تشهد الساحة المدنية في تونس، منذ سنة 2024، تصعيداً في الإجراءات المتخذة ضد عدد من منظمات المجتمع المدني والعاملين فيها، وسط تزايد الملاحقات القضائية والاعتقالات والتحقيقات المالية والإدارية، في سياق أثار مخاوف بشأن مستقبل الحيز المدني والحريات العامة في البلاد.
وبحسب تقرير حقوقي حديث، فقد اعتمدت السلطات التونسية خلال الفترة الأخيرة مجموعة من الأدوات القانونية والقضائية والإدارية في مواجهة منظمات محلية ودولية وناشطين في المجال المدني، شملت الملاحقات القضائية والاحتجاز والتحقيقات ذات الطابع المالي والجنائي، إضافة إلى تعليق أنشطة عدد من الجمعيات والتهديد بحل بعضها.
وطالت هذه الإجراءات، بشكل خاص، أشخاصاً ومنظمات تنشط في مجالات مساعدة اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، إلى جانب المدافعين عن حقوق الإنسان ومناهضة العنصرية والتمييز.
وأشار التقرير إلى ملاحقة ما لا يقل عن 47 شخصاً مرتبطين بمنظمات غير حكومية، فيما ظل عشرة أشخاص على الأقل رهن الاحتجاز الاحتياطي لأكثر من 14 شهراً، وهي المدة القصوى التي يسمح بها القانون التونسي، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
كما تحدث التقرير عن توظيف قوانين مرتبطة بمساعدة الأجانب الموجودين في وضعية هجرة غير نظامية، إلى جانب تشريعات مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، في توجيه اتهامات إلى ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في منظمات مدنية.
وخلال عامي 2025 و2026، انتهت عدد من المحاكمات بإدانة ما لا يقل عن 14 شخصاً مرتبطين بالمجتمع المدني، مع صدور أحكام بالسجن في حقهم، وفق التقرير ذاته.
ومن بين أبرز القضايا التي سلط عليها التقرير الضوء قضية الناشطة الحقوقية سعدية مصباح، التي صدر في حقها، بتاريخ 19 مارس 2026، حكم بالسجن لمدة ثماني سنوات وغرامة مالية، على خلفية اتهامات اعتبرها التقرير مرتبطة بشكل تعسفي بنشاطها المدني.
كما أشار إلى إدانة خمسة موظفين في منظمات تُعنى بقضايا اللجوء، على خلفية اتهامات مرتبطة بعملهم ونشاط الجمعيات التي ينتمون إليها.
ولم تقتصر الإجراءات على الجانب القضائي، إذ تحدث التقرير عن تعليق أنشطة ما لا يقل عن 20 جمعية مدنية، مع الإقرار بصعوبة تحديد العدد الدقيق في ظل غياب معطيات رسمية شاملة حول الموضوع.
وفي الجانب المالي والإداري، تحدثت منظمات مدنية عن قيود فرضتها بعض المؤسسات المصرفية على حساباتها ومعاملاتها المالية، بما في ذلك الحسابات بالعملة الصعبة أو بالدينار القابل للتحويل، فضلاً عن عراقيل مرتبطة بعملها في مجالات مراقبة الانتخابات والوصول إلى السجون ومراكز الاحتجاز وتنظيم الأنشطة العامة.
ويأتي هذا الوضع في وقت تواجه فيه المنظمات المدنية التونسية تحديات متزايدة في ممارسة أنشطتها، بعدما شكل المجتمع المدني، لسنوات، أحد أبرز مكونات المشهد العام في البلاد عقب ثورة 2011.
وتطالب جهات حقوقية السلطات التونسية بوقف القيود المفروضة على حرية تكوين الجمعيات والتجمع والتعبير والصحافة، وإنهاء الملاحقات والتحقيقات التي تستهدف العمل المدني، إلى جانب الإفراج عن النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المنظمات غير الحكومية المحتجزين بسبب أنشطتهم المدنية والحقوقية.
وتعيد هذه التطورات النقاش حول مستقبل الحريات العامة في تونس، ومدى قدرة المجتمع المدني على مواصلة أداء أدواره في الدفاع عن الحقوق والحريات والمشاركة في الحياة العامة، في ظل المناخ السياسي والقانوني المتغير الذي تشهده البلاد.





