أعادت موجة العبور الجماعي لآلاف المهاجرين نحو سبتة ومليلية المحتلتين ملف المدينتين إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا وخارجها، بعدما تحولت الأزمة الإنسانية والأمنية إلى مناسبة لإحياء الجدل حول مستقبل الثغرين المحتلين، وعلاقتهما بالملف التاريخي للسيادة بين الرباط ومدريد.
ففي خضم التغطية الإعلامية للأحداث، وصفت صحف إسبانية بارزة ما جرى بأنه “غزو”، بينما ذهب عدد من السياسيين والمحللين إلى ربط موجات الهجرة بفرضية ممارسة المغرب ضغوطا غير مباشرة على إسبانيا، في سياق إعادة طرح قضية سبتة ومليلية، خاصة بعد التفاهمات الأخيرة بين مدريد ولندن بشأن مستقبل جبل طارق.
وفي المقابل، ركزت وسائل إعلام دولية على الطبيعة القانونية والتاريخية الخاصة للمدينتين، باعتبارهما منطقتين تخضعان للإدارة الإسبانية على الساحل الشمالي لإفريقيا، وهو ما أعاد إلى الواجهة قضية لا تزال مجهولة لدى جزء واسع من الرأي العام الدولي، تتمثل في استمرار الوجود الإسباني داخل أراض يعتبرها المغرب جزءا من وحدته الترابية.
من الهجرة إلى السيادة
لم يقتصر النقاش داخل الأوساط الإسبانية على الأبعاد الأمنية للهجرة غير النظامية، بل امتد إلى قراءة أوسع تربط بين تدفقات المهاجرين وبين الخلاف التاريخي حول السيادة على سبتة ومليلية.
ويرى محللون إسبان أن تزامن الأزمة مع المستجدات المتعلقة بجبل طارق أعاد فتح الباب أمام التساؤلات بشأن مستقبل الثغرين المحتلين، في حين يواصل المغرب التأكيد على أن ملفهما يندرج ضمن استكمال وحدته الترابية، دون أن يكون موضوع مفاوضات رسمية مباشرة مع مدريد في الوقت الراهن.
جذور تعود إلى خمسة قرون
لفهم طبيعة هذا النزاع، لا بد من العودة إلى التحولات الكبرى التي عرفتها شبه الجزيرة الإيبيرية خلال أواخر العصور الوسطى، حين انتقلت الممالك المسيحية، بعد توسعها في الأندلس، إلى الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق.
ففي 21 غشت 1415، احتلت البرتغال مدينة سبتة، في أول توسع لها خارج أوروبا، لتصبح المدينة قاعدة عسكرية وتجارية استراتيجية على مدخل البحر الأبيض المتوسط.
ورغم أهميتها، واجهت البرتغال مقاومة مغربية متواصلة، كما أخفقت محاولتها لاحتلال طنجة سنة 1437، قبل أن توسع نفوذها لاحقا إلى القصر الصغير وأصيلة وطنجة وموانئ أخرى على الساحل المغربي.
وبعد سقوط غرناطة سنة 1492، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس، نقلت إسبانيا اهتمامها العسكري إلى شمال إفريقيا، حيث احتلت مدينة مليلية سنة 1497، لتصبح منذ ذلك التاريخ تحت الإدارة القشتالية ثم الإسبانية بشكل متواصل.
توسع إيبيري وتراجع برتغالي
شهد القرن السادس عشر اتساع النفوذ البرتغالي على السواحل الأطلسية للمغرب، حيث سيطرت لشبونة على مواقع استراتيجية بينها أكادير وآسفي وأزمور ومازاغان، قبل أن يبدأ هذا الوجود في التراجع مع صعود الدولة السعدية.
وجاءت معركة وادي المخازن سنة 1578، أو “معركة الملوك الثلاثة”، لتشكل نقطة تحول كبرى، بعدما مُني الجيش البرتغالي بهزيمة قاسية أدت إلى انهيار مشروعه التوسعي، قبل أن ينتقل التاج البرتغالي مؤقتا إلى الحكم الإسباني في إطار الاتحاد الإيبيري.
وعندما استعادت البرتغال استقلالها سنة 1640، اختارت سلطات سبتة البقاء تحت السيادة الإسبانية، وهو ما كرسته معاهدة لشبونة سنة 1668، التي نقلت المدينة رسميا إلى إسبانيا دون أن يكون المغرب طرفا في هذا الاتفاق.
محاولات مغربية لاستعادة الثغور
لم يتوقف المغرب، عبر سلاطينه، عن محاولة استعادة المدن المحتلة، إذ فرض السلطان مولاي إسماعيل حصارا طويلا على سبتة امتد بين 1694 و1727، فيما حاصر السلطان محمد بن عبد الله مدينة مليلية بين 1774 و1775، غير أن التفوق البحري والعسكري الإسباني حال دون استعادة المدينتين.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، اندلعت الحرب المغربية الإسبانية (1859-1860)، التي انتهت بتوقيع معاهدة واد راس، والتي وسعت بموجبها إسبانيا المجال المحيط بسبتة ومليلية وفرضت شروطا قاسية على المغرب عقب احتلال تطوان.
من الاستقلال إلى الأمم المتحدة
بعد استقلال المغرب سنة 1956، استعادت الرباط مناطق كانت خاضعة للحماية الإسبانية، ثم استعادت طرفاية سنة 1958 وسيدي إفني سنة 1969، بينما بقيت سبتة ومليلية والجزر المجاورة تحت الإدارة الإسبانية.
ومنذ سنة 1960، بدأ المغرب يطرح القضية داخل الأمم المتحدة، معتبرا المدينتين جزءا من الأراضي التي ينبغي استكمال تحريرها، في حين تمسكت إسبانيا بموقفها القائل إنهما مدينتان إسبانيتان وليستا من الأقاليم الخاضعة لتصفية الاستعمار.
ورغم استمرار هذا السجال داخل أروقة الأمم المتحدة، لم تُدرج سبتة ومليلية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولم يصدر بشأنهما أي قرار مستقل عن الجمعية العامة أو مجلس الأمن.
محطات دبلوماسية بارزة
شهد الملف عدة محطات بارزة خلال العقود الأخيرة، من بينها أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، التي انتهت بوساطة أمريكية أعادت الجزيرة إلى وضعها السابق دون حسم مسألة السيادة، ثم الزيارة التي قام بها الملك الإسباني خوان كارلوس إلى سبتة ومليلية سنة 2007، والتي قوبلت برفض رسمي من المغرب واستدعاء سفيره في مدريد للتشاور.
وفي سنة 1995، منحت إسبانيا المدينتين نظام “مدينتين متمتعتين بالحكم الذاتي”، في خطوة اعتبرتها مدريد تعزيزا لوضعهما الإداري داخل الدولة الإسبانية، بينما رفض المغرب اعتبار ذلك مؤثرا على مطالبه التاريخية.
أزمة الهجرة تعيد الملف إلى الواجهة
أظهرت التطورات الأخيرة أن ملف سبتة ومليلية لا يزال حاضرا بقوة في العلاقات المغربية الإسبانية، وأن أي توتر مرتبط بالهجرة أو الأمن الحدودي سرعان ما يعيد النقاش إلى مسألة السيادة.
وبينما ترى الرباط أن المدينتين تمثلان آخر بقايا الوجود الاستعماري الإسباني في شمال المغرب، تؤكد مدريد أنهما جزء لا يتجزأ من أراضيها الوطنية، مستندة إلى قرون من الإدارة المتواصلة والتشريعات الداخلية.
ورغم عمق الخلاف التاريخي، لا يزال هذا الملف خارج أي مفاوضات رسمية مباشرة بشأن السيادة، كما لم يتحول إلى مسار مستقل داخل الأمم المتحدة، في وقت يواصل فيه البلدان إدارة علاقتهما عبر ملفات أكثر إلحاحا، مثل التعاون الأمني، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، والتبادل التجاري، والشراكة الاقتصادية، مع بقاء قضية سبتة ومليلية إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.





