فضلاً عن المشاركة في 31 تظاهرة خصصت للتعريف بمبادئ السلوك المسؤول للمقاولات.
ويعكس هذا المسار توجهاً نحو جعل النزاهة والشفافية والاستدامة مكونات أساسية في منظومة الأعمال الوطنية، بما يساهم في تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، فضلاً عن دعم قدرة المقاولات المغربية على مواجهة متطلبات المنافسة الدولية.
ومن شأن تفعيل الاتفاقيات الجديدة أن يفتح المجال أمام تطوير برامج مشتركة للتوعية والتكوين وتبادل الخبرات، وربط المبادئ العامة للسلوك المسؤول بإجراءات عملية قابلة للتطبيق والتقييم، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المغربي ويكرس أسس نمو أكثر استدامة وشمولاً.






