كريم زيدان في اليوسفية.. حين تراهن السياسة على كفاءات مغاربة العالم

جسر بريس24 أغسطس 2026آخر تحديث :
كريم زيدان في اليوسفية.. حين تراهن السياسة على كفاءات مغاربة العالم

يأتي ترشيح الوزير كريم زيدان بدائرة اليوسفية للاستحقاقات التشريعية المقبلة في سياق سياسي يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة، ليطرح سؤالاً أكبر حول موقع الكفاءات المغربية التي راكمت تجاربها خارج الوطن، وقدرتها على العودة إلى الواجهة الوطنية والمساهمة في تدبير الشأن العام من موقع المسؤولية.

وقد اختار حزب التجمع الوطني للأحرار الدفع بكريم زيدان في دائرة اليوسفية، في خطوة حظيت باهتمام واسع داخل الإقليم وخارجه، باعتبارها رهاناً على شخصية تجمع بين التكوين الهندسي، والخبرة المهنية الدولية، والتجربة الحكومية. وقد تم الإعلان عن ترشيحه خلال لقاء تواصلي بمدينة الشماعية بإقليم اليوسفية، في إطار استعدادات الحزب للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026. (Jisr Press⁠)

من تجربة الهجرة إلى موقع المسؤولية

قصة كريم زيدان تحمل في حد ذاتها دلالة خاصة على الدور الذي يمكن أن تلعبه كفاءات مغاربة العالم في الحياة العامة المغربية. فبعد حصوله على شهادة البكالوريا في الصناعة الميكانيكية سنة 1987، تابع دراسته الجامعية في المغرب، قبل أن يتوجه إلى ألمانيا سنة 1989 لاستكمال تكوينه في الهندسة الميكانيكية.

هناك، في ألمانيا، لم تكن تجربة زيدان مجرد مسار دراسي، بل تحولت إلى تجربة مهنية طويلة داخل واحد من أكثر الاقتصادات الصناعية تطوراً في العالم. وتشير المعطيات المنشورة حول مساره إلى اشتغاله في قطاع صناعة السيارات وتدرجه مهنياً إلى مستويات متقدمة، من بينها العمل مع شركة BMW، فضلاً عن مساهمته في ربط الكفاءات المغربية في ألمانيا بالوطن الأم.

كما ارتبط اسمه بشبكة الكفاءات الألمانية المغربية، التي تهدف إلى تعزيز تبادل الخبرات وربط الكفاءات المغربية المقيمة بألمانيا بمسارات التنمية في المغرب.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات ترشيحه: فالمغرب لا ينظر إلى مغاربة العالم باعتبارهم مجرد جالية تعيش خارج الحدود، بل باعتبارهم رصيداً بشرياً واقتصادياً وعلمياً يمكن أن يساهم في صناعة المستقبل.

اليوسفية.. اختبار حقيقي للكفاءة

اليوسفية ليست دائرة انتخابية عادية. فهي منطقة ذات خصوصيات اقتصادية واجتماعية وتنموية، ارتبط تاريخها بشكل وثيق بقطاع الفوسفاط، وتواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالتشغيل والاستثمار والخدمات والتنمية المجالية.

ولهذا فإن دخول شخصية ذات تجربة في الاستثمار وتقييم السياسات العمومية إلى السباق الانتخابي يضعها أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الكفاءة المهنية والخبرة الحكومية أن تتحولا إلى مشاريع ملموسة وإلى قدرة فعلية على الترافع عن قضايا الإقليم؟

واللافت أن كريم زيدان لم ينتظر انطلاق الحملة الانتخابية للظهور في اليوسفية؛ فقد شارك يوم 13 أبريل 2026 في لقاء بمدينة اليوسفية حول آليات الدعم والمواكبة الموجهة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، في إطار تنزيل الميثاق الجديد للاستثمار. 

وهو حضور ينسجم مع طبيعة الملفات التي ارتبط بها زيدان حكومياً، خصوصاً الاستثمار، ودعم المقاولات، وخلق فرص الشغل، وتحسين فعالية السياسات العمومية.

مغاربة العالم.. من صورة المهاجر إلى صورة الكفاءة

ربما تكمن القيمة السياسية الأبرز لترشيح زيدان في كونه يعكس تحولاً في النظرة إلى مغاربة العالم.

فالمغربي الذي قضى سنوات في أوروبا، واشتغل داخل مؤسسات وشركات عالمية، واكتسب خبرة في مجالات التكنولوجيا والهندسة والتدبير، يمكن أن يعود إلى بلده ليس فقط بصفته مستثمراً، وإنما أيضاً باعتباره فاعلاً في صناعة القرار.

وهذه النقلة تحمل رسالة قوية: الكفاءة المغربية لا تنتهي عند حدود الوطن، والخبرة المكتسبة في الخارج يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة داخل المؤسسات الوطنية.

ومن هذه الزاوية، فإن ترشيح زيدان باليوسفية يمكن أن يُقرأ باعتباره اختباراً لفكرة أوسع، تتمثل في قدرة الأحزاب المغربية على استقطاب الكفاءات الوطنية من مختلف مواقعها، ومنحها مساحة للمشاركة السياسية، بدل حصر التنافس الانتخابي في الأسماء التقليدية.

السياسة بين الكفاءة والقرب

لكن الكفاءة وحدها لا تكفي لخوض معركة انتخابية ناجحة.

فالناخب في اليوسفية يريد قبل كل شيء من يستمع إليه، ويدافع عن مصالحه، ويتابع ملفاته، ويعرف تفاصيل الحياة اليومية داخل الإقليم. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام كريم زيدان لن يكون فقط في تقديم سيرته المهنية والحكومية، وإنما في تحويل هذه التجربة إلى علاقة ثقة مع الساكنة.

وهنا تصبح المعادلة واضحة: خبرة دولية من جهة، وقرب ميداني من جهة أخرى.

وإذا استطاع زيدان الجمع بين الاثنين، فقد يتحول ترشيحه إلى نموذج جديد في العمل السياسي؛ نموذج لا يقوم فقط على الانتماء الجغرافي، وإنما على القدرة على إنتاج حلول واقعية واستقطاب الاستثمار والدفاع عن التنمية المحلية.

معركة تتجاوز المقعد البرلماني

من الخطأ اختزال ترشيح كريم زيدان في مجرد محاولة للحصول على مقعد برلماني.

فالمعركة، في بعدها السياسي، تتعلق أيضاً بصورة النخب الجديدة التي يريد حزب التجمع الوطني للأحرار تقديمها للناخب المغربي: نخب تجمع بين التكوين الأكاديمي، والتجربة المهنية، والخبرة الدولية، والعمل الحكومي، والقدرة على التواصل مع المواطن.

وقد وصفت مصادر إعلامية ترشيحه بأنه رهان للحزب على كفاءة ذات امتداد دولي، خصوصاً أن اليوسفية تُعد من الدوائر التي تشهد تنافساً قوياً.

وفي المقابل، أثار الترشيح نقاشاً محلياً حول مسألة اختيار مرشح من خارج الإقليم، وهو نقاش طبيعي في أي استحقاق ديمقراطي، ويضع زيدان أمام مسؤولية إضافية لإثبات أن العلاقة بين النائب ومنطقته يمكن أن تُبنى على الالتزام والعمل والإنجاز، وليس فقط على الانتماء الجغرافي.

كريم زيدان يدخل اليوسفية حاملاً معه تجربة مختلفة عن الصورة التقليدية للمرشح البرلماني. فهو مهندس خاض تجربة مهنية في ألمانيا، واشتغل في قطاع صناعي عالمي، وعاد إلى المغرب ليشارك في تدبير ملفات الاستثمار والسياسات العمومية، قبل أن يخوض غمار المنافسة الانتخابية.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كان زيدان سيفوز بمقعد برلماني أم لا، وإنما بما إذا كانت اليوسفية ستشكل محطة جديدة في مسار إدماج كفاءات مغاربة العالم في الحياة السياسية الوطنية.

فإذا نجح في تحويل خبرته الدولية إلى مشاريع وفرص استثمار وشغل، وإذا تمكن من بناء جسور حقيقية مع ساكنة الإقليم، فقد لا يكون ترشيحه مجرد محطة انتخابية عابرة، بل تجربة سياسية تحمل رسالة أوسع: أن مغاربة العالم ليسوا فقط سفراء للمغرب في الخارج، بل يمكن أن يكونوا أيضاً جزءاً من صناعة مستقبله من الداخل

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة