شكاية صفقة واد أمليل تعود إلى الواجهة القضائية.. أسئلة حول إسناد الأشغال وتدبير شركة التنمية الإقليمية بتازة
إحالة ثانية للشكاية بين المسؤولين القضائيين المختصين، وعرض مالي تقول المقاولة المشتكية إنه كان الأقل كلفة، ومقاولة أخرى آلت إليها الأشغال.. تفاصيل ملف يثير تساؤلات حول مسطرة إسناد المشروع، وطبيعة التعاقد، وحدود الشفافية في تدبير الاستثمارات العمومية.
عاد ملف شكاية تقدمت بها مقاولة معروفة ضد المدير العام لشركة التنمية الإقليمية بتازة إلى الواجهة، بعدما قرر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس إحالتها مجدداً على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بتازة، للمرة الثانية على التوالي، في سياق تبادل الإحالة بين المسؤولين القضائيين بشأن الاختصاص في الملف.
وتتعلق الشكاية بشبهات اختلالات في مسطرة إسناد أشغال تهيئة وتقوية شوارع بمدينة واد أمليل، وهي القضية التي تعود إلى شتنبر 2020، حين أطلقت شركة التنمية الإقليمية بتازة استشارة لاختيار الجهة التي ستتولى إنجاز الأشغال.
وبين تفاصيل المنافسة كما توردها الشكاية، والقرار الذي انتهى إلى إسناد الأشغال إلى مقاولة أخرى، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تتطلب أجوبة موثقة، خصوصاً ما يتعلق بمعايير اختيار العرض الفائز، وهوية المقاولة التي نفذت المشروع، والأساس القانوني الذي نظمت بموجبه العملية التعاقدية.
عرض الأقل كلفة.. ثم إسناد الأشغال إلى مقاولة أخرى
وفق نسخة الشكاية المتوفرة، دعت شركة التنمية الإقليمية بتازة مجموعة من المقاولات إلى تقديم عروضها لإنجاز أشغال تهيئة وتقوية شوارع واد أمليل.
وتشير الوثائق إلى أن لجنة ضمت رئيس المجلس الجماعي لواد أمليل، وتقنياً بالجماعة، وممثلاً عن المجلس الإقليمي لتازة، وممثلاً عن شركة التنمية الإقليمية، تولت فتح الأظرفة ودراسة العروض المقدمة.
وتؤكد المقاولة المشتكية أن عرضها كان الأقل كلفة، مع مراعاة جودة الأشغال، غير أنها توصلت، بتاريخ 30 شتنبر 2020، بمراسلة من الشركة تطلب منها تقديم تبريرات بشأن العرض والأثمان المقترحة، داخل أجل لا يتجاوز 24 ساعة.
وفي فاتح أكتوبر من السنة نفسها، ردت المقاولة برسالة مرفقة بإشعار بالتوصل، أكدت فيها أن الأسعار المقترحة جاءت نتيجة دراسة دقيقة، وأنها راعت متطلبات الجودة المرتبطة بإنجاز المشروع.
لكن مسار المنافسة، بحسب رواية المشتكية، انتهى إلى نتيجة غير متوقعة بالنسبة إليها؛ إذ تقول إنها فوجئت، خلال زيارة لمقر الشركة، بإخبارها بإسناد الأشغال إلى مقاولة أخرى.
وعلى إثر ذلك، راسلت الشركة مطالبة بمراجعة القرار، مستندة إلى ما ورد في شكواها بشأن عدم حضور المقاولة التي آلت إليها الأشغال ضمن المقاولات المتنافسة يوم فتح الأظرفة.
وتثير هذه الجزئية سؤالاً محورياً في الملف: ما المسطرة التي أفضت إلى اختيار المقاولة التي نفذت الأشغال؟ وهل يتعلق الأمر بمسطرة مستقلة عن الاستشارة الأولى، أم بترتيب تعاقدي آخر ينبغي الكشف عن وثائقه؟
لا تسمح المعطيات المتاحة وحدها بحسم هذه الأسئلة، إذ يتطلب الأمر الاطلاع على محاضر فتح الأظرفة، وتقارير تقييم العروض، وقرار الإسناد، والعقد الذي أُبرم بشأن تنفيذ الأشغال، فضلاً عن الوثائق التي تحدد هوية صاحب المشروع والجهة التي تحملت الالتزامات المالية.
هل يكفي الاحتكام إلى القانون الخاص؟
من بين النقاط التي أثارتها المقاولة المشتكية، رد المدير العام لشركة التنمية الإقليمية بتازة، الذي أفاد، بحسب مضمون الشكاية، بأن الشركة تخضع للقانون الخاص.
غير أن هذا الجواب لم ينهِ، وفق المشتكية، التساؤلات المرتبطة بالقواعد المنظمة لعملية إسناد الأشغال، بالنظر إلى طبيعة المساهمين في رأسمال الشركة ومصادر تمويلها.
وتشير الشكاية إلى أن جهة عمومية تساهم بنسبة 51 في المائة في رأسمال الشركة، فيما تساهم 33 جماعة بنسبة 49 في المائة.
وتضع هذه المعطيات مسألة الحكامة في صلب النقاش، ليس باعتبارها دليلاً قائماً بذاته على وقوع مخالفة، وإنما بالنظر إلى ضرورة تحديد النظام القانوني الذي يحكم كل مرحلة من مراحل العملية، وطبيعة الالتزامات المترتبة عن استعمال الموارد المخصصة للمشاريع التنموية.
فما القواعد التي اعتمدتها الشركة عند إطلاق الاستشارة؟ وما المعايير التي استندت إليها اللجنة في تقييم العروض؟ وهل كانت هناك وثائق تحدد شروط المنافسة وكيفية البت في العروض؟ وما الجهة المخولة بالمصادقة على القرار النهائي؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد الاستناد إلى طبيعة الشركة باعتبارها خاضعة للقانون الخاص، أو إلى تركيبة مساهميها، بل تقتضي فحص نظامها الأساسي، والاتفاقيات المرتبطة بالمشروع، والنصوص القانونية والتنظيمية ذات الصلة، والوثائق التي تؤطر عملية الإسناد.
كما أن تحديد مدى خضوع العملية لقواعد معينة من قواعد الصفقات العمومية أو غيرها من الضوابط القانونية يظل رهيناً بطبيعة التعاقد، وصفة صاحب المشروع، ومصدر التمويل، والإطار القانوني الذي أُنجزت العملية في ظله.
شبهة التعاقد من الباطن.. أين تبدأ الصفقة الأصلية وأين تنتهي؟
من بين المحاور التي أثارتها الشكاية، ما تعتبره المقاولة المشتكية ارتباطاً محتملاً بين الاستشارة موضوع النزاع والبحث عن مقاولة من الباطن لإنجاز الأشغال.
واستحضرت المشتكية، في هذا السياق، المقتضيات التي قالت إنها تنظم التعاقد من الباطن في الصفقات العمومية، مشيرة إلى سقف لا يتجاوز 50 في المائة من مبلغ الصفقة.
لكن التحقق من مدى انطباق هذه المقتضيات على الحالة المعروضة يقتضي، قبل كل شيء، تحديد طبيعة العلاقة التعاقدية بين مختلف الأطراف.
فهل كانت شركة التنمية الإقليمية هي صاحبة المشروع الأصلي؟ وهل سبق أن أبرمت عقداً مع جهة أخرى قبل إطلاق الاستشارة؟ وهل كانت المقاولة التي تولت الأشغال متعاقدة مباشرة مع الشركة، أم أنها تدخلت في إطار علاقة تعاقدية أخرى؟
ثم ما المبالغ التي رُصدت للمشروع، وما القيمة النهائية للأشغال، وكيف جرى توزيع الالتزامات المالية بين الأطراف؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكتسي أهمية خاصة، لأن التمييز بين إسناد مشروع بصورة مباشرة والتعاقد من الباطن ليس مجرد اختلاف في التسمية، بل يرتبط بطبيعة العلاقة القانونية بين المتدخلين، والالتزامات التي يتحملها كل طرف، والضوابط التي يتعين احترامها.
وإلى حين الاطلاع على العقود والوثائق المالية ذات الصلة، تظل فرضية التعاقد من الباطن كما وردت في الشكاية نقطة تستدعي التحقق، وليست نتيجة محسومة.
شاحنات وآليات في الورش.. ما طبيعة العلاقة بالمشروع؟
وفي معطى آخر مرتبط بالقضية، تشير المعلومات المتوفرة إلى أن الآليات والشاحنات التي شوهدت وهي تشتغل في الأشغال موضوع الشكاية تعود إلى البرلماني السابق عبد الواحد المسعودي، كما تظهر، بحسب المعطيات نفسها، في صور متوفرة بشأن المشروع.
وتثير هذه المعطيات سؤالاً إضافياً بشأن طبيعة العلاقة بين مالك الآليات والجهة التي أُسندت إليها الأشغال، وما إذا كانت المعدات قد استُعملت بموجب عقد كراء أو اتفاق لتوفير الآليات أو في إطار علاقة تعاقدية أخرى.
غير أن ظهور معدات في ورش معين، حتى إن أمكن التحقق من ملكيتها، لا يكفي وحده لإثبات هوية صاحب الصفقة أو تحديد المسؤوليات القانونية والمالية المرتبطة بها.
ويتطلب التحقق من هذه الجزئية مقارنة الصور والوثائق التي تثبت ملكية الآليات بالعقود والفواتير ومحاضر تتبع الأشغال، فضلاً عن تحديد الجهة التي تولت فعلياً تنفيذ المشروع والجهة التي أدت مستحقاته.
وسبق لعبد الواحد المسعودي أن شغل منصب رئيس المجلس الإقليمي لتازة، كما عُزل من رئاسة جماعة تازة بموجب قرار قضائي، وفق المعطيات المتعلقة بملفه. وتبقى أي صلة محتملة بين هذه الوقائع والصفقة موضوع الشكاية بحاجة إلى أدلة ووثائق مستقلة، ولا يجوز استنتاج مسؤولية عن المشروع من مجرد ذكر اسمه أو الإشارة إلى معدات قيل إنها تعود إليه.
الإحالة القضائية الثانية.. ماذا تعني في مسار الملف؟
إعادة إحالة الشكاية بين المسؤولين القضائيين المختصين تضع مسألة الاختصاص في واجهة الملف، لكنها لا تعني في حد ذاتها ثبوت الاختلالات المزعومة أو اتخاذ قرار بشأن المسؤولية الجنائية لأي طرف.
فالمعطيات المتوفرة تفيد بأن الشكاية أُحيلت للمرة الثانية على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بتازة، بعد تبادل الإحالة بشأن الجهة المختصة بالنظر فيها.
أما تحديد الأسباب القانونية الدقيقة لهذا التبادل، وما إذا كان الملف قد دخل مرحلة البحث أو اتُّخذت بشأنه إجراءات أخرى، فيظل رهيناً بالحصول على معطيات رسمية من الجهات القضائية المختصة.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يعيد إلى الواجهة شكاية تتضمن ادعاءات محددة بشأن مسطرة إسناد الأشغال، ويطرح الحاجة إلى التحقق من الوثائق التي استندت إليها المقاولة في مطالبها.
لكن من الضروري التمييز بين إحالة الشكاية، وفتح بحث بشأنها، وتوجيه اتهام إلى شخص معين، ثم ثبوت المسؤولية بموجب مقرر قضائي؛ فلكل مرحلة طبيعتها وآثارها القانونية.
وثائق حاسمة لفهم حقيقة ما جرى
إذا كان الهدف هو الوصول إلى حقيقة ما وقع في صفقة تهيئة شوارع واد أمليل، فإن عدداً من الوثائق يبدو ضرورياً لفهم مسار المشروع وتحديد المسؤوليات المحتملة.
في مقدمتها، محاضر فتح الأظرفة وتقييم العروض، والمراسلة المؤرخة في 30 شتنبر 2020 التي طلبت فيها الشركة تبريرات بشأن الأسعار، ورد المقاولة بتاريخ فاتح أكتوبر من السنة نفسها.
ويأتي بعد ذلك قرار إسناد الأشغال، والعقد المبرم مع المقاولة التي نفذت المشروع، وأي اتفاقية سابقة قد تكون مرتبطة بالصفقة الأصلية، فضلاً عن الوثائق المحاسباتية التي توضح المبلغ المرصود والمبالغ المؤداة فعلياً.
كما تكتسي مراسلات الشركة مع الجماعات المساهمة، ومحاضر اجتماعات أجهزتها المسيرة، والوثائق التي تحدد طبيعة العلاقة بين الشركة وصاحب المشروع، أهمية في تقييم الإطار القانوني للعملية.
ومن شأن مقارنة هذه الوثائق أن تساعد على الإجابة عن الأسئلة الأساسية: هل احترمت شروط المنافسة؟ وعلى أي أساس جرى اختيار العرض الفائز؟ وهل كانت هوية المقاولة المنفذة معلومة ومحددة في الوثائق التعاقدية؟ وهل تتطابق الأشغال المنجزة مع الالتزامات والمبالغ المؤداة؟
هذه الأسئلة تمثل مدخلاً للتحقيق الصحفي في القضية، من دون افتراض مسبق بوقوع مخالفة أو تحديد مسؤوليتها قبل التحقق من الأدلة.
حق الرد واستكمال المعطيات
وفي انتظار اتضاح مآل الشكاية، تظل شركة التنمية الإقليمية بتازة ومديرها العام والمقاولة التي أُسندت إليها الأشغال والأطراف الأخرى المعنية، جهات يتعين الاستماع إلى توضيحاتها بشأن الوقائع الواردة في الملف.
كما أن الحصول على جواب رسمي من الشركة بشأن مسطرة اختيار المقاولة المنفذة، وطبيعة العلاقة التعاقدية التي أُنجز المشروع في إطارها، والمعايير التي اعتُمدت في تقييم العروض، من شأنه أن يساهم في استكمال الصورة.
وتبقى الشكاية، بما تتضمنه من ادعاءات ووثائق، مدخلاً لفحص مسار صفقة مرتبطة بمشروع تنموي محلي، في انتظار التحقق من الإطار القانوني الدقيق الذي يحكمها.
فالرهان في هذا الملف لا يتعلق فقط بخلاف بين مقاولة وشركة حول نتيجة استشارة تعود إلى سنة 2020، بل أيضاً بضرورة توضيح مسار القرار التعاقدي، وكيفية اختيار الجهة المنفذة، ومآل الأموال المخصصة للمشروع، استناداً إلى وثائق قابلة للتحقق وإجابات رسمية من جميع الأطراف المعنية.






