إيران والبوليساريو.. حين تتحول المواقف الخارجية إلى اختبار للثوابت الوطنية بالمغرب

جسر بريس22 يونيو 2026آخر تحديث :
إيران والبوليساريو.. حين تتحول المواقف الخارجية إلى اختبار للثوابت الوطنية بالمغرب

عز الدين السريفي

أعاد الموقف الإيراني الأخير الداعم لجبهة البوليساريو داخل أروقة الأمم المتحدة فتح نقاش سياسي واسع داخل المغرب، تجاوز في أبعاده حدود الخلاف الدبلوماسي التقليدي بين الرباط وطهران، ليصل إلى صميم الوعي الجماعي للمغاربة المرتبط بقضية الصحراء باعتبارها قضية سيادية ووطنية لا تقبل المساومة أو التأويل.

فالتصريحات التي أدلى بها ممثل إيران أمام اللجنة الأممية الخاصة بإنهاء الاستعمار، والتي جدد من خلالها دعم بلاده لما وصفه بـ”حق تقرير المصير”، لم تُستقبل في المغرب باعتبارها مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية المغربية، خاصة أن الأمر يتعلق بدولة سبق للمغرب أن قطع علاقاته الدبلوماسية معها سنة 2018 على خلفية اتهامات رسمية لإيران و”حزب الله” بدعم جبهة البوليساريو عسكرياً ولوجستياً.

الصحراء.. من ملف دبلوماسي إلى قضية هوية وطنية

تُظهر ردود الفعل الواسعة التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي أن قضية الصحراء لم تعد بالنسبة للمغاربة مجرد ملف سياسي تديره المؤسسات الرسمية، بل أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية ومن الوجدان الجماعي للمجتمع المغربي. ولذلك، فإن أي موقف خارجي يُنظر إليه على أنه يمس الوحدة الترابية للمملكة يتحول تلقائياً إلى موضوع للنقاش العمومي، بل وإلى معيار للحكم على طبيعة العلاقات مع الدول والفاعلين السياسيين.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الجدل على الموقف الإيراني في حد ذاته، وإنما يمتد إلى تقييم مواقف بعض الفاعلين السياسيين والنخب الفكرية داخل المغرب، ممن يبدون قدراً من التقارب أو التعاطف السياسي مع طهران، رغم استمرار الأخيرة في تبني مواقف تتعارض بشكل واضح مع الرؤية المغربية لقضية الصحراء.

ارتباك النخب أم تعدد في المقاربات؟

يرى عدد من المتابعين أن استمرار بعض الأصوات السياسية في التعامل مع إيران من زاوية الاصطفافات الإيديولوجية أو الحسابات الجيوسياسية الضيقة، دون استحضار انعكاسات مواقفها على قضية الصحراء، يثير تساؤلات حقيقية حول مدى انسجام الخطاب السياسي الداخلي مع الإجماع الوطني.

وفي المقابل، يعتبر آخرون أن العلاقات الدولية لا تُبنى فقط على منطق الاصطفافات الثنائية، وإنما تخضع لتوازنات معقدة قد تفرض أحياناً الفصل بين الخلافات السياسية والقضايا الأخرى. غير أن هذا الطرح يصطدم داخل المغرب بخصوصية ملف الصحراء، الذي يحتل مكانة استثنائية ضمن الثوابت الدستورية والسياسية للمملكة.

ومن هنا، يبدو أن هامش الاختلاف السياسي يضيق كلما تعلق الأمر بالقضية الوطنية الأولى، حيث يتجه الرأي العام إلى مطالبة مختلف الفاعلين، بغض النظر عن مرجعياتهم الفكرية أو الإيديولوجية، بإعطاء الأولوية للوحدة الترابية فوق أي اعتبار آخر.

توتر ممتد وجذور تاريخية

العلاقات المغربية الإيرانية لم تعرف الاستقرار منذ عقود، إذ تعود جذور التوتر إلى اعتراف طهران بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” في بداية ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتعمق الأزمة بشكل أكبر بعد قرار الرباط سنة 2018 قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، متهمة إياها، عبر “حزب الله”، بتقديم الدعم لجبهة البوليساريو.

وعلى الرغم من غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين منذ ذلك التاريخ، فإن الموقف الإيراني الأخير يؤكد أن الخلاف لا يزال قائماً، وأن قضية الصحراء تظل أحد أبرز محددات السياسة الخارجية المغربية تجاه طهران.

الصحراء.. معيار الاصطفافات السياسية

تكشف التطورات الأخيرة أن قضية الصحراء ستظل محدداً أساسياً للمزاج العام المغربي، ومعياراً لقياس مواقف الدول والفاعلين السياسيين على حد سواء. فبالنسبة لغالبية المغاربة، لا يمكن الفصل بين المواقف الخارجية وانعكاساتها الرمزية والسياسية على الوحدة الترابية للمملكة.

وعليه، فإن أي موقف دولي داعم لأطروحة الانفصال لا يُقرأ فقط في سياقه الدبلوماسي، بل يُنظر إليه باعتباره اختباراً حقيقياً لمدى التزام الأطراف المختلفة، داخلياً وخارجياً، باحترام الثوابت الوطنية المغربية. وفي ظل هذا المعطى، يبدو أن الإجماع الشعبي حول قضية الصحراء سيستمر في رسم حدود النقاش السياسي، وتحديد طبيعة الاصطفافات، وترتيب الأولويات داخل المشهد الوطني المغربي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة