وهبي: الشباب المغربي ليس رصيداً لتعويض النقص الديموغرافي في أوروبا

جسر بريس14 أغسطس 2026آخر تحديث :
وهبي: الشباب المغربي ليس رصيداً لتعويض النقص الديموغرافي في أوروبا

في موقف يعكس وضوحاً متزايداً في الرؤية المغربية تجاه قضايا الهجرة والعلاقات مع أوروبا، شدد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي على أن المملكة ليست مطالبة بأن تتحول إلى مصدر لتعويض النقص الديموغرافي الذي تعاني منه بعض الدول الأوروبية، مؤكداً أن مستقبل الشباب المغربي ينبغي أن يُبنى داخل وطنه، لا أن يُنظر إليه باعتباره رصيداً بشرياً متاحاً لسد حاجات سوق العمل الأوروبية.

وتأتي هذه المواقف في سياق استمرار النقاش حول ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين في إسبانيا، وهو الملف الذي أصبح أحد أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين الرباط ومدريد، بالنظر إلى أبعاده الإنسانية والقانونية والأمنية والسيادية.

ورغم التعاون القائم بين المغرب وشركائه الأوروبيين في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، فإن الرباط تؤكد في المقابل أن هذا التعاون لا ينبغي أن يتحول إلى التزام دائم تتحمل المملكة تبعاته الاجتماعية والدبلوماسية بمفردها.

تعاون متوازن بدل تحميل المسؤوليات

من المنظور المغربي، لا يتعلق الأمر برفض التعاون أو التنسيق مع إسبانيا، وإنما برفض منطق يقوم على تحميل دول الجنوب كلفة الاختلالات الديموغرافية التي تواجهها بعض المجتمعات الأوروبية.

فالمغرب نفسه دولة شابة تحتاج إلى طاقاتها البشرية من أجل مواصلة التنمية، وتعزيز الاقتصاد، ورفع الإنتاجية، وتطوير القطاعات الجديدة. وبالتالي، فإن مغادرة جزء من هذه الطاقات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حلاً تلقائياً لمشكلات ديموغرافية أو حاجيات في سوق العمل خارج المملكة.

وفي هذا السياق، يبرز اختلاف جوهري في طبيعة التحديات التي تواجه ضفتي المتوسط. فبينما تبحث دول أوروبية عن حلول لتقدم السكان في السن وتراجع معدلات الولادة ونقص اليد العاملة، تواجه دول الجنوب تحديات مرتبطة بالتنمية والتعليم والتشغيل وضرورة تحويل الكتلة الشبابية إلى قوة إنتاجية واقتصادية.

القاصرين وسبتة ومليلية.. ملف يتجاوز الهجرة

ويزداد تعقيد النقاش عندما يتقاطع ملف الهجرة مع قضية القاصرين المغاربة غير المصحوبين، وآليات إعادتهم، وتسوية أوضاعهم القانونية والاجتماعية داخل إسبانيا.

كما يرتبط النقاش بشكل غير مباشر بالملف السياسي الأوسع المتعلق بمدينتي سبتة ومليلية، حيث لم يخف المسؤولون المغاربة الموقف المعروف للمملكة بشأن مستقبل المدينتين.

وفي هذا الإطار، لا تنظر الرباط إلى قضية الهجرة باعتبارها ملفاً إنسانياً أو أمنياً منفصلاً عن باقي القضايا، بل باعتبارها جزءاً من شبكة أوسع من الملفات التي تتداخل فيها المسؤولية المشتركة والسيادة والمصالح الوطنية والتعاون القضائي والأمني.

التعاون القضائي أمام اختبار جديد

كما تطرح قضية القاصرين تحديات على مستوى التعاون القضائي بين المغرب وإسبانيا، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة القاصرين وآليات تنفيذ الاتفاقيات الثنائية ذات الصلة.

وتكشف هذه القضية أن تدبير الهجرة لم يعد مجرد مسألة تقنية مرتبطة بمراقبة الحدود، بل أصبح موضوعاً يرتبط أيضاً بمسؤولية الدول وحدود التزاماتها، وبضرورة إيجاد حلول تحترم القانون والسيادة الوطنية، وتراعي في الوقت نفسه الاعتبارات الإنسانية المرتبطة بالأطفال والقاصرين.

الشباب المغربي.. ثروة وطنية

الرسالة التي يعكسها الموقف المغربي تقوم على قاعدة واضحة: التعاون مع أوروبا لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية، كما لا يعني أن تصبح الهجرة أداة لمعالجة اختلالات لم يصنعها المغرب.

فالشباب المغربي، وفق هذا التصور، ليس فائضاً بشرياً يمكن تصديره عند الحاجة، وإنما يمثل جزءاً أساسياً من الثروة البشرية للمملكة، ومن حق الدولة أن تعمل على توفير الظروف التي تمكن هذه الطاقات من المساهمة في بناء اقتصادها ومجتمعها.

وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فالدول الأوروبية تحتاج إلى اليد العاملة الشابة لمواجهة آثار الشيخوخة الديموغرافية، في حين يحتاج المغرب بدوره إلى شبابه من أجل تسريع التنمية ورفع معدلات الإنتاج وخلق الثروة.

وبالتالي، فإن اختزال الهجرة في كونها حلاً لنقص اليد العاملة الأوروبية قد يغفل حاجات الدول المصدرة للمهاجرين، ويضعها أمام معادلة غير متوازنة تستفيد فيها جهة من موارد بشرية استثمرت في تكوينها جهة أخرى.

نحو شراكة مغربية أوروبية أكثر توازناً

إن معالجة التحديات الديموغرافية الأوروبية ينبغي أن تكون جزءاً من سياسات طويلة الأمد تشمل الأسرة والتعليم والإنتاجية والاقتصاد وسوق الشغل، لا أن تقوم فقط على استقدام أجيال جديدة من الخارج.

وفي المقابل، فإن معالجة ملف الهجرة بين المغرب وأوروبا تتطلب شراكة متوازنة تقوم على احترام سيادة الدول وتقاسم المسؤوليات، بعيداً عن أي تصور يجعل المغرب مسؤولاً عن تعويض النقص السكاني أو اليد العاملة في دول أخرى.

ومن هذا المنطلق، فإن الموقف المغربي لا يمكن اختزاله في خلاف عابر حول الهجرة أو القاصرين، بل يعكس تصوراً أوسع لعلاقة المملكة بأوروبا، عنوانه التعاون المتوازن، والاحترام المتبادل، والدفاع عن المصالح الوطنية.

وفي قلب هذا التصور تبرز رسالة أساسية: الشباب المغربي ليس رصيداً بشرياً لتعويض الاختلالات الديموغرافية الأوروبية، بل هو ركيزة أساسية لمستقبل المغرب وتنميته

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة