عز الدين السريفي
أكد إدريس اليزمي أن العالم يعيش اليوم مفارقة لافتة في التعاطي مع قضايا الهجرة والتنقل البشري، حيث تتصاعد موجات الانغلاق والخطابات المتشددة تجاه المهاجرين في العديد من الدول، في الوقت الذي تحتدم فيه المنافسة الدولية لاستقطاب الكفاءات والموارد البشرية المؤهلة. وهي معادلة تضع المغرب أمام تحديات وفرص جديدة في تدبير علاقته بجاليته المنتشرة عبر مختلف أنحاء العالم.
وخلال لقاء نظمه المنتدى المغربي للكفاءات والنخب بالعاصمة الرباط، أوضح اليزمي أن عدداً من الدول المتقدمة باتت تعتمد سياسات نشطة لاستقطاب الكفاءات الأجنبية لسد حاجياتها الاقتصادية والديمغرافية، مستشهداً بالتجربة الألمانية التي تستهدف استقطاب مئات الآلاف من العمال والكفاءات سنوياً للحفاظ على دينامية اقتصادها ومستوى تطورها الاجتماعي.
جالية تتغير.. ورصيد استراتيجي يتعاظم
في قراءته لتحولات الجالية المغربية بالخارج، أبرز اليزمي أن عدد المغاربة المقيمين خارج أرض الوطن تجاوز ستة ملايين شخص، مشيراً إلى أن هذه الجالية أصبحت أكثر تنوعاً من حيث التكوينات والخبرات والاندماج في المجتمعات المستقبلة. كما سجل ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى التأهيل الأكاديمي، حيث أصبح واحد من كل خمسة مغاربة بالخارج حاصلاً على تكوين جامعي أو مؤهل علمي عال، ما يجعل من هذه الفئة قوة اقتراحية وتنموية مهمة بالنسبة للمغرب.
ويرى متابعون أن هذا التطور النوعي في بنية الجالية المغربية يفرض الانتقال من المقاربة التقليدية التي كانت تركز أساساً على التحويلات المالية، إلى رؤية أشمل تجعل من الكفاءات والخبرات والاستثمار المعرفي رافعة أساسية للتنمية الوطنية.
التوجيهات الملكية ورهان إشراك الكفاءات
وأشار رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج إلى أن الملك محمد السادس شدد في مناسبات عديدة على الأهمية الاستراتيجية لمغاربة العالم، باعتبارهم جزءاً أساسياً من المشروع التنموي للمملكة، مؤكداً أن الخبرات التي راكمتها الجالية المغربية عبر عقود من الهجرة والاندماج تمثل قيمة مضافة حقيقية يمكن أن تسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتطوير مختلف القطاعات.
وتعكس هذه الرؤية توجهاً رسمياً نحو إعادة تموقع الجالية المغربية بالخارج كشريك في التنمية وليس فقط كمصدر للتحويلات المالية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية القائمة على المعرفة والابتكار واستقطاب العقول.
سياسات الشتات.. بين المكتسبات والحاجة إلى التجديد
واعتبر اليزمي أن المغرب يعد من الدول السباقة في تطوير ما يعرف بسياسات الشتات، وهي السياسات العمومية الموجهة للمواطنين المقيمين بالخارج، موضحاً أن هذه المقاربة انطلقت منذ عهد الحسن الثاني قبل أن تعرف تطوراً نوعياً خلال عهد الملك محمد السادس.
غير أن المسؤول ذاته أقر بأن التحولات المتسارعة التي تعرفها الجالية المغربية تفرض اليوم مراجعة بعض الآليات وتجديد المقاربات المؤسساتية بما يواكب انتظارات الأجيال الجديدة من مغاربة العالم، خاصة في ما يتعلق بالمشاركة الاقتصادية والثقافية والمؤسساتية.
الإنصات المتبادل.. مفتاح بناء جسور الثقة
ومن أبرز الرسائل التي حملها خطاب اليزمي دعوته إلى تعزيز الإنصات المتبادل بين المغاربة داخل الوطن وخارجه، معتبراً أن تجربة الهجرة تترك آثاراً عميقة على الأفراد والمجتمعات، وأن المغرب الذي غادره أبناؤه قبل سنوات طويلة ليس هو نفسه المغرب الذي يزورونه أو يعودون إليه اليوم.
وأكد أن نجاح العلاقة بين الوطن وجاليته يقتضي فهماً متبادلاً للتحولات التي يعرفها كل طرف، بحيث يكون المغاربة المقيمون بالخارج أكثر اطلاعاً على الديناميات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، في مقابل انفتاح المؤسسات الوطنية على انتظارات الجالية ومقترحاتها وخبراتها.
التنمية المشتركة مسؤولية جماعية
وفي ختام كلمته، شدد اليزمي على أن بناء مشاريع تنموية مستدامة وقادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمغرب يظل رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين على توحيد الجهود واستثمار الطاقات والكفاءات المغربية أينما وجدت.
كما اعتبر أن التجارب الناجحة التي تجمع بين كفاءات الداخل والخارج تشكل نموذجاً عملياً لما يمكن أن تحققه الشراكة بين المغرب وجاليته المنتشرة عبر العالم، داعياً إلى مواصلة دعم المبادرات التي تعزز هذا الترابط وتفتح آفاقاً جديدة أمام مساهمة مغاربة العالم في مسار التنمية الوطنية.





