من مجلس الأمن القومي إلى القاضي عياض.. الرباط ترد على سانشيز بلغة التاريخ

جسر بريسمنذ 45 دقيقةآخر تحديث :
من مجلس الأمن القومي إلى القاضي عياض.. الرباط ترد على سانشيز بلغة التاريخ

بينما كان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يعقد اجتماعاً لمجلس الأمن القومي، بحضور عدد من المسؤولين الأمنيين والحكوميين، لمناقشة التطورات المرتبطة بمدينة سبتة، كانت الرباط تبعث برسالة مختلفة تماماً؛ رسالة لا تحتاج إلى تقارير استخباراتية ولا إلى خرائط أمنية، بل إلى قراءة التاريخ.

فخلال الحفل الديني الذي ترأسه الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، استحضر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق اسمَي عالمين بارزين من مدينة سبتة: القاضي عياض والعزفي.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد استحضار لأسماء من التراث الديني المغربي، لكن توقيت الإشارة إلى سبتة، وسياقها، يجعلانها ذات دلالة تتجاوز البعد الديني البحت.

فالقاضي عياض والعزفي ليسا مجرد اسمين في صفحات التاريخ، بل يمثلان جزءاً من الذاكرة العلمية والروحية لمدينة سبتة، ويجسدان عمق ارتباط المدينة بالمجال الحضاري المغربي عبر قرون طويلة.

وهنا تبرز المفارقة.

سانشيز جمع مجلس الأمن القومي لمناقشة سبتة من زاوية أمنية، بينما جاءت الإشارة المغربية إلى سبتة من قلب الذاكرة والتاريخ.

فهل فهم سانشيز الرسالة؟

أم أن مستشاريه ومخبريه المكلفين بمتابعة الشأن المغربي ما زالوا يقرأون تاريخ المملكة ابتداءً من سنة 1956؟

هذه هي المسألة التي تستحق التوقف عندها.

فالمغرب ليس دولة بدأت مع نهاية الحماية، كما أن علاقته بمدنه وثغوره لا يمكن اختزالها في الخرائط التي رسمتها القوى الاستعمارية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

الدولة المغربية أقدم بكثير من تلك المرحلة، وذاكرتها السياسية والحضارية والدينية تمتد لقرون، وسبتة نفسها كانت مركزاً علمياً بارزاً خرج منه علماء تركوا بصمتهم في الثقافة المغربية والإسلامية.

ولهذا فإن استحضار القاضي عياض والعزفي أمام أمير المؤمنين، وفي مناسبة دينية كبرى، يمكن فهمه باعتباره تذكيراً هادئاً بأن التاريخ لا يبدأ من اللحظة التي تحددها السياسة الحديثة.

مدريد تنظر إلى سبتة باعتبارها جزءاً من منظومتها الأمنية وحدودها الجنوبية، بينما تستحضر الرباط مدينة سبتة من خلال علمائها وذاكرتها وموقعها في التاريخ المغربي.

إنها إذن مواجهتان مختلفتان للسردية نفسها: الأولى أمنية، والثانية تاريخية وحضارية.

والرسالة هنا ليست بالضرورة رسالة تصعيد، بل رسالة تقول إن الملفات السياسية لا يمكن أن تُفهم فقط من خلال الحاضر، وأن الذاكرة التاريخية تظل حاضرة مهما حاولت الحسابات الجيوسياسية تجاوزها.

فمن يعرف المغرب، يعرف أن التاريخ بالنسبة إليه ليس مادة مدرسية محفوظة في الكتب، بل عنصر أساسي في فهم الدولة والمجتمع والهوية.

ومن لا يعرف ذلك، قد يخطئ في قراءة الكثير من الإشارات الصادرة من الرباط.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في مدريد ليس فقط: كيف نحمي سبتة؟

بل أيضاً: كيف نفهم تاريخ سبتة؟

لأن من يقرأ المدينة فقط من زاوية الأمن والهجرة والحدود، سيظل عاجزاً عن فهم مغزى استحضار اسمَي القاضي عياض والعزفي في هذه اللحظة بالذات.

أما إذا كان بعض مستشاري سانشيز يعتقدون أن تاريخ المغرب يبدأ سنة 1956، فربما حان الوقت لفتح كتب التاريخ قبل فتح التقارير الأمنية.

فالمغرب الذي تحدث عنه أحمد التوفيق أمام الملك لم يكن مغرب اللحظة السياسية فقط، بل مغرب ذاكرة تمتد خمسة عشر قرناً، ومغرب دولة ضاربة جذورها في التاريخ.

وبينما كان مجلس الأمن القومي الإسباني يناقش سبتة بلغة الأمن، كانت الرباط تذكّر مدريد بلغة أكثر هدوءاً وأعمق دلالة:

للحدود حساباتها، لكن للتاريخ ذاكرته.. والذاكرة لا تبدأ سنة 1956.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة