اعتداء الشرطة الإسبانية على صحفي مغربي في سبتة المحتلة.. حين تتحول حرية الصحافة إلى شعار بلا مضمون

جسر بريس15 أغسطس 2026آخر تحديث :
اعتداء الشرطة الإسبانية على صحفي مغربي في سبتة المحتلة.. حين تتحول حرية الصحافة إلى شعار بلا مضمون

عز الدين السريفي

لم يعد الصمت أمام ما يتعرض له الصحفيون المغاربة في سبتة المحتلة مقبولاً، خصوصاً بعدما انتقلت المضايقات من عرقلة العمل الصحفي إلى الاعتداء الجسدي على صحفي أثناء أداء واجبه المهني.

فبحسب معطيات نشرتها مصادر إعلامية مغربية، تعرض مراسل «هبة بريس» بمدينة تطوان، زيد حمدون، مساء الجمعة 14 غشت 2026، لتعامل عنيف من طرف عناصر من الشرطة الإسبانية أثناء قيامه بتغطية أوضاع المهاجرين غير النظاميين في سبتة. وأفاد الصحفي بأنه تعرض للدفع والسحب من ملابسه والضرب، رغم علم العناصر الأمنية بأنه صحفي يؤدي مهمة مهنية.

هذه الواقعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد حادث أمني عابر، لأن الاعتداء على صحفي أثناء ممارسة عمله يمس جوهر حرية الصحافة وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومة.

والأخطر أن واقعة زيد حمدون تأتي في سياق من التضييق على الصحافة المغربية داخل سبتة، بعدما واجه طاقم القناة الثانية «دوزيم» عراقيل أثناء محاولته دخول المدينة لتغطية الأحداث، إضافة إلى إجراءات شملت تفتيشاً واستجواباً وحجز سيارة ومعدات التصوير قبل السماح بإخراجها بشروط. )

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: إذا كانت السلطات الإسبانية واثقة من طريقة تدبيرها للأحداث في سبتة، فلماذا تضيق على الصحفيين الذين يحاولون نقل ما يجري إلى الرأي العام؟

الصحافة ليست امتيازاً تمنحه الأجهزة الأمنية عندما يناسبها، وليست جريمة عندما يطرح الصحفي أسئلة محرجة أو يوثق مشاهد لا ترغب السلطات في انتشارها. الصحفي الذي يدخل إلى الميدان لأداء مهمته لا ينبغي أن يتحول إلى هدف أمني، بل يجب أن يحظى بالحماية التي تفرضها المواثيق والمعايير المتعلقة بحرية الصحافة.

واللافت أن الاعتداء على مراسل «هبة بريس» يأتي في وقت تتحدث فيه إسبانيا، ومعها المؤسسات الأوروبية، باستمرار عن دولة القانون وحقوق الإنسان وحرية التعبير. لذلك فإن السؤال المشروع اليوم ليس فقط حول ما حدث للصحفي المغربي، وإنما حول مدى احترام السلطات الإسبانية نفسها للمبادئ التي تطالب الآخرين باحترامها.

لا يمكن أن تكون حرية الصحافة مبدأً أوروبياً عندما يتعلق الأمر بانتقاد دول أخرى، ثم تتحول إلى تفصيل ثانوي عندما يتعلق الأمر بتغطية أحداث تجري داخل مدينة تحت الإدارة الإسبانية.

كما أن التعامل الأمني مع الصحفيين المغاربة في سبتة يثير مخاوف جدية بشأن الحق في الوصول إلى المعلومة، خصوصاً في ظل الأحداث المرتبطة بالمهاجرين والظروف الاجتماعية والإنسانية التي تعيشها المدينة. وقد سبق أن أثيرت، خلال الأيام الأخيرة، أسئلة حقوقية حول أوضاع مهاجرين ومغاربة داخل سبتة، الأمر الذي يجعل حضور الصحافة المستقلة أكثر أهمية، لا أقل. .

ومن حق الصحفي المغربي أن يسأل، وأن يصور، وأن يجري مقابلات، وأن ينقل شهادات المواطنين والمهاجرين، ما دام يمارس عمله في إطار القانون.

أما استعمال القوة ضد صحفي، إن ثبتت تفاصيل الواقعة كما رواها، فلا يمكن تبريره بعبارات فضفاضة من قبيل «الإجراءات الأمنية» أو «تنفيذ التعليمات». القوة لا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون، والزي الرسمي لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة.

إن المطلوب اليوم واضح: فتح تحقيق جدي ومستقل في الواقعة، تحديد هوية العناصر التي تعاملت مع الصحفي، الكشف عن ملابسات ما جرى، وترتيب المسؤوليات إذا ثبت وقوع الاعتداء.

وقد أدانت النقابة الوطنية للصحافة المغربية الواقعة وطالبت بفتح تحقيق، معتبرة أن ما تعرض له الصحفي يمثل اعتداءً ومضايقات أثناء ممارسة عمله المهني.

إن المغرب لا يطالب بأكثر من حق بسيط وواضح: احترام الصحفي المغربي كما يُحترم أي صحفي آخر، واحترام حقه في أداء مهمته دون ترهيب أو عنف أو تضييق.

وإذا كانت السلطات الإسبانية تعتبر نفسها دولة مؤسسات وقانون، فإن أفضل رد على هذه الاتهامات ليس الصمت ولا التبرير، وإنما التحقيق الشفاف ونشر الحقيقة كاملة.

أما استمرار التضييق على الصحفيين المغاربة في سبتة، في الوقت الذي ترفع فيه مدريد شعارات حرية الإعلام وحقوق الإنسان، فلن يؤدي إلا إلى تكريس صورة مقلقة عن ازدواجية المعايير في التعامل مع حرية الصحافة.

فحرية الصحافة لا تتجزأ، وكرامة الصحفي لا تتغير بتغير جنسيته، والقانون لا ينبغي أن يتوقف عند أبواب سبتة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة