ليست قضية سبتة ومليلية وليدة ظرف سياسي عابر، ولا ورقة ظهرت فجأة على أجندة الدبلوماسية المغربية. فوثيقة رسمية محفوظة في أرشيف الأمم المتحدة، مؤرخة في 27 يناير 1975، تكشف أن الرباط كانت قد حملت هذا الملف إلى إحدى أهم آليات المنظمة الدولية المكلفة بقضايا تصفية الاستعمار، واضعة بذلك المدن والجزر المحتلة ضمن مسار دبلوماسي واضح يعود إلى أكثر من خمسة عقود.
الوثيقة، التي وجهها الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة آنذاك دريس السلاوي إلى رئيس اللجنة الخاصة المعنية بتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، تحمل دلالة سياسية وتاريخية كبيرة، ليس فقط بسبب مضمونها، وإنما بسبب الجهة الأممية التي اختار المغرب مخاطبتها.
فالرسالة المغربية لم تتحدث بشكل عام عن «أراضٍ محتلة»، بل حددت بالاسم المناطق التي اعتبرت الرباط استمرار الوجود الإسباني فيها امتداداً للماضي الاستعماري، وهي سبتة ومليلية، وجزر الحسيمة، وصخرة باديس، والجزر الجعفرية.
الرباط لم تنتظر 2026 لفتح الملف
المفارقة التي تفرضها الوثيقة اليوم أن بعض القراءات التي تتعامل مع المطالبة المغربية بسبتة ومليلية باعتبارها تطوراً سياسياً حديثاً تصطدم بسجل دبلوماسي يعود إلى يناير 1975.
قبل أكثر من خمسين عاماً، كان المغرب قد اختار بالفعل نقل القضية إلى المنبر الأممي، مطالباً بالنظر في وضع هذه المناطق ضمن الآليات الدولية المرتبطة بتصفية الاستعمار، مع طلب تمكين الوفد المغربي من عرض موقف المملكة وتقديم حججها أمام اللجنة المختصة.
وبذلك، فإن الوثيقة لا تقدم مجرد سردية تاريخية، وإنما تكشف عن مسار دبلوماسي موثق سلكته الرباط منذ عقود.
من استقلال 1956 إلى معركة استكمال الوحدة الترابية
وتقدم الرسالة أيضاً مفتاحاً لفهم الرؤية المغربية للملف.
فبالنسبة إلى الرباط، لم يكن استقلال المغرب سنة 1956 نهاية نهائية لمسار التحرر والوحدة الترابية، وإنما بداية مرحلة جديدة لاستكمال استرجاع المناطق التي ظلت خارج السيادة المغربية وفق التصور الرسمي للمملكة.
وتستند المراسلة إلى الاتفاق المغربي الإسباني الموقع في 27 أبريل 1956، والذي أنهى نظام الحماية الإسبانية على أجزاء من المغرب، لتشير إلى أن الحكومة المغربية واصلت بعد ذلك مفاوضاتها مع مدريد بشأن الأراضي التي بقيت تحت السيطرة الإسبانية.
وهنا تظهر القضية كجزء من سردية أوسع عاشتها الدبلوماسية المغربية بعد الاستقلال: استرجاع الأراضي التي تعتبرها المملكة جزءاً من وحدتها الترابية.
سبتة ومليلية ليستا وحدهما
الأكثر دلالة في الوثيقة أن الرباط لم تفصل بين سبتة ومليلية وبين المواقع والجزر الصغيرة المنتشرة قبالة الساحل المتوسطي.
فإلى جانب المدينتين، وردت جزر الحسيمة وصخرة باديس والجزر الجعفرية، في ما يعكس تصوراً مغربياً يجمع هذه المواقع ضمن ملف واحد مرتبط بما تعتبره الرباط استمراراً للوجود الاستعماري الإسباني.
وهذا التفصيل مهم صحفياً وتاريخياً، لأنه يوضح أن الحديث المغربي لم يكن محصوراً في المدينتين، بل شمل منذ ذلك الوقت مجموعة من المواقع التي ظلت حاضرة في الخطاب الدبلوماسي المغربي.
حين اختارت الرباط الأمم المتحدة
ربما تكمن أقوى دلالات الوثيقة في أنها تظهر أن المغرب لم يحصر القضية في التفاوض المباشر مع إسبانيا.
فاللجوء إلى لجنة أممية متخصصة في تصفية الاستعمار يعني أن الرباط سعت إلى وضع الملف داخل الإطار المؤسساتي الدولي، بالتوازي مع المسار الثنائي مع مدريد.
كما استحضرت المراسلة مواقف سابقة للملك الحسن الثاني، من بينها الخطاب الذي ألقاه أمام مؤتمر رؤساء دول وحكومات حركة عدم الانحياز في بلغراد سنة 1961، في محاولة لإبراز استمرارية الموقف المغربي تجاه الأراضي التي تعتبرها المملكة جزءاً من وحدتها الترابية.
نصف قرن لم يمحُ الملف
اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسين سنة على تلك المراسلة، تبدو الوثيقة وكأنها تعيد ترتيب النقاش من جديد.
العلاقات المغربية الإسبانية قطعت مسافة كبيرة منذ سبعينيات القرن الماضي، وانتقلت من التوترات والأزمات إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، لكن تطور العلاقات الثنائية لم يلغِ حضور ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة في التصور السياسي المغربي.
وهنا تكمن أهمية الوثيقة: فهي لا تتحدث عن موقف جديد، بل توثق جذور موقف قديم.
الأرشيف يتحدث
بعيداً عن المواقف السياسية الآنية، يبقى الأرشيف الأممي شاهداً على أن الرباط طرحت، منذ سنة 1975، قضية سبتة ومليلية ومجموعة من الجزر والصخور أمام إحدى آليات الأمم المتحدة المختصة بتصفية الاستعمار.
وبالتالي، فإن من يريد فهم الحضور الحالي لهذا الملف في الخطاب المغربي لا يستطيع تجاهل هذه الصفحة من التاريخ الدبلوماسي للمملكة.
وثيقة عمرها أكثر من نصف قرن، لكنها تحمل رسالة سياسية واضحة: بالنسبة إلى المغرب، لم تبدأ قصة سبتة ومليلية اليوم، ولم تكن المطالبة بهما وليدة ظرف سياسي عابر، بل كانت جزءاً من أجندة دبلوماسية موثقة تعود إلى مرحلة مبكرة من تاريخ المغرب بعد الاستقلال.
والسؤال الذي تطرحه الوثيقة اليوم ليس: متى بدأ المغرب الحديث عن سبتة ومليلية؟
بل: ماذا كان يعني أن تضع الرباط هذا الملف، منذ 27 يناير 1975، أمام لجنة أممية مكلفة أصلاً بتصفية الاستعمار.






