لقجع ليس وزير المالية.. كيف تحولت إشاعة على مواقع التواصل إلى “حقيقة” في أذهان البعض ؟

جسر بريس28 أغسطس 2026آخر تحديث :
لقجع ليس وزير المالية.. كيف تحولت إشاعة على مواقع التواصل إلى “حقيقة” في أذهان البعض ؟

عز الدين السريفي

تداولت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الأخيرة، ادعاءً مفاده أن فوزي لقجع هو وزير المالية في حكومة عزيز أخنوش، وأنه المسؤول بشكل مباشر عن دعم بعض الفئات والقطاعات، قبل أن تنتشر هذه الرواية على نطاق واسع في التعليقات والمنشورات، وكأن تكرارها كافٍ لتحويلها إلى حقيقة.

غير أن العودة إلى تركيبة الحكومة والاختصاصات الرسمية تكشف أن الأمر يتعلق بخلط واضح بين منصبين مختلفين.

فوزارة الاقتصاد والمالية تتولاها نادية فتاح العلوي، وهي الوزيرة المكلفة بالقطاع، في حين أن فوزي لقجع يشغل منصب الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية، المكلف بالميزانية. وبالتالي، فإن تقديم لقجع على أنه “وزير المالية” هو توصيف غير دقيق للصفة الحكومية التي يشغلها.

والأهم من ذلك أن النقاش حول السياسات العمومية، والدعم، والإنفاق الحكومي، لا يمكن اختزاله في شخص واحد أو في صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالميزانية تُعد وتُنفذ في إطار مؤسساتي، وتخضع لاختصاصات متعددة ومساطر قانونية وقرارات حكومية.

المفارقة أن الإشاعة لا تحتاج أحياناً إلى أكثر من جملة قصيرة، وصورة، وبعض التعليقات المتكررة حتى تبدأ في اكتساب مظهر “الحقيقة”. ومع تكرار الادعاء في صفحات مختلفة، يتوقف كثيرون عن السؤال: هل هذا الكلام صحيح أصلاً؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالاختلاف السياسي مشروع، وانتقاد الحكومة أو الوزراء حق طبيعي في النقاش العمومي، لكن ممارسة النقد على أساس معلومات غير صحيحة تفرغ النقاش من مضمونه وتحوله إلى مجرد تبادل للاتهامات والانطباعات.

وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للمعلومة بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين، بات التحقق من المعلومة مسؤولية جماعية. فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يتكرر يصبح صحيحاً، وليس كل صورة أو تعليق دليلاً على مسؤولية شخص عن قرار أو سياسة معينة.

القضية هنا ليست الدفاع عن فوزي لقجع أو عن نادية فتاح العلوي، بقدر ما هي دفاع عن الحد الأدنى من الدقة في النقاش العام.

فإذا كان من السهل أن تنتشر معلومة غير صحيحة حول منصب حكومي واختصاصاته، وأن يصدقها عدد كبير من الناس لمجرد أنها تكررت آلاف المرات، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا جميعاً هو: إلى أي حد أصبحت الإشاعة قادرة على صناعة وعي عام موازٍ للواقع؟

المشكلة ليست في أن يخطئ شخص في معلومة، وإنما في أن تتحول المعلومة الخاطئة، بفعل التكرار، إلى قناعة جماعية يصعب تصحيحها.

وهنا بالفعل تكمن “المصيبة الكحلة”: حين يصبح عدد مرات تداول الكذبة أهم من حقيقة المعلومة نفسها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة