عز الدين السريفي
ليست الصورة التي وصلت الأحد 30 غشت 2026، إلى سواحل سبتة مجرد استعراض بحري عابر، ولا مشهداً يمكن اختزاله في احتجاج عفوي على أزمة هجرة. عشرات القوارب القادمة من موانئ أندلسية، محمّلة بالأعلام الإسبانية وشعارات من قبيل «سبتة لا تُباع، سبتة تُدافع» و«الغزاة.. الطرد»، بدت وكأنها تستدعي، من حيث تدري أو لا تدري، مشهداً أقدم بكثير من أزمة حدود طارئة؛ مشهداً من زمن كانت فيه السفن الأوروبية تنطلق من الموانئ الإيبيرية وهي تحمل معها يقيناً أخلاقياً زائفاً بأن البحر يمكن أن يمنحها حق امتلاك الضفة الأخرى.
المفارقة أن المشهد يقع في منطقة تختصر واحدة من أكثر تناقضات التاريخ الأوروبي وضوحاً.
ففي الجهة المقابلة، وعلى مرمى حجر من الأندلس، يوجد جبل طارق، وهو امتداد جغرافي مباشر لشبه الجزيرة الإيبيرية، لكنه يخضع للسيادة البريطانية منذ أكثر من ثلاثة قرون. ومع ذلك، لم تتجه تلك القوارب شمالاً للمطالبة باستعادة جبل طارق، بل أبحرت جنوباً، نحو سبتة، المدينة المغربية التي احتلها البرتغاليون سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني، وتُكرّس حيازتها الإسبانية بمعاهدة لشبونة سنة 1668.
أي أننا أمام وضع تاريخي يعود إلى أكثر من ستة قرون، لكنه يُستحضر اليوم بلغة سياسية تبدو وكأنها وليدة اللحظة.
والتاريخ هنا ليس زينة سردية، بل مفتاح لفهم الصورة.
ففي أواخر العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، خرجت سفن البرتغال وقشتالة من شبه الجزيرة الإيبيرية نحو إفريقيا والأطلسي والعالم الجديد، واختلطت التجارة بالمنافسة العسكرية، والاكتشاف بالاحتلال، والمشروع الاقتصادي بخطاب ديني وحضاري منح أوروبا لنفسها، في مراحل كثيرة، حق تعريف الآخر واحتلال أرضه باسم التفوق.
تغير العالم.
سقطت إمبراطوريات، وتحررت شعوب، وتراجع الاستعمار المباشر، وأصبح القانون الدولي أكثر حضوراً في تنظيم العلاقات بين الدول والشعوب. لكن بعض الرموز لا تموت بسهولة؛ تختبئ في الذاكرة السياسية، ثم تعود إلى السطح في لحظات الخوف.
وهذا بالضبط ما يجعل مشهد سبتة لافتاً.
سفن، وأعلام، وشعارات تتحدث عن «الغزو» و«الطرد» و«الدفاع عن الأرض»، فيما الشاطئ المقابل إفريقي، والشباب الذين يُنظر إليهم باعتبارهم تهديداً هم في الغالب مهاجرون يبحثون عن فرصة وحياة أفضل، وبينهم قاصرون وفئات هشة.
ليست القضية هنا إدانة كل إسباني رفع علماً، ولا اتهاماً جماعياً لكل من شارك في هذا التحرك، فضلاً عن إطلاق توصيفات سياسية قصوى على الجميع. النقد الحقيقي يجب أن يتجه إلى الخطاب والرمزية عندما تتحول مفردات الهجرة إلى قاموس حرب، ويصبح الإنسان الهارب من الفقر أو الاضطراب «غازياً»، ويُقدَّم الساحل الإفريقي باعتباره خطاً متقدماً للدفاع عن أوروبا.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
ما الذي يُدافع عنه هؤلاء تحديداً؟
هل هو أمن الحدود؟
أم وضع تاريخي مثير للنزاع؟
أم ذاكرة سياسية لم تستطع بعض التيارات الأوروبية أن تتصالح بالكامل مع نهايتها؟
لقد أثار جوزيب بوريل، خلال توليه مسؤولياته الأوروبية، جدلاً واسعاً عندما وصف أوروبا بأنها «حديقة» ومعظم بقية العالم بأنها «غابة». وقد أوضح لاحقاً أن قصده كان الإشارة إلى الصراع بين منطق النظام والقانون ومنطق القوة، غير أن الاستعارة تركت أثراً ثقيلاً بسبب ما يمكن أن تحمله من مركزية أوروبية.
واليوم، تبدو صورة القوارب المتجهة من الشمال نحو الشاطئ الإفريقي وكأنها تمنح تلك الاستعارة بعداً بصرياً شديد الرمزية: أوروبا التي تخشى «الغابة»، تبحر نحوها لتعلن أن القادمين منها «غزاة».
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن إسبانيا نفسها تعرف جيداً معنى الهجرة.
فقد غادر ملايين الإسبان، عبر مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، نحو فرنسا وألمانيا وسويسرا وأمريكا اللاتينية بحثاً عن العمل والأمان والفرصة. لم يكونوا جيوشاً محتلة، بل بشراً دفعتهم ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية إلى البحث عن مستقبل خارج وطنهم.
ولهذا فإن تحويل المهاجر إلى صورة «العدو» يختزل تاريخاً إنسانياً معقداً في ثنائية خطيرة: نحن أصحاب الأرض، وهم الغزاة.
لا أحد ينكر حق الدول في حماية أمنها وضبط حدودها، ولا حق المجتمعات في العيش بأمان. لكن حماية الحدود لا ينبغي أن تتحول إلى إلغاء لكرامة الإنسان، كما أن معالجة الهجرة لا يمكن أن تقوم على لغة التحريض والوصم الجماعي.
وفي حالة سبتة، تزداد المسألة تعقيداً، لأن المدينة ليست مجرد نقطة على خريطة الهجرة، بل جزء من ملف سيادي وتاريخي مفتوح بين المغرب وإسبانيا.
ومن المنظور المغربي، لا يمكن اختزال القضية في عبارة «حماية الحدود الإسبانية»، لأن الأمر يتعلق بمدينة ذات امتداد تاريخي وجغرافي مغربي، وبوضع استعماري موروث لم تُحسم تداعياته السياسية بشكل نهائي.
لكن حتى بعيداً عن سؤال السيادة، تبقى هناك قاعدة أبسط وأعمق: الإنسان لا يفقد كرامته لأنه مهاجر.
فالقانون الدولي يقر بحقوق أساسية للمهاجرين وطالبي اللجوء، ويشدد على حماية القاصرين واحترام الكرامة الإنسانية، بصرف النظر عن الجنسية أو الوضع القانوني.
ومن هنا ينكشف خطر الخطاب المتطرف.
حين يتحول الجوع إلى تهديد، والفقر إلى تهمة، والهجرة إلى «غزو»، يصبح المطلوب ليس فقط حماية الحدود، بل حماية المجتمعات من خطاب يحوّل الإنسان إلى عدو لمجرد أنه جاء من الضفة الأخرى.
إن أخطر ما في «أسطول سبتة» ليس عدد القوارب التي شاركت فيه، بل الرمز الذي حملته.
قوارب أوروبية تبحر جنوباً، لا لاكتشاف عالم جديد كما فعلت سفن القرون الماضية، وإنما للدفاع عن آخر بقايا عالم قديم.
عالم ما زالت فيه الجغرافيا تُقرأ أحياناً بعين الإمبراطورية، وما زالت بعض الحدود تُقدَّم وكأنها حقائق أبدية، رغم أنها ولدت من الحروب والمعاهدات والاحتلالات والتحولات التاريخية.
ومن يريد حماية إسبانيا في القرن الحادي والعشرين، عليه أولاً أن يحميها من أشباح القرون الماضية: من الحنين إلى الإمبراطورية، ومن وهم التفوق، ومن تحويل الآخر إلى تهديد دائم.
فقد لا تحتاج العنصرية الجديدة دائماً إلى زي عسكري أو شعارات صريحة كي تظهر.
أحياناً يكفي أن تُسمّي الجائع «غازياً»، وأن تجعل من القاصر عدواً، وأن ترفع راية الخوف، ثم تبحر نحوه.





