لقجع.. من هندسة النجاح في الرياضة إلى اختبار السياسة

جسر بريسمنذ ساعتينآخر تحديث :
لقجع.. من هندسة النجاح في الرياضة إلى اختبار السياسة

عز الدين السريفي

«اللي بان تدبيرو فالصغير، راه قدّها فالكبير». مثل مغربي قديم، لكنه يكتسب دلالة خاصة حين يُستحضر في قراءة مسار فوزي لقجع، الرجل الذي انتقل خلال سنوات قليلة من تدبير نادٍ كروي إلى قيادة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ثم إلى مواقع مؤثرة داخل المؤسسات الكروية القارية والدولية، بالتوازي مع تحمله مسؤولية حكومية في مجال الاقتصاد والمالية.

لكن قراءة هذا المسار لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تعداد للإنجازات أو خطاب تمجيدي؛ بل تطرح سؤالاً أعمق: ما الذي جعل تجربة لقجع قابلة للانتقال من مجال إلى آخر؟ وهل يمكن لمنهج النجاح في الرياضة والمالية أن ينجح بالضرورة في السياسة؟

الجواب يحتاج إلى التمييز بين المجالات، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن عناصر مشتركة في طريقة التدبير.

في نهضة بركان، برز لقجع داخل تجربة رياضية تحولت تدريجياً إلى حضور قوي على الساحة الوطنية والقارية. وبعد وصوله إلى رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، انتقلت التجربة إلى مستوى أكبر، مع التركيز على البنية التحتية، التكوين، المنتخبات الوطنية، واستضافة التظاهرات الكبرى.

والأهم أن كرة القدم تحولت، خلال هذه المرحلة، إلى إحدى واجهات الحضور المغربي خارجياً. فاحتضان المغرب لتظاهرات كبرى، وتوسيع حضوره داخل مؤسسات «الكاف» و«فيفا»، واستضافة المكتب الإقليمي للاتحاد الدولي لكرة القدم، كلها مؤشرات على اتساع الدور المغربي في صناعة القرار الكروي الدولي.

لكن هذه التجربة تكشف أيضاً عن قاعدة مهمة: لقجع لا يشتغل منفرداً. فجزء من قوته يكمن في بناء المؤسسات والاعتماد على فرق وأطر متخصصة، وهي مسألة تختلف عن صورة المسؤول الذي يحاول اختزال كل شيء في شخصه.

ثم جاءت المسؤولية الحكومية لتضعه أمام اختبار مختلف تماماً.

في الرياضة يمكن أن تُقاس النتائج بالألقاب، والتصنيف، والاستضافة، وتطور البنية التحتية. أما في المالية العمومية، فالمعادلة أكثر تعقيداً: ميزانية الدولة، التوازنات المالية، الاستثمار العمومي، الإصلاحات، والقدرة على ترجمة الاختيارات السياسية إلى أرقام قابلة للتنفيذ.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحليل في تجربة لقجع: الانتقال بين هذه المجالات لا يعني أنها متشابهة، لكنه يدل على قدرة الرجل على العمل داخل مؤسسات مختلفة وعلى التعامل مع ملفات ذات طبيعة تقنية وسياسية متباينة.

غير أن دخول السياسة، إذا أصبح خياراً فعلياً، سيكون اختباراً من نوع آخر.

فالسياسة ليست إدارة مؤسسة رياضية، ولا تدبير ميزانية، ولا تحقيق نتيجة في منافسة. السياسة تقوم على إدارة الاختلاف، والتفاوض، وبناء التحالفات، والإقناع، والتعامل مع انتظارات اجتماعية متناقضة، وتحمل كلفة القرارات أمام الرأي العام.

وهنا تحديداً لن يكون رصيد لقجع السابق كافياً وحده.

فنجاحه في الرياضة والمالية يمنحه رأس مال من الخبرة والتدبير، لكنه لا يضمن تلقائياً نجاحاً سياسياً. وفي المقابل، فإن قدرته على الانتقال بين مواقع المسؤولية تمنحه تجربة يمكن أن تكون ذات قيمة في المجال السياسي إذا استطاع تكييف أدواته مع طبيعة هذا المجال.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأهم ليس: هل لقجع ناجح؟ فالنجاح في عدد من المحطات جزء موثق من مساره، ويمكن تقييمه وفق معايير مختلفة.

السؤال الأكثر أهمية هو: أي نوع من السياسيين يمكن أن يكونه فوزي لقجع؟

هل سينقل إلى السياسة ثقافة الأهداف والمؤشرات والنتائج؟ هل يستطيع تحويل تجربته التقنية والمؤسساتية إلى مشروع سياسي قادر على مخاطبة المجتمع؟ وهل يستطيع الانتقال من منطق تدبير المؤسسات إلى منطق تمثيل المواطنين وإدارة الاختلاف السياسي؟

هذه الأسئلة ستحدد معنى دخوله السياسي أكثر من أي خطاب مسبق حول شخصه.

لذلك، فإن مسار فوزي لقجع يستحق القراءة بعيداً عن ثنائية «معه أو ضده». هناك تجربة راكمت حضوراً في الرياضة والإدارة والمالية، وهناك في المقابل مجال سياسي له قواعده الخاصة واختباراته المختلفة.

قوة لقجع الأساسية، كما تظهر من مساره، ليست في كثرة الشعارات، بل في الاشتغال بمنطق المشروع والمؤسسة والنتيجة. لكن السياسة ستطالبه بإضافة عنصر آخر إلى هذه المعادلة: القدرة على إدارة المجتمع كما تُدار المؤسسات، بكل ما يحمله ذلك من اختلاف وتفاوض وتعدد في المصالح.

وفي النهاية، إذا اختار لقجع توسيع حضوره السياسي، فلن يبدأ من الصفر؛ سيبدأ من رصيد طويل من التجربة. لكن الرصيد لا يصنع النجاح وحده.

السياسة ستفتح أمامه اختباراً جديداً: هل يستطيع الرجل الذي نجح في إدارة المشاريع والمؤسسات أن ينجح أيضاً في إدارة الاختلاف السياسي وصناعة الثقة المجتمعية؟

هنا تحديداً سيبدأ الفصل الحقيقي في قصة فوزي لقجع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة