شهدت أشغال الدورة الموضوعاتية للجنة الـ24 التابعة للأمم المتحدة بنيويورك مواجهة دبلوماسية جديدة بين المغرب والجزائر حول ملف الصحراء المغربية، عكست استمرار التباين العميق بين البلدين بشأن المرجعيات القانونية والسياسية المؤطرة لهذا النزاع، في وقت تتزايد فيه التحولات الدولية الداعمة للمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.
وخلال الجلسة، جدد الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، تمسك بلاده بالمقاربة التقليدية التي تعتبر القضية مسألة تصفية استعمار، مؤكداً دعم الجزائر لما تصفه بحق تقرير المصير، وداعياً إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة.
واعتبر الدبلوماسي الجزائري أن أي حل للنزاع ينبغي أن يستند إلى ما وصفه بثوابت القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، كما أشار إلى الجولة الأخيرة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، مؤكداً ضرورة مواصلة المسار التفاوضي وفق المرجعيات التي تتبناها الجزائر.
ولم تخلُ مداخلة بن جامع من إشارات إلى دور موريتانيا في العملية السياسية، حيث قدمها باعتبارها طرفاً مشاركاً في المسار الأممي بصفة مشابهة للجزائر، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة الأدوار المحددة لكل طرف ضمن جهود التسوية التي ترعاها الأمم المتحدة.
في المقابل، جاء رد السفير المغربي عمر هلال حازماً ومفصلاً، حيث أكد أن التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن أفرزت تحولاً نوعياً في التعاطي مع الملف، مستشهداً بالقرار الأممي رقم 2797 الذي اعتبره مرجعاً سياسياً وقانونياً واضحاً يؤطر المرحلة الحالية من النزاع.
وأوضح هلال أن مجلس الأمن حسم منذ سنوات طبيعة القضية باعتبارها نزاعاً إقليمياً يندرج ضمن مقتضيات الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة والمتعلق بالتسوية السلمية للنزاعات، نافياً أن يكون الملف ما يزال يخضع لمنطق تصفية الاستعمار الذي تستند إليه الجزائر في مرافعاتها داخل لجنة الـ24.
وأكد الدبلوماسي المغربي أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب تحظى باعتراف دولي متزايد باعتبارها الحل الجدي والواقعي وذي المصداقية، مشيراً إلى أن قرارات مجلس الأمن المتعاقبة كرست هذا التوجه، مع تحميل الأطراف المعنية مسؤولية الانخراط الإيجابي في العملية السياسية.
وانتقد هلال استمرار طرح الملف داخل لجنة الـ24، معتبراً أن ذلك يطرح إشكالاً مؤسساتياً بالنظر إلى أن مجلس الأمن يتولى حصرياً منذ سنة 1991 الإشراف على هذا النزاع، مذكراً بمقتضيات المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحد من تكرار مناقشة القضايا المعروضة على المجلس داخل أجهزة أممية أخرى.
كما شدد السفير المغربي على أن النقاش داخل بعض الهيئات الأممية لم يعد يواكب التحولات السياسية والدبلوماسية التي يشهدها الملف، لافتاً إلى أن المشاورات الأخيرة التي يقودها المبعوث الأممي تعرف تقدماً تدريجياً، وأن مقترح الحكم الذاتي أصبح في صلب النقاشات الدولية المتعلقة بإيجاد حل نهائي للنزاع.
ويأتي هذا السجال الدبلوماسي في سياق تزايد التباين داخل لجنة الـ24 بين رؤيتين متعارضتين؛ الأولى تقودها الجزائر وتتمسك بالطرح التقليدي القائم على تصنيف القضية ضمن ملفات تصفية الاستعمار، والثانية يدافع عنها المغرب وتعتبر أن مجلس الأمن حسم المرجعية السياسية والقانونية للنزاع، موجهاً الجهود الدولية نحو حل سياسي واقعي ودائم قائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وتؤكد هذه المواجهة الدبلوماسية الجديدة أن ملف الصحراء المغربية ما يزال يمثل إحدى أبرز نقاط التوتر بين الرباط والجزائر داخل أروقة الأمم المتحدة، في وقت تتجه فيه الدينامية الدولية بشكل متزايد نحو دعم الحلول السياسية العملية القادرة على إنهاء نزاع عمر لأكثر من أربعة عقود.





