خريطة على شاشة تونسية تشعل الجدل في الجزائر

جسر بريس13 يونيو 2026آخر تحديث :
خريطة على شاشة تونسية تشعل الجدل في الجزائر

أثار بث إحدى القنوات التلفزيونية التونسية الرسمية لخريطة للمغرب خلال برنامج خصص للحديث عن الاستعدادات الخاصة بتنظيم كأس العالم 2026 موجة واسعة من الجدل داخل الجزائر، بعدما أظهرت الخريطة التراب المغربي كاملاً بما يشمل الأقاليم الجنوبية، مع امتداد نحو مناطق تقع داخل الحدود الجزائرية الحالية، الأمر الذي سرعان ما تحول إلى مادة دسمة للنقاش على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الجزائرية.

وتفاعلت الأوساط الإعلامية والسياسية الجزائرية بشكل لافت مع هذه الواقعة، معتبرة أن ظهور مثل هذه الخريطة على شاشة قناة عمومية تونسية لا يمكن أن يمر دون إثارة تساؤلات، خاصة في ظل المناخ الإقليمي المتوتر والعلاقات المتشنجة التي تطبع المشهد المغاربي منذ سنوات.

وأمام تصاعد ردود الفعل، سارعت القناة التونسية إلى إصدار بيان اعتذار أوضحت فيه أن الخريطة تم تحميلها من شبكة الإنترنت دون إخضاعها للتدقيق اللازم، مؤكدة أن الأمر يتعلق بخطأ غير مقصود ولا يعكس بأي شكل من الأشكال موقف المؤسسة الإعلامية أو الدولة التونسية من القضايا المرتبطة بالحدود والسيادة.

غير أن الاعتذار لم يمنع استمرار الجدل، إذ كشفت الواقعة مجدداً حجم الحساسية التي ما يزال يثيرها ملف الحدود بين المغرب والجزائر، والذي يعد من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ العلاقات الثنائية. فمجرد ظهور خريطة أو إشارة جغرافية مرتبطة بالمجال الترابي للبلدين كفيل بإعادة فتح نقاشات تاريخية وسياسية تتعلق بالسيادة والحدود والإرث الاستعماري.

ويرى متابعون أن ردود الفعل القوية التي أعقبت بث الخريطة تعكس استمرار حضور الذاكرة التاريخية في تشكيل المواقف السياسية والشعبية داخل المنطقة المغاربية. فالنقاش حول الحدود لم ينتهِ رغم مرور عقود على استقلال البلدين وتوقيع اتفاقيات لترسيم الحدود، بل ظل حاضراً في الخطاب السياسي والإعلامي وفي النقاشات العامة بين الفينة والأخرى.

وتستند العديد من القراءات التاريخية المغربية إلى وثائق وخرائط تعود إلى مراحل مختلفة من التاريخ، تشير إلى ارتباط مناطق تقع اليوم في الغرب والجنوب الغربي الجزائري بالمجال المغربي قبل الحقبة الاستعمارية، معتبرة أن الإدارة الفرنسية أعادت رسم الحدود وفق اعتبارات استعمارية وإدارية لا تعكس بالضرورة الامتدادات التاريخية والسياسية التي كانت قائمة آنذاك.

كما أعاد الجدل الذي أثارته الخريطة إلى الأذهان واحدة من أبرز محطات الخلاف بين البلدين، والمتمثلة في حرب الرمال سنة 1963، التي اندلعت بعد أشهر قليلة من استقلال الجزائر وخلفت تداعيات سياسية ونفسية استمرت لعقود، وأسهمت في ترسيخ حالة من عدم الثقة المتبادلة بين الجانبين.

ويكتسب هذا الجدل بعداً إضافياً بالنظر إلى السياق الدبلوماسي الراهن بين المغرب وتونس، والذي يشهد فتوراً غير مسبوق منذ سنة 2022، عقب استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد لزعيم جبهة البوليساريو خلال قمة دولية احتضنتها تونس، وهو ما دفع المغرب إلى استدعاء سفيره للتشاور، لتظل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين دون عودة كاملة إلى سابق عهدها.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو واقعة الخريطة التونسية أكثر من مجرد خطأ تقني أو مهني عابر، إذ أعادت تسليط الضوء على ملفات تاريخية وسياسية ما تزال حاضرة بقوة في الوعي الجماعي لشعوب المنطقة، مؤكدة في الوقت ذاته أن قضايا الحدود والخرائط تظل من أكثر المواضيع حساسية في العلاقات المغاربية، وقادرة على إثارة سجالات واسعة بمجرد ظهورها على شاشة تلفزيونية أو في فضاء رقمي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة