عز الدين السريفي
عزيز أخنوش، رجل الأعمال الذي انتقل من عالم المال والأعمال إلى رئاسة الحكومة، أصبح خلال السنوات الأخيرة واحداً من أكثر الأسماء إثارة للجدل في المغرب. فالرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بقطاع المحروقات، والذي تمكن من بناء ثروة كبيرة عبر مجموعة «أكوا»، يجد نفسه اليوم في مواجهة أسئلة لا تتعلق فقط بأدائه السياسي، وإنما أيضاً بالعلاقة المعقدة بين المال والسلطة، وبين المصالح الاقتصادية الخاصة والمسؤولية الحكومية.
بعد عودته إلى المغرب، تولى أخنوش إدارة وتطوير شركات والده، قبل أن يساهم في بناء مجموعة «أكوا» التي تحولت إلى واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في البلاد، وتنشط في قطاعات حيوية من بينها البترول والغاز والكيماويات. وارتبط اسم المجموعة بشركات فاعلة في سوق المحروقات والغاز، الأمر الذي جعل وسائل إعلام مغربية تطلق على أخنوش لقب «إمبراطور المحروقات»، في إشارة إلى الوزن الاقتصادي الكبير الذي أصبحت تمثله مجموعته داخل هذا القطاع.
وتضع مجلة «فوربس» أخنوش ضمن قائمة أثرياء العالم العربي، مشيرة إلى أن ثروته مرتبطة أساساً بحصته في مجموعة «أكوا»، التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. وهكذا أصبح الرجل يجمع بين موقع اقتصادي بالغ القوة وموقع سياسي بالغ التأثير، بعدما تولى رئاسة الحكومة في شتنبر 2021.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر حساسية.
فالمشكلة بالنسبة إلى منتقدي أخنوش ليست في كونه رجل أعمال ناجحاً، ولا في امتلاكه ثروة كبيرة، فالثروة في حد ذاتها ليست جريمة، والنجاح الاقتصادي ليس تهمة. السؤال الحقيقي هو ماذا يحدث عندما يصبح رجل أعمال له مصالح واسعة في قطاعات استراتيجية رئيساً للحكومة التي تضع السياسات الاقتصادية وتشرف على جزء كبير من القرارات العمومية؟
هذا السؤال ظهر بقوة مع ملف المحروقات، وهو الملف الذي ظل لسنوات واحداً من أكثر الملفات حساسية في النقاش المغربي. فارتفاع أسعار الغازوال والبنزين لم يكن مجرد زيادة في ثمن مادة تستهلكها السيارات، بل تحول إلى سلسلة من الزيادات التي مست كلفة النقل والإنتاج وتوزيع السلع، وانعكست في النهاية على القدرة الشرائية للمواطنين.
ومع اشتداد أزمة الأسعار، وجد أخنوش نفسه في مواجهة غضب شعبي وسياسي متزايد، خصوصاً أن اسمه كان حاضراً بقوة في سوق المحروقات قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة. وانتشرت خلال تلك المرحلة شعارات من قبيل «أخنوش ارحل»، في تعبير عن احتجاج قطاعات من الرأي العام على ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.
لكن خلف الشعارات كان هناك ملف أكثر تعقيداً: كيف تتحدد أسعار المحروقات في المغرب؟ وما حجم هوامش الربح؟ وكيف تنتقل تغيرات الأسعار العالمية إلى السوق الوطنية؟ وهل يستفيد المواطن بالسرعة نفسها عندما تنخفض الأسعار الدولية كما يتأثر عندما ترتفع؟
هذه الأسئلة لم تبقَ حكراً على المعارضة أو الشارع، بل وصلت إلى المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها مجلس المنافسة الذي فتح ملف المنافسة في سوق المحروقات واتخذ إجراءات تجاه عدد من الشركات العاملة في القطاع. وهو ما جعل القضية تتجاوز حدود السجال السياسي لتصبح موضوعاً مؤسساتياً يحتاج إلى الأرقام والوثائق والمعطيات الدقيقة.
وفي خضم هذا النقاش ظهر رقم 17 مليار درهم، الذي تحول إلى أحد أشهر الأرقام المتداولة في الجدل حول أرباح شركات المحروقات. غير أن هذا الرقم يحتاج إلى التعامل معه بحذر، لأن تحويل رقم متداول سياسياً إلى حقيقة اقتصادية نهائية يتطلب تحديد مصدره وطريقة احتسابه والفترة التي يتعلق بها. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: هل بلغت الأرباح 17 مليار درهم أم لا؟ وإنما: كم بلغت أرباح القطاع فعلياً؟ وكيف تطورت هوامش الربح؟ وما هي حصة الضرائب والتكاليف والأسعار الدولية في السعر النهائي الذي يؤديه المواطن؟
إن المواطن المغربي لا يهتم كثيراً بالخلافات التقنية بين السياسيين ورجال الأعمال، بقدر ما يريد معرفة سبب استمرار ارتفاع تكلفة المعيشة، ولماذا تتحول كل زيادة في أسعار المحروقات إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار في الأسواق.
ومن هنا فإن ملف المحروقات أصبح بالنسبة إلى أخنوش أكثر من مجرد ملف اقتصادي؛ لقد تحول إلى اختبار سياسي دائم.
لكن المحروقات ليست الملف الوحيد الذي أعاد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين السلطة والمصالح الاقتصادية. فقد أثارت صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء بدورها نقاشاً واسعاً، بعدما شاركت شركات مرتبطة بمجموعة «أكوا» في التحالف الفائز بالمشروع. ومن هنا طرحت المعارضة وخصوم أخنوش سؤال تضارب المصالح، بينما دافع رئيس الحكومة عن الصفقة وأكد أنها تمت وفق المساطر القانونية وطلب عروض مفتوح.
وهنا أيضاً يجب التفريق بين الاتهام السياسي وبين إثبات المخالفة. فمجرد وجود شركة مرتبطة بمجموعة اقتصادية يملك فيها رئيس الحكومة مصالح لا يثبت وحده وجود مخالفة قانونية، لكنه في المقابل يجعل الحاجة إلى الشفافية أكبر، ويجعل من حق الرأي العام أن يعرف كيف تمت الصفقة، ومن شارك فيها، وكيف تم اختيار العرض الفائز، وما هي الضمانات الموضوعة لمنع تضارب المصالح.
وهذا هو جوهر القضية كلها.
المغربي لا يسأل فقط عن ثروة أخنوش، بل يسأل عن الحدود الفاصلة بين رجل الأعمال ورئيس الحكومة. لا يسأل فقط عن الشركات التي يملكها أو يساهم فيها، بل يسأل عما إذا كانت القواعد التي تحكم تدبير المال العام تضمن تكافؤ الفرص لجميع الفاعلين الاقتصاديين.
وفي الجانب الآخر من الصورة يوجد المواطن الذي عاش خلال السنوات الأخيرة تحت ضغط ارتفاع الأسعار. فالمحروقات ليست سوى جزء من المشكلة. هناك أسعار المواد الغذائية، والخضر والفواكه، والنقل، والسكن، والخدمات الاجتماعية، وهي كلها ملفات تدخل في صلب تقييم أي حكومة.
ومن هنا فإن السؤال الموجه إلى أخنوش لا ينبغي أن يكون فقط: كم تبلغ ثروتك؟ وإنما: ماذا تغير في حياة المواطن منذ توليت رئاسة الحكومة؟
هل تحسنت القدرة الشرائية؟ هل أصبح السوق أكثر تنافسية؟ هل أصبحت أسعار المحروقات أكثر شفافية؟ هل يشعر المواطن بأن السياسات العمومية تخدم مصالحه؟ وهل استطاعت الحكومة أن تقدم حلولاً مستدامة للغلاء بدل الاكتفاء بتدابير ظرفية؟
هذه الأسئلة لا تعني إدانة الرجل، كما أن طرحها لا يعني تبني خطاب المعارضة. إنها ببساطة أسئلة مشروعة في دولة ديمقراطية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسؤول حكومي يجمع بين تجربة اقتصادية طويلة وحضور سياسي في أعلى هرم السلطة التنفيذية.
فالقيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العزيز أفتاتي، مثلاً، وجه انتقادات شديدة إلى أخنوش وربط بين ثروته وتدبير الحكومة، ووصف ما يعتبره نموذجاً اقتصادياً قائماً على «الافتراس» باسم الليبرالية والانفتاح. لكن هذه التصريحات تبقى في إطار الموقف السياسي لخصم حزبي، ولا يمكن تحويلها إلى حقيقة مثبتة من دون أدلة مستقلة.
وفي المقابل، يؤكد أخنوش وحكومته أن عدداً من الانتقادات الموجهة إليهما تفتقر إلى الدقة، وأن الحكومة تشتغل وفق برامج ومشاريع تستهدف التنمية والاستثمار وتحسين الخدمات.
وبين الخطابين، يبقى المواطن هو الطرف الذي يملك الحق في طرح السؤال الأكثر بساطة والأكثر إزعاجاً في الوقت نفسه: ماذا استفدت أنا؟
لأن المواطن لا يقيس الاقتصاد بحجم ثروة رجل الأعمال، ولا يقيس نجاح الحكومة بعدد المؤتمرات والخطابات. المواطن يقيسه بثمن الوقود، وثمن الغذاء، وفرص الشغل، وجودة الصحة والتعليم، وقدرته على مواجهة تكاليف الحياة.
لهذا فإن قضية أخنوش لا ينبغي اختزالها في شعار «أخنوش ارحل»، كما لا ينبغي اختزالها في صورة رجل الأعمال الناجح الذي أصبح رئيساً للحكومة. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بسؤال جوهري في أي ديمقراطية: كيف نضمن أن تظل المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة، وأن تكون السلطة السياسية منفصلة بوضوح عن النفوذ الاقتصادي؟
فإذا كانت الصفقات قانونية، فلتكن تفاصيلها واضحة. وإذا كانت المنافسة سليمة، فلتظهر الأرقام. وإذا كانت أسعار المحروقات مبررة، فليتم شرح مكوناتها للمواطن. وإذا كانت الحكومة حققت نتائج، فليكن الحكم عليها من خلال المؤشرات الملموسة التي يشعر بها المغاربة في حياتهم اليومية.
أما الثروة، فليست وحدها المشكلة، والسياسة ليست وحدها الحل.
المشكلة تبدأ عندما يفقد المواطن الثقة في أن قواعد اللعبة واحدة بالنسبة إلى الجميع، والحل يبدأ عندما تصبح الشفافية والمحاسبة أقوى من الأشخاص والأحزاب والشركات.
عزيز أخنوش سيبقى، بحكم موقعه السياسي وخلفيته الاقتصادية، في قلب هذا النقاش. وقد يختلف المغاربة حوله، كما يختلفون حول حكومته وحزبه وسياساته، لكن ما لا ينبغي أن يكون محل خلاف هو حق المواطن في معرفة الحقيقة كاملة، بعيداً عن المزايدات والشعارات.
فالمغاربة لا يريدون فقط أن يعرفوا من يملك الثروة، بل يريدون أن يعرفوا كيف تُدار ثروتهم هم، ومن يحمي مصالحهم، ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي يدفعون ثمنها من جيوبهم.
وهنا بالضبط تكمن القضية: حين تلتقي الثروة بالسلطة، تصبح الشفافية ليست امتيازاً، بل ضرورة.





