من الجريدة الرسمية إلى مدرجات “لا كارتوخا”.. حين تدخل سبتة ملعب السياسك

جسر بريس4 سبتمبر 2026آخر تحديث :
من الجريدة الرسمية إلى مدرجات “لا كارتوخا”.. حين تدخل سبتة ملعب السياسك

عز الدين السريفي

في ملعب «لا كارتوخا» بإشبيلية، لم تكن كرة القدم وحدها حاضرة.

حين وُضع العلم الإسباني إلى جانب علم سبتة أمام عشرات الآلاف من الجماهير، لم تعد مدرجات الملعب مجرد فضاء للاحتفال بالرياضة، بل تحولت، ولو للحظات، إلى منصة رمزية لرسالة سياسية أرادت مدريد، أو بعض الأوساط الإسبانية، أن تجعلها واضحة: سبتة إسبانية، وهذه هي الرواية التي ينبغي أن يراها الجميع ويسمعها.

لكن وراء المشهد الرياضي، هناك قصة أعمق بكثير من مباراة في «الليغا»، قصة تعود بنا إلى الوثائق الرسمية، وإلى موقف مغربي لم يكن سراً ولا وليد اللحظة.

ففي الجريدة الرسمية للمملكة المغربية عدد 5714، الصادرة في 5 مارس 2009، ورد تصريح رسمي للحكومة المغربية، بمناسبة نشر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يؤكد أن سبتة ومليلية وجزيرة الحسيمة وصخرة باديس والجزر الجعفرية أراضٍ مغربية، كما يؤكد أن المغرب لم يتوان عن المطالبة باسترجاع هذه الثغور من أجل استكمال وحدته الترابية.

والأهم من ذلك أن الوثيقة الرسمية نفسها شددت على أن مصادقة المغرب على اتفاقية قانون البحار لا يمكن تفسيرها بأي شكل من الأشكال على أنها اعتراف بالاحتلال.

هنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي.

إذا كانت الرباط قد وثقت موقفها في وثيقة رسمية منشورة قبل أكثر من سبعة عشر عاماً، وإذا كان هذا الموقف معروفاً ومعلناً، فلماذا تتصرف بعض الأوساط الإسبانية اليوم وكأن مجرد الحديث المغربي عن سبتة ومليلية اكتشاف مفاجئ أو اعتداء جديد على السيادة الإسبانية؟

الحقيقة أن المشكلة ليست في وجود موقفين متعارضين، بل في محاولة تحويل أحدهما إلى حقيقة نهائية ومنع الآخر حتى من حقه في التعبير عن نفسه.

حين تعجز السياسة عن إقناع التاريخ

المفارقة أن إسبانيا اختارت هذه المرة ملعب كرة القدم لتأكيد سرديتها حول سبتة.

ولا يمكن تجاهل القوة الرمزية لذلك الاختيار.

فـ«ريال مدريد» ليس مجرد نادٍ رياضي؛ إنه اسم عالمي، وصور مبارياته تصل إلى ملايين المشاهدين خارج إسبانيا. ولذلك فإن وضع علم سبتة في هذا السياق يحمل رسالة تتجاوز المدرجات، خصوصاً في ظرف سياسي عادت فيه قضية المدينتين إلى واجهة النقاش المغربي الإسباني.

لكن المفارقة الأكبر أن العلم نفسه، مهما ارتفع في المدرجات، لا يستطيع أن يلغي وثيقة رسمية، ولا أن يمحو تاريخاً، ولا أن يحسم وحده نزاعاً سياسياً وتاريخياً ممتداً.

فالسيادة لا تُثبت بالتصفيق، كما أن التاريخ لا يُحسم بعدد الأعلام المرفوعة في ملعب.

وإذا كانت إسبانيا تريد استخدام الملاعب لإرسال رسائل سياسية، فمن حق المتابع أن يسأل: لماذا تخشى مدريد إلى هذا الحد من مجرد عودة النقاش حول سبتة ومليلية؟

برشلونة تقول شيئاً آخر

المشهد يصبح أكثر تعقيداً حين نغادر إشبيلية ونتجه شمالاً نحو برشلونة.

هناك، في مدرجات «كامب نو» وفي الفضاء العام الكاتالوني، ظلت شعارات الاستقلال وأعلام كاتالونيا حاضرة، في تعبير عن أزمة هوية وسيادة لم تستطع الدولة الإسبانية إغلاقها نهائياً.

وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها:

إسبانيا التي تقبل، بحكم الواقع السياسي، استمرار النقاش حول معنى إسبانيا داخل حدودها، تريد في المقابل أن تجعل النقاش حول سبتة ومليلية خارج حدودها نقاشاً محرماً.

لا يتعلق الأمر هنا بالمقارنة بين القضيتين من الناحية القانونية أو التاريخية، فلكل واحدة منهما سياقها الخاص، وإنما بالمفارقة السياسية في التعامل مع أسئلة الهوية والسيادة.

لماذا يكون النقاش مشروعاً عندما يتعلق بتعريف هوية داخلية، لكنه يتحول إلى استفزاز عندما يتعلق بمدينتين تقعان في شمال إفريقيا؟

أزمة مهاجرين أم أزمة خوف؟

منذ أزمة الهجرة في سبتة، بدا واضحاً أن القضية تجاوزت حدود الهجرة.

فقد تحولت أعداد من المهاجرين إلى عنوان سياسي ضخم، واستُعملت كلمات من قبيل «الغزو» و«التهديد» و«الحدود»، فيما تعاملت قطاعات من الإعلام والسياسة الإسبانية مع الأحداث وكأنها مواجهة وجودية.

وهنا أيضاً يحق لنا أن نتساءل:

هل كانت أزمة الهجرة بهذا الحجم فعلاً، أم أن حساسية سبتة التاريخية والسياسية جعلت منها أكبر من حجمها الميداني؟

إن تضخيم الخوف لا يصنع بالضرورة قوة.

أحياناً، يكون حجم الصراخ السياسي مؤشراً على حجم القلق أكثر مما يكون دليلاً على حجم الخطر.

جبل طارق.. السؤال الذي لا يغيب

ثم هناك جبل طارق.

من الصعب على أي نقاش إسباني حول السيادة أن يتجاهل هذه الصخرة الواقعة تحت السيادة البريطانية.

فإسبانيا تطالب بجبل طارق، وتعتبره قضية سيادة، بينما ترفض في الوقت نفسه مجرد فتح نقاش حول سيادتها على سبتة ومليلية.

مرة أخرى، لا يعني ذلك أن القضيتين متطابقتان، ولا أن التاريخ والقانون متشابهان، لكن المقارنة تكشف شيئاً أساسياً:

قضايا السيادة في السياسة الدولية لا تُدار دائماً بمنطق واحد، بل تتداخل فيها موازين القوة والتاريخ والجغرافيا والاعتبارات الاستراتيجية.

ولهذا فإن تقديم قضية سبتة ومليلية باعتبارها «محسومة إلى الأبد» لا يلغي وجود الطرف الآخر الذي يحمل رواية مختلفة ويوثقها رسمياً.

الذاكرة التي لا تريد مدريد فتحها

ربما تكمن المشكلة الأعمق في الذاكرة.

فجزء من الخطاب الإسباني حول شمال إفريقيا لا يزال يستحضر الماضي الإمبراطوري باعتباره جزءاً من المجد الوطني، لكنه لا يمنح دائماً المساحة نفسها للحديث عن الوجه الآخر لذلك التاريخ: الاستعمار، وحروب الريف، والآثار التي خلفتها تلك المرحلة في الذاكرة المغربية.

لا يمكن كتابة تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية من زاوية واحدة.

كما لا يمكن اختزال سبتة ومليلية في مجرد مدينتين إسبانيتين على الضفة الجنوبية للمتوسط، ولا اختزال القضية المغربية في شعار سياسي عابر.

هناك تاريخ طويل، وجغرافيا واضحة، وذاكرة متداخلة، ومواقف رسمية متراكمة.

والوثيقة المغربية المنشورة سنة 2009 واحدة من هذه الوثائق التي تقول بوضوح إن موقف الرباط لم يولد أمس.

من الجريدة الرسمية إلى الملعب

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

المغرب اختار الجريدة الرسمية لتوثيق موقفه، بينما اختارت بعض الأوساط الإسبانية الملعب لإظهار موقفها.

بين الوثيقة والملعب مسافة كبيرة.

الأولى تسجل موقفاً رسمياً داخل مؤسسة الدولة، والثاني يحمل رسالة رمزية لجمهور واسع.

لكن أياً كان الأسلوب، فإن القضية واحدة: سبتة ومليلية.

ولهذا فإن رفع علم سبتة في ملعب «لا كارتوخا» لن يغير ما كتب في الجريدة الرسمية المغربية، كما أن نشر الوثيقة المغربية لن يغير بمفرده الموقف الإسباني.

ما بين الموقفين توجد قضية تاريخية وسياسية لن تختفي برفع علم، ولن تنتهي بتصريح لمسؤول، ولن تحسمها مباراة كرة قدم.

سبتة ومليلية.. الملف الذي يعود دائماً

لقد أثبتت السنوات الماضية أن ملف سبتة ومليلية يمكن أن يتراجع إلى الظل، لكنه لا يختفي.

كل أزمة هجرة، وكل تصريح سياسي، وكل احتكاك دبلوماسي، وكل إشارة تاريخية، يمكن أن تعيده إلى الواجهة.

واليوم، ومع تصريحات مسؤولين مغاربة، وردود مدريد، واستحضار وثائق رسمية قديمة، ثم إدخال العلم إلى ملعب كرة القدم، يبدو أن القضية تجاوزت مجدداً حدود النقاش التاريخي لتصبح جزءاً من السجال السياسي والإعلامي.

لكن علينا أن نكون واضحين:

المغرب لا يحتاج إلى مباراة كرة قدم ليعلن موقفه من سبتة ومليلية.

لقد أعلن موقفه في وثائقه الرسمية منذ سنوات.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح في مدريد ليس لماذا يتحدث المغرب عن سبتة ومليلية، بل:

لماذا ما زال الحديث المغربي عن المدينتين يثير كل هذا القلق بعد أكثر من سبعة عشر عاماً على توثيق الموقف نفسه في الجريدة الرسمية؟

ربما لأن القضية، ببساطة، لم تُحسم تاريخياً كما تحاول بعض الخطابات تقديمها.

وربما لأن رفع العلم في ملعب إشبيلية لم يكن إلا محاولة جديدة للتأكيد على رواية تعرف مدريد جيداً أن لها، في المقابل، رواية مغربية أخرى.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح:

الأعلام يمكن أن تملأ المدرجات، والتصفيقات يمكن أن تملأ الملاعب، لكن التاريخ لا يُحسم بالتصفيق.

سبتة ومليلية ليستا مباراة في «الليغا».. وليستا مجرد علم يُرفع في ملعب. إنهما ملف تاريخي وسياسي سيظل مفتوحاً ما دام أحد طرفيه يعتبره جزءاً من وحدته الترابية.

وهنا تحديداً، يبدأ النقاش الحقيقي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة