عز الدين السريفي
لم يكن تصريح الجنرال الإسباني المتقاعد فرانسيسكو خوسيه غان بامبولس، حين تحدث عن قدرة بلاده على «إطفاء المغرب خلال 24 ساعة»، مجرد رأي عسكري عابر، بل يكشف عن ذهنية سياسية وعسكرية لا تزال تنظر إلى العلاقة مع المغرب من زاوية القوة والردع والتهديد، بدل أن تنظر إليها باعتبارها علاقة جوار استراتيجي بين دولتين يفترض أن يجمعهما منطق المصالح المشتركة وحسابات الاستقرار الإقليمي.
ففي حديث نقلته صحيفة El Español، ذهب الجنرال المتقاعد، الرئيس السابق لمركز استخبارات القوات المسلحة الإسبانية، إلى أبعد من الحديث عن الدفاع عن سبتة، متحدثاً عن استهداف الموانئ والمطارات والاتصالات والمنشآت الاستراتيجية، ومعتبراً أن كل ما يطير مغربياً يمكن إسقاطه وكل ما يطفو يمكن إغراقه، قبل أن يختم بعبارة «إطفاء المغرب في 24 ساعة». (EL ESPAÑOL)
وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام تحليل عسكري مسؤول، أم أمام خطاب استعراضي موجه للاستهلاك الداخلي؟
فالجنرال المتقاعد يتحدث كما لو أن الحرب لعبة إلكترونية تُحسم بزر واحد، متجاهلاً أن أي مواجهة بين المغرب وإسبانيا لن تكون نزهة عسكرية ولا تمريناً على الخرائط، وإنما ستكون كارثة استراتيجية على ضفتي المتوسط، وستدفع ثمنها شعوب المنطقة قبل أن تدفعها الجيوش.
والأهم أن الحديث عن «إطفاء المغرب» يكشف خللاً جوهرياً في طريقة التفكير. المغرب ليس جزيرة معزولة يمكن شلّها بضربة جوية أو بحرية، وليس مجرد مجموعة أهداف عسكرية موزعة على خريطة. إنه دولة ذات عمق جغرافي وبشري ومؤسساتي، وتمتلك علاقات استراتيجية متعددة، وتعمل منذ سنوات على تحديث قدراتها الدفاعية وتطوير صناعاتها العسكرية وتعزيز شراكاتها الدولية.
ثم إن الجغرافيا التي يستند إليها الخطاب الإسباني نفسه لا تعمل في اتجاه واحد.
فإذا كانت الخريطة تمنح إسبانيا نقاط قوة، فإنها تمنح المغرب أيضاً أوراقاً استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
المغرب وإسبانيا لا يعيشان في عالمين منفصلين. هناك مضيق جبل طارق، وممرات تجارية، وشبكات طاقة، ومصالح اقتصادية، وحركة بشرية، واستثمارات، وتعاون أمني، وتنسيق في ملفات الهجرة والإرهاب والجريمة المنظمة. ولذلك فإن تحويل هذه العلاقة إلى سيناريو «إطفاء» و«إغراق» و«إسقاط» ليس استعراضاً للقوة بقدر ما هو استعراض لخطورة التفكير نفسه.
واللافت أن حديث الجنرال المتقاعد لم يأت منفرداً. فقد شاركه الأدميرال خوان رودريغيز غارات، القائد السابق للأسطول الإسباني، في تقديم سيناريو عسكري افتراضي يبدأ من معركة جوية وينتقل إلى استخدام مختلف القدرات العسكرية الإسبانية. (EL ESPAÑOL)
لكن حتى في هذا السيناريو، تظل كلمة «افتراضي» هي المفتاح.
فلا المغرب أعلن حرباً على إسبانيا، ولا توجد، وفق ما ظهر في المصادر الرسمية التي اطلعنا عليها، حرب وشيكة بين البلدين. وبالتالي فإن بناء خطاب كامل على فرضية غزو مغربي لسبتة ومليلية ثم تقديم قائمة بالأهداف التي يمكن ضربها داخل المغرب، لا يصنع أمناً، وإنما يصنع خوفاً ويغذي خطاباً قومياً متشنجاً.
والأكثر دلالة أن مدريد أعلنت في 25 غشت «حالة اهتمام بالأمن القومي» في سبتة، لكن المرسوم الرسمي الإسباني ربط القرار أساساً بالتدفق الكبير للمهاجرين خلال 30 و31 يوليوز، وبالضغط على الحدود والخدمات العمومية والقدرات الإنسانية والأمنية، وحدد مدة الإجراء إلى 31 دجنبر 2026. (Boe)
وهنا تظهر المفارقة بوضوح:
الدولة الإسبانية في وثيقتها الرسمية تتحدث عن أزمة هجرة وتنسيق إداري وأمني، بينما بعض الأصوات العسكرية المتقاعدة تتحدث بلغة الحرب وإطفاء المغرب.
فأيهما يمثل الدولة؟ منطق المؤسسات أم منطق المنابر؟
إن الدفاع عن الأمن القومي حق مشروع لكل دولة، لكن الأمن القومي لا يُبنى بالتهديدات الإعلامية، ولا يحتاج إلى عبارات من قبيل «كل ما يطير سيسقط» و«كل ما يطفو سيغرق». الأمن الحقيقي يقوم على الردع الهادئ، وعلى الدبلوماسية، وعلى معرفة حدود القوة، وعلى إدراك أن الحرب الحديثة لا تُقاس بعدد الطائرات والسفن فقط، وإنما أيضاً بقدرة الدول على تحمل آثارها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
ثم إن المغرب الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره مجرد جار جنوبي، لم يعد هو المغرب الذي تتحدث عنه بعض الخطابات الإسبانية القديمة.
لقد تغيرت موازين كثيرة في غرب المتوسط، وتطورت القدرات المغربية، واتسعت الشراكات الدولية، وأصبح المغرب لاعباً أساسياً في ملفات الأمن والطاقة والهجرة والاستثمار والتجارة في المنطقة.
وهذا تحديداً ما يجعل الخطاب الصادر عن بعض العسكريين الإسبان مثيراً للتساؤل: هل هو تعبير عن ثقة حقيقية، أم محاولة لإخفاء القلق من تحول ميزان القوة الإقليمي؟
فالدول الواثقة من قوتها لا تحتاج عادة إلى الصراخ بها كل يوم.
أما القول إن دولة يمكن «إطفاؤها» خلال 24 ساعة، فهو أقرب إلى الخطاب الدعائي منه إلى التقدير الاستراتيجي الرصين. لأن الحرب لا تنتهي عندما يعلن جنرال على شاشة تلفزيون أنه قادر على حسمها، وإنما تبدأ عند اللحظة التي يتعين فيها على السياسي والعسكري أن يشرحا لشعوبهما ثمنها الحقيقي.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح في مدريد ليس: كم ساعة تحتاج إسبانيا لإطفاء المغرب؟
بل: كم عقوداً ستحتاج المنطقة لإطفاء آثار حرب كهذه؟
إن المغرب لا يحتاج إلى الدخول في مباراة تصريحات مع جنرالات متقاعدين، ولا إلى الرد على الاستفزاز باستفزاز مضاد. قوة الدولة الحقيقية تكمن في قدرتها على ضبط أعصابها، حماية مصالحها، وتطوير قدراتها بعيداً عن الضجيج.
أما سبتة ومليلية، فهما في نهاية المطاف جزء من ملف سياسي وتاريخي معقد بين المغرب وإسبانيا، ولا يمكن اختزاله في مقاتلات «يوروفايتر» أو صواريخ «تورس» أو خرائط عمليات عسكرية افتراضية.
فالخرائط قد تحدد مواقع الجيوش، لكنها لا تحدد وحدها مستقبل الدول.
وإذا كان بعض الجنرالات المتقاعدين يريدون العودة إلى زمن لغة المدافع، فإن المغرب اليوم يملك من الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية ما يجعله قادراً على التعامل مع هذه الخطابات دون الانجرار إلى فخها.
أما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مدريد فهي بسيطة:
المغرب لا يبحث عن الحرب، لكنه أيضاً لا يخشى التهديد.
والفرق بين الدولة القوية والدولة التي تستعرض قوتها هو أن الأولى تعرف متى تستخدم القوة، والثانية لا تتوقف عن الحديث عنها.
وفي غرب المتوسط، حيث تتشابك المصالح وتتقاطع الجغرافيا والتجارة والطاقة والأمن، فإن الحكمة ليست في معرفة من يستطيع «إطفاء» الآخر خلال 24 ساعة، وإنما في معرفة كيف يمنع الطرفان تلك الـ24 ساعة من الوصول أصلاً.





