تشهد العلاقات المغربية المالية تحولا نوعيا لم يعد يقتصر على التنسيق الدبلوماسي أو التقارب السياسي، بل دخل مرحلة جديدة عنوانها بناء شراكة اقتصادية استراتيجية تستند إلى المصالح المشتركة وتستثمر الزخم السياسي الذي ولدته مواقف باماكو الأخيرة الداعمة للوحدة الترابية للمملكة. فبعد سنوات من التعاون المتدرج، يبدو أن الرباط وباماكو تتجهان نحو نموذج جديد يقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك وربط الاقتصادين بمشاريع إقليمية كبرى، وفي مقدمتها المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
وجاءت أشغال اللجنة المشتركة الكبرى للتعاون بين البلدين، التي احتضنتها العاصمة المالية باماكو، لتؤكد هذا التحول، من خلال التركيز على ملفات الاستثمار، وتطوير المبادلات التجارية، وتشجيع القطاع الخاص، وإطلاق مشاريع مشتركة في قطاعات الطاقة والبنيات التحتية والفلاحة والخدمات، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة التصريحات السياسية إلى مرحلة الإنجاز الاقتصادي.
دعم سياسي يتحول إلى شراكة اقتصادية
إعلان مالي، في أبريل الماضي، دعمها الصريح لمغربية الصحراء لم يكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل شكل نقطة تحول في طبيعة العلاقات الثنائية، إذ فتح الباب أمام مستوى غير مسبوق من الثقة السياسية، سرعان ما انعكس على الأجندة الاقتصادية للبلدين.
وقد تعزز هذا التوجه مع تجديد باماكو دعمها للمبادرة الأطلسية المغربية، التي تهدف إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية والموانئ المغربية، وهو مشروع يتجاوز أبعاده الجيوسياسية ليحمل رهانات اقتصادية وتنموية كبيرة بالنسبة للدول غير المطلة على البحر.
فإذا اكتملت المشاريع المرتبطة بهذه المبادرة، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي، فإن مالي ستكون من أبرز المستفيدين، من خلال فتح ممرات تجارية جديدة تقلص تكاليف النقل، وتسرع حركة الصادرات والواردات، وتمنح الاقتصاد المالي منفذا مستقرا نحو الأسواق العالمية.
الساحل يعيد رسم تحالفاته
التقارب المغربي المالي يأتي أيضا في ظرف إقليمي دقيق تشهد فيه منطقة الساحل إعادة ترتيب للتحالفات السياسية والاقتصادية، بعد تراجع النفوذ الفرنسي وانسحاب قوات باريس من مالي، وما رافق ذلك من فراغ تبحث باماكو عن ملئه عبر تنويع شركائها.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب باعتباره شريكا مختلفا، إذ لا يطرح نفسه كقوة تنافسية تبحث عن النفوذ التقليدي، وإنما كشريك يعتمد على منطق التنمية والاستثمار والتعاون جنوب-جنوب، وهو ما يمنحه هامشا أوسع للتحرك داخل المنطقة.
فالرباط راكمت خلال العقدين الأخيرين حضورا اقتصاديا متناميا في إفريقيا، سواء عبر الأبناك أو شركات التأمين والاتصالات والأسمدة والطاقة والبنيات التحتية، وهو ما يجعل دخولها بقوة إلى السوق المالية امتدادا طبيعيا لهذه الاستراتيجية القارية.
القطاع الخاص يدخل على الخط
أحد أبرز المؤشرات العملية على هذا التحول تمثل في تنظيم المنتدى الاقتصادي المغربي المالي، الذي جمع أكثر من 300 فاعل اقتصادي من البلدين، يمثلون قطاعات الصناعات الغذائية والطاقة والبناء والعقار والمناجم والخدمات المالية والاتصالات واللوجستيك.
هذا الحضور الكثيف لا يعكس فقط اهتمام رجال الأعمال، بل يؤشر إلى وجود رغبة حقيقية في تحويل التقارب السياسي إلى مشاريع استثمارية قابلة للتنفيذ.
كما أن إعادة تفعيل مجلس الأعمال المغربي المالي تمثل خطوة مهمة نحو توفير آلية دائمة لمواكبة المستثمرين، وتحديد فرص الاستثمار، ومعالجة العراقيل القانونية والإدارية التي غالبا ما تعيق المشاريع في الأسواق الإفريقية.
قطاعات واعدة للتعاون
قطاع الطاقة يبدو من أكثر المجالات المرشحة لتحقيق نتائج سريعة، خصوصا بعد توقيع اتفاقية تعاون بين الفيدرالية الوطنية للكهرباء والإلكترونيات والطاقات المتجددة بالمغرب ونظيرتها المالية.
وتحتاج مالي إلى استثمارات ضخمة في إنتاج الكهرباء وتوسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، بينما راكمت الشركات المغربية خبرة معتبرة في هذا المجال داخل المملكة وفي عدد من الدول الإفريقية، وهو ما يجعل فرص الشراكة كبيرة.
كما تبرز البنيات التحتية كأحد أهم مجالات التعاون، في ظل حاجة مالي إلى تطوير شبكات الطرق والنقل والمنشآت اللوجستية، وربطها بالممرات التجارية الجديدة، وهي مجالات تمتلك فيها المقاولات المغربية خبرة واسعة تؤهلها للمنافسة على إنجاز المشاريع الكبرى.
أما القطاع الفلاحي، فيحمل بدوره إمكانات كبيرة، بالنظر إلى الأراضي الزراعية الواسعة التي تتوفر عليها مالي، مقابل الخبرة المغربية في تقنيات الري، وتدبير الموارد المائية، والأسمدة، وتثمين المنتجات الفلاحية، وهو ما قد يساهم في تعزيز الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية الزراعية.
رهانات تتجاوز التجارة الثنائية
الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بزيادة المبادلات التجارية بين البلدين، بل ببناء فضاء اقتصادي جديد يربط غرب إفريقيا ومنطقة الساحل بالمحيط الأطلسي.
فبالنسبة للمغرب، تمثل مالي بوابة نحو عمق الساحل، بينما تمثل الموانئ والبنيات اللوجستية المغربية منفذا استراتيجيا لمالي نحو أوروبا والأمريكيتين وآسيا.
وبذلك تتحول العلاقة الثنائية إلى جزء من مشروع إقليمي أكبر، يقوم على إعادة تشكيل مسارات التجارة الإفريقية، وتقوية شبكات النقل واللوجستيك، وتعزيز التكامل الاقتصادي جنوب-جنوب.
تحديات لا يمكن تجاهلها
ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن نجاح هذه الشراكة سيظل رهينا بعدة اعتبارات، في مقدمتها الوضع الأمني الذي لا يزال يشكل أكبر تحد أمام الاستثمار في مالي، في ظل استمرار المواجهات مع الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، إضافة إلى تعقيدات ملف أزواد.
كما أن جذب الرساميل الأجنبية يتطلب مواصلة تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الضمانات القانونية، وتوفير بيئة مستقرة للمستثمرين، فضلا عن تعبئة التمويلات اللازمة لإنجاز المشاريع الكبرى.
شراكة تتجاوز الحسابات التقليدية
ما يميز التقارب المغربي المالي اليوم أنه لم يعد قائما على المصالح الظرفية، بل أصبح جزءا من رؤية استراتيجية أشمل تعتمدها الرباط لتعزيز حضورها في إفريقيا، عبر الاستثمار والربط اللوجستي وتوسيع التعاون الاقتصادي، بالتوازي مع ترسيخ الدعم الدولي لمغربية الصحراء.
وفي المقابل، تدرك باماكو أن الشراكة مع المغرب توفر لها فرصة لتنويع شركائها الاقتصاديين، والاستفادة من الخبرات والاستثمارات المغربية، والانخراط في مشاريع إقليمية قد تسهم في فك العزلة الجغرافية التي تعاني منها.
و تبدو العلاقات المغربية المالية مرشحة لأن تتحول إلى أحد أبرز نماذج التعاون جنوب-جنوب في القارة الإفريقية، حيث يلتقي التقارب السياسي مع المصالح الاقتصادية في إطار رؤية استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية نحو إعادة رسم الخريطة الاقتصادية لمنطقة الساحل. غير أن نجاح هذا النموذج سيظل مرتبطا بقدرة مالي على تعزيز الاستقرار الأمني، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة، بما يسمح بتحويل الطموحات المعلنة إلى مشاريع تنموية ملموسة تعود بالنفع على البلدين والمنطقة ككل.





