من إخماد الحرائق إلى عقوبة الإعدام.. الجزائر أمام أسئلة الوقاية والمساءلة

جسر بريس31 أغسطس 2026آخر تحديث :
من إخماد الحرائق إلى عقوبة الإعدام.. الجزائر أمام أسئلة الوقاية والمساءلة

لم ينتظر النظام الجزائري طويلاً للانتقال من البحث عن أسباب حرائق الغابات إلى البحث عن عقوبة مرتكبيها، بعدما أمر الرئيس عبد المجيد تبون وزير العدل بإعداد تعديل عاجل لقانون العقوبات قبل 15 شتنبر المقبل، يتضمن إقرار عقوبة الإعدام، مع التنفيذ، بحق المتورطين عمداً في إضرام الحرائق.

ويأتي هذا القرار بعد أيام من موجة حرائق خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وفي وقت لم تكن فيه التحقيقات قد كشفت، بصورة نهائية وعلنية، هوية المسؤولين عن إشعال النيران أو أثبتت وجود مخطط إجرامي واسع يقف وراءها.

وبينما يقدم القرار رسمياً باعتباره رداً “حازماً” على من يتعمد إشعال الحرائق، فإنه يفتح في المقابل نقاشاً يتجاوز حدود العقوبة الجنائية، ليصل إلى صميم طريقة إدارة الكوارث الكبرى في الجزائر، وإلى أسئلة أكثر إلحاحاً: كيف بدأت الحرائق؟ لماذا انتشرت بهذه السرعة؟ وهل كانت الدولة مستعدة بما يكفي لمنع تحولها إلى مأساة جماعية؟

العقاب في الواجهة والوقاية في الخلفية

في الوقت الذي انتقل فيه الخطاب الرسمي سريعاً إلى الحديث عن العقاب والبحث عن المتورطين، ظل النقاش المتعلق بالوقاية والاستثمار في منظومة مكافحة الحرائق أقل حضوراً، رغم أن حرائق الغابات لم تعد ظاهرة استثنائية في الجزائر، بل تحولت إلى خطر متكرر ومتزايد بفعل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الغطاء النباتي وتغير أنماط انتشار النيران.

وهنا تبرز مفارقة أساسية: فإذا كانت الحرائق المتعمدة جريمة تستوجب العقاب، فإن وجود الجريمة المحتملة لا يلغي مسؤولية الدولة عن تطوير منظومة الوقاية والاستباق والتدخل السريع.

فحتى في حالة ثبوت وجود فعل إجرامي، يبقى السؤال قائماً حول قدرة منظومة الإنذار المبكر والمراقبة والتدخل على الحد من الخسائر البشرية والمادية، خصوصاً في بلد أصبح يواجه حرائق واسعة بصورة متكررة.

تشخيص دولي يكشف مكامن الخلل

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في ضوء تشخيص للبنك الدولي لقطاع الغابات في الجزائر، أُنجز بالتعاون مع السلطات الجزائرية، وخلص إلى استمرار وجود اختلالات وحاجات هيكلية، من بينها تحديث عدد من خطط إدارة الغابات، وتحسين أنظمة البيانات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، إضافة إلى الحاجة إلى استثمارات في الإنذار المبكر والمراقبة والطرق ونقاط المياه والمعدات الحديثة، بما فيها الكاميرات والطائرات المسيّرة.

كما أشار التشخيص إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الجفاف وتدهور الأراضي ساهمت في زيادة شدة الحرائق.

وتكشف الأرقام الواردة في هذا السياق أن الجزائر سجلت، خلال الفترة الممتدة من 1985 إلى 2022، أكثر من 75 ألف حريق غابوي، بمعدل سنوي يقارب 35 ألف هكتار من المساحات المحترقة.

وهذه المعطيات تجعل من الصعب التعامل مع حرائق الغابات باعتبارها مجرد حوادث طارئة أو أحداثاً منفصلة، فهي جزء من خطر بيئي ومناخي متراكم كان يفترض أن يدفع إلى بناء منظومة دائمة للوقاية والاستباق، لا الاكتفاء بالتدخل بعد اندلاع الكارثة.

الدولة نفسها كانت تحذر من ضعف الاستباق

والمفارقة أن المؤسسات الجزائرية نفسها كانت واعية بهذه الإشكالات.

فوزارة الداخلية الجزائرية كانت قد شددت، في وقت سابق من شهر غشت، على ضرورة استخلاص الدروس من تجارب الحرائق، وتعزيز الوقاية والاستباق، ورفع جاهزية مختلف المصالح، وتحسين التنسيق وتطوير قدرات التدخل، خصوصاً في ظل المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.

بمعنى آخر، فإن الحاجة إلى تطوير منظومة الوقاية لم تكن مجهولة لدى السلطات، بل كانت مطروحة رسمياً قبل أن تأتي موجة الحرائق الأخيرة لتعيد وضعها في صدارة المشهد.

وهنا تحديداً يصبح النقاش أكثر جدية: إذا كانت المخاطر معروفة، وإذا كانت السلطات تدرك الحاجة إلى تعزيز الجاهزية، فهل المشكلة تكمن فقط في من أشعل النار، أم أيضاً في مدى فعالية المنظومة التي كان يفترض أن تمنع تحول النار إلى كارثة؟

أرقام الضحايا.. سؤال آخر حول إدارة الأزمة

وتزداد الأسئلة حدة عند التوقف عند حصيلة الضحايا وطريقة تطورها خلال الأزمة.

فبعد إعلان وزير الداخلية الجزائري السعيد سعيود في البداية وفاة 12 شخصاً فقط، بينهم خمسة في جيجل وأربعة في بجاية وثلاثة في تيزي وزو، ظهرت خلال الأيام الموالية معطيات أخرى رفعت الحصيلة المؤقتة إلى 73 وفاة.

وبصرف النظر عن أسباب اختلاف الأرقام وتطورها، فإن التباين في المعطيات خلال الكوارث الكبرى يطرح بدوره سؤالاً حول سرعة وشفافية التواصل الرسمي، وحول ضرورة توفير معلومات دقيقة وموحدة للرأي العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأرواح المواطنين.

فالشفافية في مثل هذه الظروف ليست ترفاً إعلامياً، وإنما جزء من إدارة الكارثة نفسها، لأنها تساهم في توجيه السكان، وتحديد المناطق المتضررة، وتقييم حجم الخطر، وتنسيق جهود الإنقاذ والإغاثة.

“الأيادي الإجرامية” والعودة إلى خطاب المؤامرة

في خضم الأزمة، لم يكن خطاب “الأيادي الخفية” غائباً.

فخلال تفقده المصابين، تحدث عبد المجيد تبون عن احتمال وجود “أياد إجرامية” وراء الحرائق، مؤكداً أن التحقيقات ستكشف الحقيقة، كما أشار إلى اندلاع حرائق في أوقات متزامنة، معتبراً أن الأمر يثير التساؤلات.

ومن حيث المبدأ، فإن التحقيق في احتمال وجود فعل إجرامي أمر مشروع، خصوصاً إذا كشفت المعطيات الميدانية عن شبهات تستوجب البحث والتحقيق.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول فرضية المؤامرة إلى تفسير جاهز للأزمة قبل اكتمال التحقيقات، لأن ذلك قد ينقل مركز النقاش من تقييم أداء المؤسسات إلى البحث عن خصم خارجي أو “أياد خفية”.

وفي هذه الحالة يصبح السؤال السياسي الأسهل هو: من أشعل النار؟

بينما يتراجع السؤال الأصعب والأكثر إزعاجاً: هل كانت الدولة مستعدة بما يكفي عندما اشتعلت؟

عقوبة الإعدام لا تعالج وحدها جذور المشكلة

لا خلاف على أن الإحراق العمدي للغابات، إذا ثبتت مسؤوليته الجنائية، جريمة خطيرة تستوجب المساءلة والعقاب.

لكن تشديد العقوبات، مهما بلغت حدتها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الوقاية.

فعقوبة الإعدام قد تردع مرتكباً محتملاً، لكنها لا تمنع موجات الجفاف، ولا تراقب الغابات، ولا ترصد بؤر النار في دقائقها الأولى، ولا تفتح طرق الوصول إلى المناطق الوعرة، ولا توفر نقاط المياه، ولا تعوض نقص المعدات والموارد البشرية.

ولهذا فإن أي استراتيجية جادة لمواجهة الحرائق ينبغي أن تسير على مسارين متوازيين: مساءلة جنائية صارمة عند ثبوت المسؤولية، واستثمار مستدام في الوقاية والاستباق والاستجابة.

أما اختزال الأزمة في البحث عن “مجرم” فقط، فقد يمنح الخطاب الرسمي إجابة سريعة، لكنه لا يقدم بالضرورة إجابة عن الأسباب التي جعلت حريقاً يتحول إلى كارثة.

السؤال الذي سيبقى بعد انطفاء النيران

عندما تنطفئ آخر بؤر الحرائق، وتبدأ عمليات إعادة الإعمار وإحصاء الخسائر، لن يكون السؤال الوحيد هو من أشعل النار.

سيكون هناك سؤال آخر أكثر ارتباطاً بمستقبل الجزائر: ماذا ستفعل الدولة حتى لا تتكرر المأساة بالحجم نفسه؟

فالحرائق يمكن أن تكون متعمدة، ويمكن أن تكون طبيعية، ويمكن أن تكون نتيجة مزيج من العوامل المناخية والبشرية. لكن الدولة تُقاس في مثل هذه الأزمات بقدرتها على الاستعداد لكل الاحتمالات، وليس فقط بقدرتها على معاقبة من يثبت تورطه بعد وقوع الكارثة.

ومن هنا، فإن معركة الجزائر الحقيقية ضد حرائق الغابات لا ينبغي أن تبدأ وتنتهي عند تعديل قانون العقوبات، بل يفترض أن تمتد إلى إصلاح منظومة الوقاية، وتحديث أدوات الرصد والإنذار، وتحسين التنسيق المؤسساتي، وتوفير المعدات والموارد، وضمان شفافية المعلومات، وبناء استراتيجية طويلة الأمد للتكيف مع المخاطر المناخية.

فبعد انطفاء النيران، تبقى مسؤولية الدولة قائمة: ليس فقط في معرفة من أشعلها، وإنما أيضاً في معرفة لماذا استطاعت أن تتحول إلى مأساة بهذا الحجم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة