عز الدين السريفي
لم يكن فوز المرشح اليميني أبيلاردو دي لا إسبريا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية مجرد انتقال عادي للسلطة داخل إحدى أبرز دول أمريكا اللاتينية، بل حمل معه مؤشرات على تحول سياسي قد تكون له انعكاسات مباشرة على عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، التي ظلت خلال السنوات الأخيرة رهينة لتوجهات الحكومات اليسارية في المنطقة.
وتمكن دي لا إسبريا من حسم جولة الإعادة في انتخابات اتسمت بمنافسة قوية مع مرشح اليسار إيفان سيبيدا، بعدما نال 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه، منهياً بذلك مرحلة حكم الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، الذي ارتبط اسمه بمواقف داعمة لجبهة البوليساريو ومنسجمة مع توجهات اليسار اللاتيني.
ومن المرتقب أن يتولى الرئيس المنتخب مهامه رسمياً في السابع من غشت المقبل، وسط ترقب واسع للسياسة الخارجية التي ستعتمدها إدارته الجديدة، خاصة وأن حملته الانتخابية قامت على مراجعة العديد من الخيارات الدبلوماسية التي انتهجتها حكومة بيترو، سواء على مستوى العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية أو في تدبير القضايا الإقليمية والدولية.
ويعد ملف الصحراء من بين أبرز القضايا المرشحة لإعادة التقييم، بالنظر إلى الخلفية السياسية للرئيس الجديد المنتمي إلى التيار المحافظ، المعروف بقربه من واشنطن واعتماده مقاربة براغماتية في السياسة الخارجية تقوم على المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وكان الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو قد أعاد، في غشت 2022، الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، بعد أكثر من عقدين على قرار كولومبيا تجميد هذا الاعتراف سنة 2001، في خطوة اعتُبرت حينها تراجعاً عن مسار دبلوماسي شهد تقارباً متزايداً بين الرباط وبوغوتا.
فخلال السنوات التي سبقت وصول بيترو إلى السلطة، تمكن المغرب من تحقيق اختراقات مهمة في علاقاته مع كولومبيا، حيث أعلنت وزارة الخارجية الكولومبية سنة 2021 توسيع نطاق أنشطتها القنصلية لتشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة، بالتزامن مع التعبير عن دعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره أرضية جادة وواقعية لتسوية النزاع.
غير أن وصول بيترو إلى الحكم أوقف هذا المسار، بل وتجاوز الأمر الجانب الدبلوماسي إلى الدفاع العلني عن أطروحة البوليساريو في عدد من المحافل الدولية، من بينها قمة دولية بمدينة برشلونة، ما أثار آنذاك نقاشاً واسعاً بشأن توجهات السياسة الخارجية الكولومبية.
ويرى متابعون أن وصول دي لا إسبريا إلى الرئاسة قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في هذا الموقف، سواء من خلال تجميد الاعتراف مجدداً أو المضي نحو سحبه بشكل نهائي، بما يسمح بإعادة العلاقات المغربية الكولومبية إلى مستوى التعاون الذي طبعها لسنوات.
ويأتي هذا التحول المحتمل في سياق دينامية دبلوماسية متواصلة تقودها المملكة داخل أمريكا اللاتينية، حيث تمكنت الرباط خلال السنوات الأخيرة من تعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي داخل فضاء كان يُنظر إليه تاريخياً باعتباره أحد أبرز معاقل الدعم التقليدي للبوليساريو.
وفي هذا الإطار، برزت خلال الأشهر الماضية مواقف داعمة للوحدة الترابية للمملكة من عدة دول بالمنطقة، من بينها الباراغواي وجمهورية الدومينيكان، إلى جانب دول أخرى باتت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الإطار الأكثر واقعية ومصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء.
كما حملت برقية التهنئة التي بعث بها الملك محمد السادس إلى الرئيس الكولومبي المنتخب رسائل سياسية واضحة، عبر فيها العاهل المغربي عن اعتزازه بعلاقات الصداقة التي تجمع البلدين، واستعداد المملكة للعمل المشترك من أجل الارتقاء بالتعاون الثنائي وتوسيع مجالات الشراكة بما يخدم مصالح الشعبين.
وتعكس هذه الخطوة رغبة الرباط في فتح صفحة جديدة مع الإدارة الكولومبية المقبلة، في وقت تبدو فيه الظروف السياسية مواتية لإعادة بناء الثقة بين البلدين وتعزيز التقارب الدبلوماسي، خاصة إذا ما اختارت بوغوتا مراجعة موقفها من قضية الصحراء في ضوء التحولات السياسية التي تعرفها المنطقة.





