من مدينة إلى عمالة.. تيفلت تعيد طرح مطلبها على طاولة التقسيم الإداري

جسر بريس18 أغسطس 2026آخر تحديث :
من مدينة إلى عمالة.. تيفلت تعيد طرح مطلبها على طاولة التقسيم الإداري

عز الدين السريفي

يعود موضوع التقسيم الإداري والترابي بالمغرب إلى واجهة النقاش السياسي، مع اقتراب موعد انتخابات أعضاء مجلس النواب، في ظل تنامي مطالب محلية وجمعوية تدعو إلى إعادة النظر في الخريطة الإدارية الحالية، بما يواكب التحولات الديمغرافية والعمرانية والاقتصادية التي عرفتها عدد من المدن والمراكز خلال السنوات الأخيرة.

وتتوزع هذه المطالب بين الدعوة إلى مراجعة التقسيم الإداري القائم، بهدف تخفيف الضغط عن المراكز الحالية وتقريب الإدارة والخدمات من المواطنين، وبين المطالبة بإحداث عمالات جديدة عبر ترقية بعض المراكز الحضرية التي أصبحت تتوفر، وفق أصحاب هذه المطالب، على مقومات اقتصادية واجتماعية وديمغرافية تؤهلها للارتقاء إلى مستوى عمالة مستقلة.

وفي هذا السياق، يبرز إقليم الخميسات ضمن المجالات التي ما يزال فيها النقاش حول إعادة النظر في التقسيم الإداري حاضراً، خصوصاً بمدينة تيفلت، التي يتجدد بها مطلب الارتقاء إلى عمالة مستقلة عن إقليم الخميسات.

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى التحولات التي عرفتها تيفلت خلال السنوات الماضية، سواء على المستوى العمراني أو الديمغرافي أو الاقتصادي، فضلاً عن موقعها الجغرافي وقربها من محور الرباط–القنيطرة، باعتبار ذلك من العناصر التي يمكن أن تعزز موقع المدينة كقطب حضري وإداري قادر على استقطاب مزيد من الاستثمارات والخدمات.

ويرى عدد من الفاعلين المحليين أن إحداث عمالة مستقلة بتيفلت لن يكون مجرد تغيير في الوضع الإداري للمدينة، بل يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة ترتيب الأولويات التنموية، وتقريب عدد من المصالح الإدارية من المواطنين، وتعزيز جاذبية المدينة الاقتصادية والاستثمارية، فضلاً عن منح المنطقة قدرة أكبر على تدبير حاجياتها المتزايدة.

وتأتي هذه المطالب في سياق وطني أوسع، إذ سبق لوزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، أن أوضح في جواب عن سؤال كتابي برلماني أن الغاية من مراجعة التقسيم الإداري، سواء من خلال إحداث وحدات إدارية جديدة أو مراجعة التقسيم الإداري لوحدات قائمة، تتمثل أساساً في إنشاء وحدات تتوفر على المؤهلات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية اللازمة لتحقيق إقلاعها الاقتصادي، مع تفادي التأثير سلباً على وتيرة التنمية في الأقاليم الأصلية.

كما أكد لفتيت أن التوجه المعتمد في مجال التقسيم الإداري للمملكة يقوم على تصور متكامل يشمل مجموع التراب الوطني، ولا يقتصر على معالجة حالات معزولة، مع ضرورة توفر الوحدات الإدارية المزمع إحداثها على المؤهلات المطلوبة اقتصادياً واجتماعياً وديمغرافياً.

وبهذا المنظور، لا تبدو حالة تيفلت منفصلة عن نقاش وطني أوسع. ففي تارودانت تتواصل المطالب بإعادة النظر في وضع الإقليم، بينما يطرح في الصويرة موضوع تخفيف معاناة سكان المناطق النائية في الوصول إلى الخدمات الإدارية. كما يتجدد النقاش في القصر الكبير حول إحداث عمالة مستقلة، في حين عاد مطلب إحداث عمالة ببويزكارن إلى الواجهة، إلى جانب مطالب مماثلة في مدن ومراكز أخرى، من بينها بوزنيقة.

غير أن خصوصية تيفلت تكمن في كون مطلب الارتقاء إلى عمالة يرتبط أيضاً بالتحولات المتسارعة التي عرفتها المدينة ومحيطها، وبالحاجة إلى مواكبة النمو الحضري والسكاني ببنية إدارية وتنموية أكثر قدرة على الاستجابة للانتظارات المحلية.

وفي المقابل، يبقى القرار بشأن أي مراجعة مستقبلية للتقسيم الإداري للمملكة مرتبطاً برؤية الدولة الشاملة، وبمدى استيفاء المجالات الترابية المعنية للشروط والمعايير المعتمدة، بعيداً عن الحسابات السياسية الظرفية أو المطالب الانتخابية.

ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يُنتظر أن يستعيد ملف التقسيم الإداري حضوره في النقاش العمومي، خصوصاً بالمناطق التي ظلت فيها مطالب إحداث عمالات جديدة قائمة لسنوات.

وفي حالة تيفلت، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما إذا كانت المدينة تستحق عمالة مستقلة، وإنما بمدى قدرتها على تقديم ملف متكامل يثبت توفرها على المقومات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية والإدارية التي تجعل هذا الطموح منسجماً مع الرؤية الوطنية لإعادة تنظيم الخريطة الترابية للمملكة.

ويبقى مطلب تيفلت، في نهاية المطاف، جزءاً من نقاش أكبر حول العدالة المجالية وتقريب الإدارة من المواطنين، وحول قدرة التقسيم الإداري على مواكبة المغرب المتغير، حيث لم تعد الخرائط الترابية القديمة بالضرورة تعكس واقع المدن والمراكز التي شهدت خلال السنوات الأخيرة نمواً سكانياً وعمرانياً واقتصادياً متسارعاً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة