دراسة لسانية تكشف آليات الدعاية في الإعلام الجزائري.. عندما تتحول الأخبار الخارجية إلى أداة لصناعة الرواية الرسمية

جسر بريس11 يوليو 2026آخر تحديث :
دراسة لسانية تكشف آليات الدعاية في الإعلام الجزائري.. عندما تتحول الأخبار الخارجية إلى أداة لصناعة الرواية الرسمية

سلطت دراسة لسانية حديثة الضوء على طبيعة الخطاب الإعلامي الذي تتبناه وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية في تغطية الشؤون الدولية، معتبرة أن هذا الخطاب لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يعيد إنتاجها داخل إطار سردي يخدم التصورات السياسية للنظام، على حساب المعايير المهنية التي يقوم عليها العمل الصحفي.

الدراسة، المنشورة في المجلة الدولية للسانيات والأدب والترجمة، والتي أعدها الباحثان زهير الهيري ومحسن سعيدي العمراوي على مدى ثلاث سنوات، تذهب إلى أن الممارسة الخبرية لكل من وكالة الأنباء الجزائرية والإذاعة الجزائرية تقوم، بشكل منهجي، على إعادة تأويل الأحداث الدولية وتوجيهها عبر لغة مشحونة بالأحكام الأخلاقية والإيديولوجية، بما يحول المادة الإخبارية من نقل للوقائع إلى أداة للتعبئة السياسية.

من الإعلام الإخباري إلى الإعلام التعبوي

تكشف نتائج الدراسة عن انتقال واضح من وظيفة الإعلام بوصفه ناقلا للمعلومة إلى وظيفة دعائية تستهدف تشكيل الإدراك الجماعي. فبدلا من الالتزام بمبادئ الدقة والتوازن والتعددية، تعتمد التغطيات – وفق الدراسة – على بناء سرديات قائمة على “الفضائح” و”المؤامرات” و”الخيانة”، وهي مفاهيم تتكرر بصورة لافتة في معالجة الملفات الخارجية.

ويعكس هذا التوجه، بحسب الباحثين، طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية ووسائل الإعلام الرسمية في الجزائر، حيث يصبح الإعلام امتدادا للخطاب الرسمي أكثر من كونه سلطة رقابية مستقلة، وهو ما يفسر غياب المسافة المهنية بين المؤسسة الإعلامية وصانع القرار.

صناعة “العدو” كآلية لتوجيه الرأي العام

اعتمد الباحثان على نموذج ريتشاردسون لتحليل الخطاب الصحفي، وهو أحد أبرز النماذج الأكاديمية في تحليل اللغة الإعلامية، ليتوصلا إلى أن النصوص المدروسة توظف مفردات ذات حمولة إيديولوجية قوية، وتعيد تأطير التصريحات والوقائع بما يخدم ثنائية “الخير والشر” أو “الضحية والجلاد”، بدلا من تقديم المشهد الدولي بتعقيداته السياسية والقانونية.

هذه الآلية، التي تعرف في دراسات الاتصال بـ”بناء صورة العدو”، لا تكتفي بانتقاد الخصوم، وإنما تعمل على إنتاج تصور ذهني ثابت يجعل المتلقي ينظر إلى الأحداث من زاوية واحدة، وهو ما يقلص فرص التفكير النقدي ويعزز الاصطفاف السياسي.

قضية الصحراء.. تناقض في الخطاب الرسمي

ومن أبرز ما سجلته الدراسة رصدها لتناقض الخطاب الإعلامي الجزائري بشأن قضية الصحراء المغربية. فمن جهة، تستخدم وسائل الإعلام لغة تستند إلى مرجعيات الأمم المتحدة وقراراتها، ومن جهة أخرى، ترفض بشكل قاطع المبادرة المغربية للحكم الذاتي وتصفها بعبارات ذات طابع سياسي وإيديولوجي.

ويرى الباحثان أن هذا التناقض يعكس ما يسمى في الأدبيات الأكاديمية بـ”عدم الاستقرار الهيمني”، أي صعوبة المحافظة على خطاب متماسك في ظل التحولات الإقليمية والدولية، خاصة مع تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي واستمرار قرارات مجلس الأمن التي تؤكد على الحل السياسي الواقعي والمتوافق عليه.

تحريف المصادر… أخطر مظاهر فقدان المصداقية

واحدة من أكثر النتائج إثارة في الدراسة تتعلق بطريقة التعامل مع المصادر الدولية. فقد رصد الباحثان حالات جرى فيها، بحسب تحليلهما، إخراج تصريحات لمسؤولين دوليين من سياقها أو إعادة صياغتها بما يمنحها دلالات لم ترد في الأصل.

وتوقف الباحثان عند مثال يتعلق بتصريح للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اعتبرا أنه تعرض لإعادة تأويل بما يخدم رواية سياسية محددة، وهو ما يمثل – وفق الدراسة – انتهاكا لأحد أهم المبادئ الأساسية في الصحافة، وهو الأمانة في نقل المصادر.

كما تناولت الدراسة الطريقة التي عالجت بها وسائل الإعلام الجزائرية قضية السفينة التابعة لشركة “ميرسك”، حيث جرى تقديم مزاعم غير مؤكدة بشأن نقل أسلحة إلى إسرائيل عبر المغرب باعتبارها حقائق ثابتة، رغم نفي الشركة بشكل صريح حمل سفنها لأي أسلحة أو ذخائر. وترى الدراسة أن هذا المثال يجسد آلية تحويل الادعاءات إلى روايات إعلامية مكتملة بهدف التأثير في الرأي العام.

الإعلام والدبلوماسية.. معركة الروايات

تكشف هذه الدراسة أن المنافسة بين الدول لم تعد تقتصر على الدبلوماسية التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الإعلامي، حيث تتصارع الروايات بقدر ما تتصارع المصالح. وفي هذا السياق، يصبح الالتزام بالمعايير المهنية عاملا حاسما في الحفاظ على مصداقية المؤسسات الإعلامية، بينما يؤدي توظيف الأخبار لخدمة أجندات سياسية إلى إضعاف الثقة في وسائل الإعلام وتقويض دورها التنويري.

وتؤكد الدراسة أن الإعلام الذي يتحول إلى أداة للدعاية يفقد تدريجيا وظيفته الأساسية، وهي تمكين الجمهور من الوصول إلى معلومات دقيقة ومتوازنة تساعده على تكوين رأي مستقل، وهو ما يجعل احترام أخلاقيات المهنة شرطا أساسيا لأي مؤسسة إعلامية تسعى إلى بناء المصداقية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة