في الممارسة السياسية، يظل الانتقال من موقع الأغلبية إلى المعارضة أمرًا طبيعيًا في الأنظمة الديمقراطية، بل إنه يمثل أحد تجليات التداول السياسي وتوازن المؤسسات. غير أن هذا الانتقال يطرح سؤالًا جوهريًا عندما يتعلق الأمر بذاكرة الفعل الحكومي: هل يمكن لحزب قاد السلطة التنفيذية لعقد كامل أن ينتقد اليوم ملفات كان هو نفسه صاحب قراراتها أو جزءًا من مسؤولية تدبيرها؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة عقب الانتقادات التي وجهها رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو، للحكومة الحالية، والتي شملت ملفات البطالة، وغلاء المعيشة، والاحتقان الاجتماعي، وإصلاح أنظمة التقاعد. وهي ملفات تمثل بالفعل تحديات حقيقية تواجه المغرب، لكنها في الوقت ذاته تحمل امتدادًا زمنيًا يتجاوز الولاية الحكومية الحالية.
فالعدالة والتنمية، الذي قاد الحكومتين المتعاقبتين بين سنتي 2011 و2021، كان في قلب صناعة عدد من القرارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي ما تزال آثارها حاضرة في النقاش العمومي. ومن أبرزها إصلاح نظام التقاعد سنة 2016، الذي اعتُبر آنذاك من أكثر الإصلاحات جرأة وإثارة للجدل، بعدما تضمن رفع سن الإحالة على التقاعد تدريجيًا من 60 إلى 63 سنة، والزيادة في نسبة الاقتطاعات، وتغيير طريقة احتساب المعاشات. ورغم المعارضة النقابية والاحتجاجات الواسعة، دافعت الحكومة آنذاك عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورة لإنقاذ الصندوق المغربي للتقاعد من الإفلاس.
وفي الملف الاقتصادي، يصعب أيضًا فصل النقاش الحالي حول غلاء المعيشة عن قرار تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، الذي أنهى العمل بنظام الدعم المباشر وربط أسعار الوقود بتقلبات السوق الدولية. وقد بررت الحكومة السابقة هذا الخيار بضرورات إصلاح نظام المقاصة وترشيد المالية العمومية، غير أن القرار ظل محل نقاش واسع بسبب انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
أما على مستوى التشغيل، فإن البطالة ليست أزمة مستجدة. فقد كانت المؤشرات المسجلة قبيل انتهاء ولاية حكومة العدالة والتنمية تعكس استمرار تحديات سوق الشغل، خصوصًا في صفوف الشباب وخريجي الجامعات. وهو ما يعني أن هذا الورش ظل معقدًا قبل سنة 2021، ولا يمكن اختزاله في أداء الحكومة الحالية وحدها.
كما أن الحديث عن الاحتقان الاجتماعي يستحضر بدوره محطات بارزة شهدتها سنوات تدبير العدالة والتنمية، من احتجاجات الأساتذة المتدربين، إلى حراك الحسيمة وجرادة، مرورًا بالاحتجاجات المتكررة لعدد من الفئات المهنية. وهي أحداث أكدت أن التوتر الاجتماعي لم يكن غائبًا عن المشهد خلال العقد الذي قاده الحزب.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الحكومة الحالية تواجه بدورها تحديات كبيرة، سواء فيما يتعلق بتوفير فرص الشغل، أو حماية القدرة الشرائية، أو تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، أو إصلاح منظومة التقاعد في مرحلتها الجديدة. ومن الطبيعي أن تكون محل مساءلة وانتقاد من المعارضة والرأي العام، باعتبار ذلك جزءًا من قواعد العمل الديمقراطي.
غير أن قوة المعارضة لا تُقاس فقط بحدة خطابها، وإنما أيضًا بقدرتها على ممارسة نقد يستند إلى المراجعة الذاتية والاعتراف بالمسؤولية السياسية عن القرارات السابقة. فالأحزاب التي تتناوب على تدبير الشأن العام لا تبدأ تاريخها مع كل انتخابات جديدة، بل تحمل معها حصيلة وإنجازات وإخفاقات تبقى جزءًا من تقييم المواطنين لأدائها.
وفي هذا السياق، تبدو المصداقية السياسية مرتبطة بقدرة الفاعلين على تقديم قراءة متوازنة للمشهد، تعترف بتراكم المسؤوليات بدل اختزالها في ولاية حكومية واحدة. فالقضايا الكبرى، مثل البطالة، والتقاعد، والقدرة الشرائية، والإصلاحات الاقتصادية، هي ملفات ممتدة ومعقدة، ساهمت في تشكيلها سياسات متعاقبة وظروف داخلية وخارجية مختلفة.
وفي النهاية، قد يكون من حق أي حزب أن يعارض الحكومة ويقدم رؤيته البديلة، لكن من الصعب إقناع الرأي العام بأن التحديات الراهنة وُلدت مع الحكومة الحالية وحدها، أو أن السنوات العشر التي قاد خلالها العدالة والتنمية السلطة التنفيذية لا علاقة لها بما يعيشه المغرب اليوم.
فالذاكرة السياسية، مهما تعرضت لمحاولات إعادة التأويل، تظل عنصرًا حاسمًا في تقييم التجارب الحكومية، وهي وحدها الكفيلة بوضع كل خطاب سياسي في سياقه الحقيقي، بعيدًا عن الانتقائية أو اختزال التاريخ.





