أعاد الاختفاء الغامض للاقتصادي الجزائري جلول سلامة إلى الواجهة أسئلة قديمة ومتجددة حول حدود حرية التعبير الأكاديمي والاقتصادي في الجزائر، كما فتح الباب أمام نقاش أوسع يتجاوز شخص الخبير المختفي ليطال واحداً من أكبر المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها السلطات الجزائرية، وهو مشروع استغلال منجم غار جبيلات للحديد، الذي يُقدَّم رسمياً باعتباره رافعة اقتصادية كبرى قادرة على تقليص التبعية للمحروقات وإطلاق نهضة صناعية جديدة.
القضية بدأت بعد مداخلة إعلامية قدّم خلالها سلامة قراءة تقنية لمستقبل المشروع، مستنداً إلى معطيات اقتصادية ولوجستية تتعلق بكلفة النقل، وبعد المنجم عن الموانئ، وحجم الاستثمارات المطلوبة لتحقيق الربحية. ولم يكن حديثه موجهاً ضد المشروع في حد ذاته، بل ركز على الإكراهات البنيوية التي قد تجعل العائد الاقتصادي الحقيقي مؤجلاً لعقود طويلة. غير أن اختفاءه بعد أيام قليلة من تلك التصريحات، وسط غياب أي توضيح رسمي بشأن وضعه القانوني، منح القضية بعداً يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة وحقوق الإنسان.
من التحليل الاقتصادي إلى “المقدس السياسي”
تكشف قضية جلول سلامة عن تحول لافت في طبيعة التعامل مع المشاريع الاستراتيجية داخل الجزائر. فالمشاريع الكبرى في الدول الحديثة تخضع عادة للنقاش العمومي والدراسات النقدية والتقييم المستمر، باعتبار أن الاختلاف في تقدير الجدوى الاقتصادية يمثل جزءاً من عملية صنع القرار الرشيد. غير أن ردود الفعل التي أعقبت تصريحات الخبير الجزائري أوحت بأن غار جبيلات لم يعد مجرد مشروع اقتصادي قابل للنقاش، بل تحول إلى رمز سياسي يرتبط بصورة الدولة وخياراتها الاستراتيجية.
واللافت أن الملاحظات التي قدمها سلامة لا تبدو خارجة عن الأدبيات المعروفة في الاقتصاد المنجمي. فالمنجم يقع في منطقة نائية جنوب غرب الجزائر، ما يفرض تحديات كبيرة مرتبطة بالنقل والبنية التحتية والطاقة والمياه. كما أن خام الحديد المستخرج يحتوي على نسب من الفوسفور تتطلب عمليات معالجة صناعية إضافية قبل الوصول إلى منتج ذي قيمة مضافة عالية. وهي معطيات سبق أن تناولتها تقارير ودراسات متخصصة، ولم تكن محل خلاف جوهري بين الخبراء.
لكن ما أثار الانتباه هو أن قراءة اقتصادية تقنية تحولت إلى قضية أمنية وسياسية، ما عزز مخاوف الأوساط الأكاديمية من تقلص هامش النقاش الحر حول السياسات العمومية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمشاريع التي تحظى برعاية مباشرة من السلطة.
غار جبيلات.. بين الحلم الصناعي وتحديات الواقع
لا أحد يجادل في أن منجم غار جبيلات يمثل أحد أكبر احتياطات الحديد في العالم، وأن استغلاله يمكن أن يشكل فرصة مهمة للاقتصاد الجزائري. غير أن حجم الاحتياطي وحده لا يكفي لضمان النجاح الاقتصادي. فالتجارب الدولية تؤكد أن الثروة الطبيعية لا تتحول تلقائياً إلى ثروة اقتصادية، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج والتصدير.
من هذا المنطلق، ركز سلامة على فكرة التصنيع المحلي بدل تصدير الخام، معتبراً أن القيمة الحقيقية تكمن في تطوير صناعة الحديد والصلب داخل الجزائر. وهي رؤية تتماشى مع الطموح المعلن للسلطات الجزائرية في بناء قاعدة صناعية وطنية، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات مالية وتقنية ضخمة تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات على مدى سنوات طويلة.
البعد المغربي.. قراءة مختلفة للصراع
يتزامن الجدل الداخلي الجزائري مع عودة ملف غار جبيلات إلى واجهة العلاقات المغربية الجزائرية. فالمغرب لا ينظر إلى المشروع فقط من زاوية اقتصادية، بل أيضاً من زاوية قانونية مرتبطة بالاتفاقيات الثنائية الموقعة بين البلدين مطلع سبعينيات القرن الماضي.
فبالتوازي مع معاهدة ترسيم الحدود سنة 1972، تم توقيع اتفاق تعاون خاص باستغلال المنجم، نص على إنشاء شركة مشتركة بين المغرب والجزائر لتطوير المشروع وتسويق جزء من إنتاجه عبر البنية التحتية الأطلسية المغربية. ورغم أن الاتفاق لم يُفعَّل عملياً بسبب التوترات السياسية المتلاحقة، فإنه ظل قائماً من الناحية القانونية، ولم يصدر أي إعلان رسمي بإلغائه أو تعديله.
غير أن المثير للاهتمام هو أن المغرب لم يتجه نحو مواجهة قانونية مباشرة أو تصعيد دبلوماسي حاد بعد شروع الجزائر في استغلال المنجم بشكل أحادي. ويبدو أن هذا الموقف يستند إلى حسابات استراتيجية واقتصادية معقدة، من بينها إدراك حجم التحديات التي تواجه المشروع في صيغته الحالية، وهي التحديات نفسها التي أشار إليها الخبير الجزائري المختفي.
حرية الخبراء على المحك
بعيداً عن الخلافات السياسية والإقليمية، تطرح قضية جلول سلامة سؤالاً جوهرياً يتعلق بمكانة الخبرة العلمية في صناعة القرار. فالدول التي تسعى إلى بناء اقتصاد قوي تحتاج إلى خبراء قادرين على تقديم تقييمات مستقلة، حتى عندما تكون تلك التقييمات غير منسجمة مع الخطاب الرسمي أو التوقعات السياسية.
إن اختفاء خبير اقتصادي بعد إبداء رأي مهني حول مشروع استراتيجي يبعث برسائل مقلقة إلى الباحثين والأكاديميين والمختصين، وقد يؤدي إلى خلق مناخ من الرقابة الذاتية يضر بجودة النقاش العمومي ويضعف القدرة على تصحيح الاختلالات قبل تحولها إلى أزمات مكلفة.
وفي النهاية، قد لا يكون الجدل الدائر اليوم حول غار جبيلات متعلقاً فقط بمنجم للحديد أو بمليارات الأطنان من الخام المدفون في الصحراء، بل يتعلق أيضاً بمستقبل العلاقة بين السلطة والخبرة، وبين القرار السياسي والنقاش العلمي الحر. فالمشاريع الكبرى لا تنجح بالشعارات وحدها، بل بالقدرة على استيعاب النقد والاستفادة منه، لأن الاقتصاد في نهاية المطاف تحكمه الأرقام والوقائع أكثر مما تحكمه الاعتبارات السياسية.





