قبل زيارة الملك إلى باريس.. هل يطوي المغرب وفرنسا مرحلة ممتدة من 1955 بمعاهدة دفاعية وسياسية غير مسبوقة؟

جسر بريس19 يونيو 2026آخر تحديث :
قبل زيارة الملك إلى باريس.. هل يطوي المغرب وفرنسا مرحلة ممتدة من 1955 بمعاهدة دفاعية وسياسية غير مسبوقة؟

كرست المباحثات التي احتضنتها باريس بين عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، وكاترين فوتران، وزيرة الجيوش والمحاربين القدامى الفرنسية، التحول المتسارع الذي تشهده العلاقات المغربية الفرنسية منذ أشهر، بعدما وضعت ملفات الدفاع والصناعات العسكرية في صلب أجندة ثنائية أوسع، تتجه نحو إعادة صياغة الشراكة بين الرباط وباريس على أُسس جديدة، تمهيدا لمحطات سياسية وازنة تتصدرها زيارة الدولة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا ومعاهدة استراتيجية يجري الإعداد لها بين البلدين.

وجاءت المباحثات التي أجراها لوديي مع كاترين فوتران، على هامش معرض “يوروساتوري” الدولي للصناعات الدفاعية بباريس، في سياق دينامية متسارعة تعرفها العلاقات المغربية الفرنسية حيث عكست رغبة مشتركة في الارتقاء بالتعاون العسكري إلى مستوى أوسع يشمل الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد، في وقت تستعد فيه الرباط وباريس لمحطات سياسية وازنة، تتصدرها اللجنة العليا المشتركة المرتقب انعقادها بالمغرب، وزيارة الدولة المنتظرة للملك محمد السادس إلى فرنسا.

الاجتماع، الذي انعقد في قلب أكبر فضاء أوروبي مخصص للصناعات الدفاعية، يندرج في مسار سياسي واستراتيجي متدرج بدأ بإعادة الدفء إلى العلاقات بين البلدين بعد سنوات من الفتور، وتعزز بالموقف الفرنسي الجديد من قضية الصحراء، ثم بالزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون وعدد من الوزراء والمسؤولين الفرنسيين إلى الرباط، وينتظر أن يتوج خلال المرحلة المقبلة بمحطتين بارزتين، هما انعقاد اللجنة العليا المشتركة المغربية الفرنسية بالرباط في يوليوز المقبل، ثم زيارة الدولة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا.

وفي هذا الترتيب الزمني والسياسي، تبدو مباحثات لوديي وفوتران في العمق جزء من التحضير الهادئ لمرحلة جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية، هي مرحلة لا تكتفي باستعادة الثقة الدبلوماسية بل تسعى إلى تحويلها إلى شراكات ملموسة في قطاعات السيادة، وفي مقدمتها الدفاع والصناعات العسكرية والأمن الإقليمي.

وحسب المعطيات المتداولة حول اللقاء، فقد انصبت المباحثات على سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وباريس خصوصا في مجالات الصناعات الدفاعية والقدرات العسكرية، مع التأكيد على أهمية تطوير العلاقات بين الصناعات الدفاعية المغربية والفرنسية، وهي عبارات وإن كانت مألوفة في لغة البلاغات إلا أنها هذه المرة تحمل في سياقها الحالي دلالة سياسية واضحة فالمغرب، تتجاوز طرح تعاونه العسكري مع شركائه التقليديين بمنطق الاقتناء والتجهيز، إلى منطق بناء القدرات ونقل الخبرة وتوطين جزء من الصناعة وتنويع الشراكات دون التفريط في التحالفات التاريخية.

من هنا تكتسب باريس أهمية خاصة، ففرنسا التي تملك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية تطورا في أوروبا تدرك أن المغرب لم يعد مجرد زبون عسكري في جنوب المتوسط، بل فاعل إقليمي صاعد يبحث عن شراكات أكثر توازنا، وعن تموقع صناعي وأمني يتناسب مع تحولات محيطه الاستراتيجي من الساحل إلى الأطلسي ومن المتوسط إلى غرب إفريقيا.

أما الرباط، التي سرعت خلال السنوات الأخيرة تحديث قدراتها العسكرية، فإنها تنظر إلى التعاون الدفاعي باعتباره جزءا من تصور أوسع للسيادة الاستراتيجية فالمسألة باتت مرتبطة بالحصول على معدات متطورة، لكن أيضا بتأمين سلسلة كاملة من المصالح بما فيها التكوين، الصيانة، التكنولوجيا، الصناعة، الذكاء الاصطناعي العسكري، المراقبة، الأمن السيبراني، وأنظمة القيادة والتحكم وهي مجالات تمثل شرطا ضروريا في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.

ويأتي لقاء باريس في لحظة دقيقة بالنسبة لفرنسا أيضا، فباريس التي فقدت جزءا مهما من نفوذها التقليدي في منطقة الساحل وتراجعت مواقعها في عدد من الفضاءات الإفريقية تبدو في حاجة إلى إعادة بناء علاقاتها مع شركاء موثوقين ومستقرين في القارة، وفي هذا السياق يبرز المغرب باعتباره شريكا مختلفا فهو دولة مستقرة، ذات حضور إفريقي متصاعد وموقع أطلسي ومتوسطي حيوي وشبكة علاقات دولية متوازنة تمتد من واشنطن إلى بكين ومن الخليج إلى إفريقيا.

لذلك، فإن التقارب الدفاعي المغربي الفرنسي لا يمكن عزله عن التحول الأكبر في نظرة باريس إلى الرباط، ففرنسا تتعامل مع المغرب باعتباره منصة استراتيجية نحو إفريقيا والأطلسي، وفاعلا لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار والاستقرار الإقليمي.

وتزداد أهمية هذا المعطى في ضوء الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا، والتي أعلن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الفرنسي جان نويل بارو أنها أصبحت “مبرمجة” دون الكشف بعد عن تاريخها الرسمي، وبالنظر إلى طبيعة “زيارة الدولة” في الأعراف الدبلوماسية الفرنسية، فإن الأمر لا يتعلق بزيارة عادية بل بأعلى مستوى من الاستقبال السياسي والبروتوكولي الذي تخصصه الجمهورية الفرنسية لرؤساء الدول، عادة عندما تكون العلاقات الثنائية أمام لحظة تأسيسية أو انتقالية كبرى.

وكانت مصادر فرنسية مطلعة قد أسرت لـ”الصحيفة” في وقت سابق بأن الدينامية المتسارعة التي تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية خلال الأشهر الأخيرة، لا تنفصل عن التحضير لمعاهدة صداقة جديدة يرتقب أن يوقعها الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الدولة المرتقبة للعاهل المغربي إلى فرنسا، في ما يوصف داخل دوائر القرار في باريس بأنه لحظة إعادة تأسيس للعلاقة الثنائية بعد عقود من ارتباطها بإرث اتفاقية “لاسيل سان كلو” الموقعة سنة 1955.

ووفق المعطيات ذاتها، فإن المعاهدة الجديدة تروم بناء إطار استراتيجي شامل يمتد إلى الاقتصاد والصناعة والدفاع والثقافة والتنسيق الدبلوماسي، حيث تراهن باريس على جعل المغرب شريكها الاستراتيجي الأول خارج الاتحاد الأوروبي، فيما تسعى الرباط إلى ترسيخ شراكة أكثر ندية تقوم على الاستثمار المنتج ونقل التكنولوجيا والدعم السياسي الصريح في القضايا السيادية للمملكة.

وفي هذا السياق تكتسب المباحثات التي أجراها عبد اللطيف لوديي مع كاترين فوتران دلالة خاصة، باعتبارها تلامس أحد أكثر الملفات حساسية داخل المعاهدة المرتقبة وهو ملف الدفاع والصناعات العسكرية فبحسب المصادر ذاتها، تتجه باريس إلى مواكبة الطموح المغربي المتنامي في مجال التصنيع العسكري من خلال صيغ جديدة للتعاون تشمل نقل التكنولوجيا وتطوير مشاريع مشتركة في قطاعات الطيران العسكري والذخيرة والمدرعات والشاحنات العسكرية، بما ينسجم مع التوجه الذي تتبناه المملكة خلال السنوات الأخيرة للتحول من مستورد للمعدات العسكرية إلى فاعل صناعي إقليمي في مجال الصناعات الدفاعية، كما يرتقب أن يشمل التعاون توسيع برامج التدريب العسكري المشترك وتعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي وتبادل الخبرات في المجالات المرتبطة بالأمن السيبراني والأنظمة الدفاعية المتطورة.

ولا ينفصل هذا البعد الدفاعي عن رهانات جيوسياسية أوسع، إذ تفيد المصادر الفرنسية بأن المعاهدة الجديدة تتضمن كذلك التزاما فرنسيا أكثر وضوحا وقوة بدعم المغرب في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن الدولي والمؤسسات الأوروبية، إلى جانب تعزيز التعاون في ملفات الفلاحة والصيد البحري والاستثمارات الاستراتيجية، كما تراهن باريس على بناء شراكة جديدة مع الرباط في غرب إفريقيا مستفيدة من الحضور الاقتصادي والمالي المتنامي للمغرب في القارة في وقت تواجه فيه فرنسا تراجعا ملحوظا لنفوذها التقليدي في عدد من دول الساحل.

ومن هذا المنظور، فإن هذه الزيارة ينتظر أن تتوج، بحسب التصريحات الرسمية والمعطيات التي تحصلت عليها “الصحيفة”، بمعاهدة استراتيجية جديدة بين المغرب وفرنسا وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين البلدين وإذا تأكد هذا المسار فسنكون أمام وثيقة سياسية وقانونية قد تعيد تأطير العلاقة المغربية الفرنسية لعقود مقبلة ليس فقط في بعدها الدبلوماسي، بل أيضا في أبعادها الاقتصادية والدفاعية والصناعية والأمنية.

هنا بالضبط تظهر أهمية لقاء لوديي وفوتران، فالمعاهدات الكبرى تسبقها لقاءات تقنية وسياسية وأمنية واقتصادية يتم خلالها ترتيب الملفات وتحديد الأولويات واختبار جاهزية الطرفين للانتقال من لغة النوايا إلى هندسة الالتزامات، ومن ثم يمكن قراءة مباحثات باريس باعتبارها واحدة من اللبنات التحضيرية للمعاهدة المرتقبة، خصوصا في شقها الدفاعي والصناعي.

كما أن انعقاد اللجنة العليا المشتركة المغربية الفرنسية في الرباط، خلال يوليوز المقبل سيشكل محطة وسيطة بين لقاءات التحضير وزيارة الدولة المنتظرة، فمن المرتقب أن تسمح هذه اللجنة بجرد شامل لمستوى تقدم المشاريع المشتركة، وتحديد الملفات القابلة للإعلان أو التوقيع أو التعميق سواء في مجالات الاستثمار والطاقة والبنيات التحتية، أو في قطاعات السيادة التي باتت تحظى بمكانة مركزية في العلاقة بين البلدين.

وفي هذا الإطار، يبدو الدفاع جزءا من منظومة أشمل، فالصناعات الدفاعية ترتبط بالصناعة والتكنولوجيا والبحث العلمي والتكوين الهندسي والاستثمار، كما ترتبط بالسيادة الاقتصادية وبخلق منظومات إنتاج محلية قادرة على إدماج المقاولات الوطنية في سلاسل قيمة معقدة، وهذا ما يجعل التعاون المغربي الفرنسي في هذا المجال مرشحا لأن يتجاوز منطق الصفقات المحدودة إلى بناء شراكات أكثر استدامة.

ولابد من استحضار أن المغرب، الذي طور خلال السنوات الأخيرة شراكات دفاعية متنوعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والصين ودول أخرى، لم يعد مرتبطا بمورد واحد أو بمحور واحد فيما هذه السياسة القائمة على التنويع تمنحه هامشا أكبر في التفاوض، وتجعل أي شريك مطالبا بتقديم قيمة مضافة حقيقية سواء في نقل التكنولوجيا أو في التصنيع المشترك أو في التكوين المتقدم.

وبالمقابل، تدرك فرنسا أن العودة القوية إلى السوق الدفاعية المغربية تمر عبر خطاب جديد ومقاربة جديدة تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على بقايا منطق النفوذ التقليدي وهذا بالضبط ما تحاول باريس ترجمته منذ إعادة تموقعها الأخير تجاه المغرب وقضاياه الاستراتيجية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة