دخل حزب التجمع الوطني للأحرار مرحلة جديدة من التوتر السياسي مع حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما اختار المكتب السياسي لـ«حزب الحمامة» الخروج بلهجة شديدة الوضوح، محذراً من ممارسات وصفها بـ«الاستمالات والضغوط» التي تستهدف عدداً من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه، في سياق يسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
البلاغ الصادر عقب اجتماع المكتب السياسي، اليوم الثلاثاء، لا يبدو مجرد رد فعل على انتقالات سياسية محدودة، بل يحمل في طياته رسالة سياسية تتجاوز الحالات الفردية، وتضع مسألة انتقال المنتخبين والمرشحين بين الأحزاب في قلب النقاش حول أخلاقيات التنافس الانتخابي وحدوده.
من انتقال سياسي إلى أزمة ثقة
الأصل في الحياة الحزبية أن انتقال المنتخب أو المسؤول السياسي من حزب إلى آخر يظل، من حيث المبدأ، جزءاً من الحركية السياسية الطبيعية. غير أن التجمع الوطني للأحرار يرى أن تعدد الحالات وتزامنها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسماء سبق الإعلان عن ترشيحها أو ما تزال تمارس مهام انتدابية باسم الحزب، يجعل المسألة تتجاوز مجرد «انتقال فردي».
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في خطاب الحزب: هل نحن أمام اختيارات سياسية مستقلة لأفراد قرروا تغيير مواقعهم، أم أمام استراتيجية منظمة لإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع؟
الحزب اختار بوضوح القراءة الثانية، أو على الأقل عبّر عن تخوفه منها، عندما ربط بين تعدد الحالات وتقارب الأساليب، معتبراً أن الأمر لم يعد قابلاً للتصنيف ضمن وقائع معزولة.
معركة الأسماء أم معركة البرامج؟
القائمة التي أوردها المكتب السياسي، والتي تضم عبد الحي حرطون، ومحمد الجماني، وزينب السيمو، وعثمان بادل، ومنال بادل، وبشرى الوردي، وعبد الحفيظ المكوتي، وعبد القادر الحضوري، تكشف أن الخلاف لا يتعلق فقط بموقف تنظيمي عابر، وإنما يدخل مباشرة في حسابات الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ففي الانتخابات، لا تشكل الأسماء مجرد واجهة بشرية للأحزاب؛ إنها تمثل شبكات انتخابية، وحضوراً محلياً، وقواعد اجتماعية، وتجارب تدبيرية، وقدرة على تعبئة الناخبين.
ومن هنا، فإن استقطاب منتخب أو مرشح معروف لا يعني بالضرورة تغيير موقع شخص واحد فقط، بل قد يؤدي إلى إعادة توزيع جزء من موازين القوة داخل دائرة أو جماعة أو إقليم.
وهذا تحديداً ما يجعل انتقالات من هذا النوع أكثر حساسية كلما اقترب موعد الانتخابات.
الداخلة.. حين تتوسع دائرة الخلاف
إشارة التجمع الوطني للأحرار إلى ما وصفه بـ«الانتقالات الهجينة» بجهة الداخلة تكشف أن الظاهرة، وفق رواية الحزب، لا ترتبط بحالات محدودة جغرافياً، وإنما قد تكون جزءاً من دينامية أوسع داخل مكونات الأغلبية.
وهنا يبرز سؤال سياسي أكبر: هل بدأت مرحلة إعادة ترتيب التحالفات والولاءات الانتخابية داخل الأغلبية قبل موعد الاستحقاق، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تنافساً عادياً بين أحزاب تسعى إلى تقوية مواقعها؟
الجواب لن تحسمه البلاغات السياسية وحدها، وإنما ستحدده تطورات الأسابيع والأشهر المقبلة، ومدى استمرار هذه الانتقالات، وطبيعة الأسماء المعنية، ومواقعها الانتخابية، والوجهات التي ستختارها.
الأغلبية الحكومية أمام اختبار صعب
الأكثر دلالة في هذه التطورات أن الصراع يجري بين حزبين ينتميان إلى الأغلبية الحكومية نفسها. وهذا ما يمنح الخلاف بعداً إضافياً.
فالتنافس بين أحزاب الأغلبية أمر طبيعي في الديمقراطيات التعددية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالانتخابات. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المنافسة إلى صراع على الموارد البشرية والانتخابية، أو عندما يشعر طرف بأن قواعد اللعبة لا تطبق بالتساوي على الجميع.
وهذا ما يفسر انتقال خطاب التجمع الوطني للأحرار من الحديث عن حالات فردية إلى الحديث عن «أخلاقيات العمل السياسي» و«قواعد التنافس الديمقراطي».
فالخلاف، في جوهره، لم يعد فقط حول من ينتقل ومن يبقى، وإنما حول السؤال الأهم: ما هي الحدود الأخلاقية والسياسية للتنافس بين الأحزاب؟
«حزب الحمامة» يرفع سقف الرسالة
اختيار التجمع الوطني للأحرار التأكيد على أنه «لن يُستدرج إلى الأساليب نفسها» يحمل رسالة مزدوجة.
الأولى موجهة إلى الخصوم السياسيين، ومفادها أن الحزب لن يتعامل مع ما يعتبره استهدافاً تنظيمياً باعتباره أمراً عادياً.
أما الثانية فهي موجهة إلى قواعد الحزب ومنتخبيه، ومضمونها أن القيادة السياسية لن تترك مسألة الانتقالات والاستمالات دون رد سياسي وتنظيمي وقانوني.
واللافت أن الحزب لم يكتف بالتعبير عن الاستياء، بل تحدث عن احتفاظه بكامل حقوقه في اتخاذ ما يراه مناسباً وسلوك المساطر التي يكفلها القانون، وهي صيغة تفتح الباب أمام انتقال الخلاف من المستوى السياسي إلى مستويات تنظيمية وقانونية أكثر وضوحاً.
الانتخابات المقبلة.. صراع على الصورة قبل الصندوق
المعركة الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال بناء التحالفات، واستقطاب الوجوه، وتثبيت المرشحين، وإعادة ترتيب شبكات الدعم المحلية.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري اليوم يمكن قراءته باعتباره جزءاً من «انتخابات ما قبل الانتخابات»، حيث تسعى الأحزاب إلى تحسين مواقعها قبل أن تبدأ المنافسة الرسمية.
لكن الخطر الذي يحذر منه التجمع الوطني للأحرار يكمن في أن يتحول هذا السباق إلى منافسة على الأشخاص بدل البرامج.
فالمواطن، في النهاية، لا ينتظر فقط معرفة من ترشح هذا الحزب أو ذاك، وإنما يريد معرفة ماذا سيقدم له المرشح، وما هي حصيلة الحزب الذي سبق أن تحمل مسؤولية التدبير، وما البدائل التي يقترحها منافسوه.
الرسالة الأعمق: صناديق الاقتراع هي الحكم
في ختام موقفه، حاول التجمع الوطني للأحرار نقل النقاش من مستوى الصراع الحزبي إلى مستوى أوسع يتعلق بمصداقية الاختيار الديمقراطي.
فإذا كانت الانتخابات يفترض أن تكون مناسبة للتنافس حول الرؤى والبرامج والحصيلة، فإن تحويلها إلى سباق لاستقطاب المرشحين قد يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الحزبية، خصوصاً إذا أصبح انتقال الأشخاص أكثر حضوراً من النقاش حول السياسات العمومية.
ومن هنا تأتي أهمية دعوة الحزب إلى «التتبع اليقظ» لمختلف مراحل العملية الانتخابية، بما يضمن، وفق تعبيره، نزاهة التنافس وتكافؤ الفرص.
مواجهة مفتوحة أم سحابة انتخابية عابرة؟
من السابق لأوانه الجزم بأن الخلاف بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة سيتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة، لكن المؤكد أن سقف الخطاب ارتفع بشكل واضح.
وإذا استمرت انتقالات المنتخبين والمرشحين بين الطرفين، فقد يصبح من الصعب احتواء الخلاف داخل الحدود التنظيمية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بحزبين كبيرين داخل الأغلبية، لكل منهما طموح انتخابي وحضور ميداني.
وفي المقابل، قد تكون هذه المرحلة مجرد إعادة ترتيب طبيعية للمشهد السياسي قبيل الانتخابات، حيث تحاول كل الأحزاب استقطاب الكفاءات والوجوه الانتخابية التي ترى أنها قادرة على تعزيز حضورها.
لكن الفاصل بين الأمرين واضح: إذا كان التنافس حول البرامج، فهو جوهر الديمقراطية؛ أما إذا أصبح التنافس حول تفكيك التنظيمات واستقطاب مرشحي الخصوم، فهنا تبدأ الأسئلة المتعلقة بأخلاقيات اللعبة السياسية.
وفي جميع الأحوال، فإن الحسم النهائي لن يكون في بيانات الأحزاب ولا في كواليس الاستقطاب، بل في صناديق الاقتراع. هناك فقط سيظهر أي حزب نجح في إقناع المواطنين بمشروعه، وأي حزب اكتفى بتغيير الأسماء، وأي فريق استطاع تحويل الحضور التنظيمي إلى ثقة انتخابية حقيقية.
وبذلك، تبدو الرسالة التي حملها بلاغ التجمع الوطني للأحرار واضحة: المنافسة الانتخابية المقبلة لن تكون مجرد معركة مقاعد، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأحزاب المغربية على الانتقال من منطق استقطاب الأشخاص إلى منطق التنافس حول المشاريع والبرامج والثقة الشعبية.





