لم تعد بعض المواقف السياسية مجرد تعبير عن قناعة أو اجتهاد في تدبير الشأن العام، بل باتت، في نظر منتقديها، أقرب إلى أدوات لإعادة توزيع المواقع والمناصب والمكاسب. وهنا تحديدا يبرز السؤال الأكثر إزعاجا: متى تنتهي السياسة، ويبدأ العبث بالمؤسسات؟
إن النظر إلى السياسة باعتبارها مجرد معادلة للمواقع والنفوذ يختزل العمل السياسي في منطق شديد الخطورة: الموقف لا تكون قيمته في أخلاقيته، ولا في علاقته بالمصلحة العامة، ولا في قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين، وإنما في قدرته على إنتاج منصب أو الحفاظ على موقع أو صناعة نفوذ جديد.
وهذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل نظرية سياسية كاملة في كيفية ممارسة السلطة؛ نظرية تجعل من السياسة سوقا للمواقع، ومن المؤسسات ساحات لتصفية الحسابات، ومن المنتخبين والبرلمانيين مجرد أوراق قابلة لإعادة التموضع كلما اقترب موعد الاستحقاقات.
المفارقة أن هذا المنطق يُقدَّم أحيانا وكأنه واقعية سياسية. والحال أن الواقعية السياسية لا تعني أبدا إلغاء الأخلاق، ولا تحويل المصلحة العامة إلى تفصيل هامشي، ولا التعامل مع المؤسسات باعتبارها أدوات لخدمة الأشخاص.
فالسياسة، في جوهرها، مسؤولية قبل أن تكون سلطة، ومصداقية قبل أن تكون نفوذا، وخدمة عمومية قبل أن تكون سباقا على المواقع.
وحين يصبح المنصب هو معيار الموقف، يصبح السؤال الطبيعي: ماذا يتبقى من استقلالية القرار السياسي؟ وماذا يتبقى من معنى الاختيار الديمقراطي إذا كان الانتقال من موقف إلى آخر مرتبطا بحسابات الموقع أكثر من ارتباطه بالمبادئ؟
الأخطر من ذلك أن هذه العقلية، إذا تحولت إلى ممارسة مستمرة، يمكن أن تنتج ما هو أكبر من مجرد خلاف سياسي؛ يمكن أن تدفع نحو إضعاف الثقة في المؤسسات، وتغذية الاعتقاد بأن قواعد اللعبة السياسية لا تحكمها البرامج والكفاءة والاقتراع، وإنما القدرة على استقطاب الأشخاص وإعادة ترتيب الخريطة البشرية والسياسية.
وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة على القيادات الحزبية والمؤسساتية. فالمناصب ليست ملكا لأصحابها، والأحزاب ليست ضيعات خاصة، والبرلمان ليس ساحة لتبادل النفوذ، والمؤسسات الدستورية أكبر من أن تختزل في صراعات ظرفية حول المواقع.
المغرب، بتاريخ دولته العريقة وبمؤسساته الراسخة، يستحق ممارسة سياسية أكثر نضجا من منطق “من معي ومن ضدي”، وأكثر احتراما للمواطن الذي يمنح صوته على أساس الثقة، لا على أساس سوق سياسية تتغير فيها الولاءات كلما تغيرت موازين القوة.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية ليس اختلاف المواقف؛ فالاختلاف جوهر الديمقراطية. الخطر الحقيقي هو أن تتحول المواقف إلى سلع سياسية، وأن يصبح الانتماء قابلا للتسعير، وأن تتحول المؤسسات إلى مجرد جسر للوصول إلى المواقع.
وفي هذه اللحظة بالذات، يصبح لزاما على السياسيين، خصوصا أولئك الموجودين في مواقع المسؤولية، أن يدركوا أن التاريخ السياسي لا يحاسب فقط على عدد المناصب التي تم الوصول إليها، وإنما على الطريقة التي تم بها الوصول إليها، وعلى الأثر الذي تركته تلك الممارسات في المؤسسات وثقة المواطنين.
أما الزملاء والزميلات، والقابضون على جمر هذه المهنة، فإن ما يجري ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق حول علاقة السياسة بالإعلام، وحول مسؤولية الصحافة في كشف ما وراء الخطابات والشعارات.
فالإعلام المهني لا ينبغي أن يكون طرفا في معركة المواقع، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يكون شاهدا صامتا عندما تتحول السياسة إلى لعبة نفوذ، أو عندما تصبح المؤسسات موضوعا لصراعات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
لقد علمتنا التجارب أن أخطر النظريات السياسية ليست تلك التي تعلن عن نفسها بوضوح، وإنما تلك التي تتسلل إلى المؤسسات في صورة مواقف تبدو عادية، بينما تحمل في خلفيتها حسابات بعيدة المدى.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين حزب وآخر، ولا بين شخص وآخر، بل بين تصورين للسياسة: تصور يرى المنصب وسيلة لخدمة المواطن، وتصور يجعل المواطن والموقف والمؤسسة وسائل للوصول إلى المنصب.
وبين التصورين، يقف مستقبل الثقة في العمل السياسي.
فإذا انتصرت السياسة بما تعنيه من مسؤولية وأخلاق ومؤسسات، انتصرت الديمقراطية. أما إذا انتصر منطق المواقع والمكاسب، فإن الخاسر في النهاية لن يكون هذا الحزب أو ذاك، ولا هذا السياسي أو ذاك، وإنما ستكون المؤسسات وثقة المواطنين في السياسة نفسها.
وهنا بالضبط يفصل المقال فيما بين السياسة والعبث من اتصال.





