سياسة

إعفاء الوزراء لا يبرر اتهام الأمن.. من اختار يتحمل المسؤولية

جسر بريس 5 دقائق للقراءة
Jisrpress

حين تتعثر الاختيارات السياسية، يصبح تحميل الأجهزة الأمنية المسؤولية أسهل من الاعتراف بأخطاء الترشيح ومراجعة القرارات الحزبية

كلما جرى إعفاء وزير من منصبه، أو أثير الجدل حول أداء مسؤول حكومي، يعود بعض الأصوات إلى توجيه الاتهامات نحو الأجهزة الأمنية، وكأنها الجهة التي اختارت الوزراء وحددت مساراتهم السياسية والحكومية. وهو نقاش يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود المسؤولية السياسية، والجهة التي ينبغي أن تتحمل تبعات الاختيارات التي لم تحقق النتائج المنتظرة.

إن جوهر المسألة لا يتعلق بالدفاع عن أي مؤسسة أو استبعاد أي جهة من المساءلة القانونية، بقدر ما يتعلق بضرورة التمييز بين الاختصاصات الأمنية والمسؤوليات السياسية، وعدم الخلط بين التدقيق الذي قد يدخل ضمن الاختصاصات القانونية للمؤسسات المعنية، وبين قرار اختيار الوزراء الذي تتحمل الجهات السياسية مسؤولية اقتراح مرشحيه والدفاع عنهم أمام الرأي العام.

الأحزاب تختار.. فمن يتحمل النتائج؟

في النظام السياسي، لا تأتي الأسماء المرشحة للاستوزار من فراغ، بل تكون وراءها اختيارات ومفاوضات وتقديرات سياسية وحزبية. والأحزاب التي تقترح مرشحيها للمشاركة في الحكومة مطالبة بتحمل مسؤولية اختياراتها، وتقديم التفسيرات اللازمة عندما يثير أداء بعض الوزراء تساؤلات أو عندما ينتهي المسار بإعفائهم من مناصبهم.

فإذا كانت الأحزاب تعتبر نفسها مؤهلة لتقديم الكفاءات التي ستدبر القطاعات الحكومية، فمن المنطقي أن تتحمل أيضاً مسؤولية تقييم تلك الكفاءات ومراجعة اختياراتها عند ظهور اختلالات. أما أن تنسب النجاح إلى حسن تدبيرها السياسي، ثم تبحث عن طرف آخر لتحميله مسؤولية الإخفاق، فذلك يطرح إشكالاً حقيقياً بشأن مفهوم المسؤولية السياسية ومصداقية الخطاب الحزبي.

إن المشاركة في تدبير الشأن العام ليست امتيازاً منفصلاً عن المحاسبة، كما أن تقديم مرشح لتولي حقيبة وزارية لا ينبغي أن يكون مجرد خطوة لتقاسم المناصب، بل مسؤولية تقتضي التحقق من المؤهلات والخبرة والقدرة على التدبير واستحضار المصلحة العامة.

عندما يصبح الأمن شماعة للأخطاء السياسية

المفارقة أن بعض الأصوات تؤكد، في مناسبات مختلفة، ضرورة إبعاد الأجهزة الأمنية عن السياسة، وعدم الزج بها في الصراعات الحزبية، لكنها تعود عند كل أزمة أو إعفاء وزاري إلى استحضار اسم هذه الأجهزة، وتحميلها مسؤولية اختيارات لا تملك بالضرورة سلطة اتخاذها.

فكيف يمكن المطالبة بإبعاد الأمن عن القرار السياسي، ثم التعامل معه باعتباره مسؤولاً عن نتائج ذلك القرار؟ وكيف يمكن إعفاء الأحزاب من مسؤولية ترشيحاتها، والبحث عن تفسير لكل تعثر حكومي خارج المؤسسات والجهات التي شاركت في صناعة الاختيارات السياسية؟

إن هذا التناقض يستدعي نقاشاً هادئاً ومسؤولاً، لأن تكرار الاتهامات دون تقديم أدلة واضحة قد يحول النقاش العمومي من مساءلة الفاعلين السياسيين إلى تبادل الاتهامات، بما يضعف الثقة في المؤسسات ويشتت الانتباه عن الأسباب الحقيقية للمشكلات.

ولا يعني ذلك أن الأجهزة الأمنية فوق المساءلة، أو أن اختصاصاتها لا يجوز إخضاعها للتقييم القانوني والمؤسساتي. بل يعني أن أي مسؤولية ينبغي أن تُحدد بناء على الوقائع والأدلة، ووفق الاختصاصات القانونية لكل جهة، لا بناء على التخمين أو الرغبة في إيجاد طرف آخر يتحمل كلفة الإخفاق.

التدقيق الأمني ليس اختياراً سياسياً

من الضروري التمييز بين الإجراءات القانونية التي قد تتخذها الجهات المختصة في إطار التدقيق والتحقق، وبين سلطة اقتراح الوزراء وتشكيل الأغلبية الحكومية وتدبير التوازنات السياسية.

فممارسة جهاز معين لاختصاصاته القانونية لا تجعله تلقائياً مسؤولاً عن جميع القرارات التي تتخذها مؤسسات أخرى. كما أن وجود مساطر للتحقق أو التدقيق لا يعني أن الجهة التي تقوم بها تتحمل مسؤولية الأداء الحكومي اللاحق، أو أنها صاحبة القرار السياسي النهائي في تعيين المسؤولين.

وإذا ظهرت معطيات محددة تشير إلى تقصير محتمل من أي جهة، فإن الطريق السليم هو تقديم الأدلة وتحديد المسؤوليات عبر المؤسسات المختصة، بدلاً من إطلاق اتهامات عامة لا تميز بين الاختصاص القانوني والمسؤولية السياسية.

فالمؤسسات لا تُحمّل المسؤولية لمجرد ورود أسمائها في النقاش العمومي، وإنما وفق ما يثبته القانون والوقائع.

النجاح للأحزاب والإخفاق للأجهزة؟

من بين الإشكالات التي تستحق النقاش، ميل بعض الخطابات إلى الاحتفاء بالاختيارات السياسية عندما تنجح، ونسب الفضل إلى الأحزاب التي قدمت المرشحين، بينما يجري البحث عن مسؤوليات خارجية عندما تظهر الاختلالات أو تتخذ قرارات الإعفاء.

هذا المنطق لا يساعد على ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، بل قد يشجع على التهرب من المسؤولية وإلقائها على مؤسسات أخرى.

فالمسؤولية السياسية تقتضي الشجاعة في مراجعة القرارات، والقدرة على تقديم التوضيحات للرأي العام، والاعتراف بأن بعض الاختيارات قد لا تكون موفقة، مهما كانت الاعتبارات التي حكمت اتخاذها في البداية.

كما أن إعفاء وزير لا يمثل، في حد ذاته، دليلاً على تدخل أمني أو تقصير من جهة معينة؛ إذ لا يمكن استخلاص مثل هذه النتيجة دون معطيات موثوقة توضح أسباب القرار والجهات المسؤولة عنه.

ربط المسؤولية بالمحاسبة.. مدخل لاستعادة الثقة

إن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق كل إعفاء وزاري هو مساءلة المسار الذي أفضى إلى التعيين، وتقييم الأداء خلال فترة تحمل المسؤولية، وفهم الأسباب التي استدعت الإعفاء، وتحديد ما إذا كانت هناك اختلالات في الاختيار أو التدبير أو المراقبة.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية في تطوير آلياتها الداخلية لاختيار المرشحين، وتعزيز الشفافية في تقديم الكفاءات، وتوضيح المعايير التي تعتمدها في ترشيح الأشخاص لتولي المناصب الحكومية.

كما تبرز مسؤولية الفاعلين السياسيين في الابتعاد عن الخطاب الذي يحول كل أزمة إلى مناسبة لتبادل الاتهامات، وفي تقديم نقاش مبني على الوقائع، يحترم اختصاصات المؤسسات ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة.

فالقاعدة الأساسية واضحة: من يملك سلطة الاقتراح يتحمل مسؤولية اختياره، ومن يملك سلطة القرار يُسأل عن قراره، ومن يمارس اختصاصاً قانونياً يُحاسب في حدود ذلك الاختصاص، متى ثبت وجود تقصير أو مخالفة.

الخلاصة: لا إعفاء من المسؤولية السياسية

إن إعفاء الوزراء يفتح الباب أمام تقييم الأداء الحكومي ومراجعة الاختيارات السياسية، لكنه لا يمنح أحداً مبرراً لتحويل الأجهزة الأمنية إلى شماعة جاهزة لكل إخفاق، كما لا يبرر إعفاء الأحزاب من مسؤولياتها تجاه مرشحيها وقراراتها.

وإذا كان المطلوب هو ترسيخ دولة المؤسسات، فإن ذلك يبدأ باحترام حدود الاختصاصات، والتمييز بين القرار السياسي والإجراء الأمني، والاحتكام إلى الأدلة بدل الاتهامات، وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على الجميع دون استثناء.

فالأحزاب التي تختار مرشحيها مطالبة بتحمل نتائج اختياراتها، والفاعلون السياسيون مطالبون بتقديم أجوبة واضحة للرأي العام. أما تحميل المسؤولية لأي مؤسسة أخرى، فينبغي أن يستند إلى وقائع مثبتة، لا إلى مجرد الرغبة في نقل النقاش بعيداً عن أصحابه الأصليين.

لأن جوهر المساءلة ليس البحث عن جهة نلقي عليها اللوم، بل تحديد من اتخذ القرار، ومن امتلك سلطة الاختيار، ومن يتحمل مسؤولية النتائج.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *