جنرال الاستخبارات السابق جبار مهنا خلف القضبان.. هل يدفع ثمن أزمة “أمير دي زاد” أم صراع الأجنحة داخل النظام الجزائري ؟

جسر بريس13 يونيو 2026آخر تحديث :
جنرال الاستخبارات السابق جبار مهنا خلف القضبان.. هل يدفع ثمن أزمة “أمير دي زاد” أم صراع الأجنحة داخل النظام الجزائري ؟

في تطور لافت يحمل أبعاداً أمنية وقضائية وسياسية معقدة، أعادت السلطات الجزائرية الجنرال جبار مهنا، المدير الأسبق للمديرية العامة للوثائق والأمن الخارجي، إلى السجن العسكري بالبليدة، في خطوة تزامنت مع تصاعد تداعيات قضية محاولة اختطاف المعارض الجزائري المقيم بفرنسا أمير بوخرص، المعروف إعلامياً بـ”أمير دي زاد”، وهي القضية التي تحولت إلى أحد أكثر الملفات حساسية بين الجزائر وفرنسا خلال الفترة الأخيرة.

ويأتي هذا المستجد في ظرف دقيق تشهده العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعدما انتقلت القضية من مستوى السجالات السياسية والإعلامية إلى دائرة التحقيقات القضائية الفرنسية، ما فتح الباب أمام العديد من التساؤلات بشأن خلفيات وتوقيت إيداع أحد أبرز رجال الاستخبارات الجزائرية السابقين السجن العسكري.

ويرى متابعون أن الخطوة قد تحمل رسالة سياسية وقضائية موجهة إلى باريس، مفادها أن السلطات الجزائرية تتعامل مع الملف داخلياً عبر مؤسساتها المختصة، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة وتخفيف حدة الضغوط الدولية المتزايدة. كما لا يستبعد مراقبون أن يكون مهنا قد تحول إلى “كبش فداء” في إطار مساعٍ لامتصاص الغضب الفرنسي وإبعاد المسؤولية عن دوائر أكثر حساسية داخل النظام.

ويُعد جبار مهنا من أبرز الوجوه الأمنية التي بصمت على مسار الاستخبارات الجزائرية خلال السنوات الأخيرة. فقد شغل مناصب استراتيجية داخل أجهزة الأمن الخارجي، وكان من بين المسؤولين الذين أشرفوا على ملفات مرتبطة بالتحركات الاستخباراتية خارج الحدود، ما يجعل أي متابعة قضائية تطاله حدثاً استثنائياً يتجاوز شخصه إلى طبيعة التوازنات القائمة داخل المؤسسة الأمنية الجزائرية.

كما ارتبط اسم مهنا بجيل من الجنرالات الذين برزوا خلال فترة العشرية السوداء، وهي المرحلة التي شهدت صعود نخبة من القيادات العسكرية والأمنية التي ظلت لعقود تتحكم في مفاصل القرار السياسي والأمني بالجزائر. وعُرف أيضاً بقربه من شخصيات نافذة داخل المؤسسة العسكرية، من بينها وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، إضافة إلى الرئيس السابق لجهاز المخابرات محمد مدين، ما جعله محسوباً على أحد التيارات التقليدية الأكثر نفوذاً داخل النظام.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يجد فيها الجنرال مهنا نفسه خلف أسوار السجن العسكري. ففي أعقاب الحراك الشعبي سنة 2019، أوقف بتهم تتعلق بالإثراء غير المشروع وإساءة استعمال السلطة، قبل أن يغادر السجن سنة 2020 ويعود تدريجياً إلى مواقع المسؤولية، حيث تولى قيادة مديرية مكافحة الإرهاب، ثم عُين في شتنبر 2022 مديراً عاماً للوثائق والأمن الخارجي.

وخلال فترة توليه هذا المنصب، شارك في عدد من الملفات الإقليمية التي أولتها الجزائر أهمية خاصة، خاصة ما يتعلق بالأزمة في منطقة الساحل وملف مالي، كما رافق وزير الخارجية أحمد عطاف في تحركات دبلوماسية وأمنية هدفت إلى تعزيز الحضور الجزائري في المنطقة واستعادة أدوار إقليمية تراجعت خلال السنوات الماضية.

غير أن المسار الصاعد للرجل انتهى بشكل مفاجئ، بعدما وجد نفسه خارج دائرة النفوذ، قبل أن يتحول اليوم إلى أحد أبرز الأسماء المرتبطة بملف يحرج السلطات الجزائرية على الصعيد الدولي ويضع أجهزتها الأمنية تحت مجهر المتابعة القضائية والإعلامية.

وتتجاوز دلالات هذه القضية شخص الجنرال جبار مهنا، إذ تعكس في العمق التحولات المتسارعة التي تعرفها الجزائر داخل أجهزتها الأمنية والعسكرية. فمنذ أشهر تشهد البلاد سلسلة من التغييرات والإعفاءات والتعيينات في مواقع حساسة، ما يعزز فرضية وجود عملية إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى داخل النظام.

ويرى مراقبون أن ما يجري اليوم يكشف عن صراع نفوذ متنامٍ بين أجنحة متعددة داخل السلطة الجزائرية، في ظل سعي المؤسسة العسكرية إلى تعزيز قبضتها على الملفات الاستراتيجية، مقابل محاولات الرئاسة الحفاظ على توازنات دقيقة داخل هرم الحكم. كما توحي التطورات الأخيرة بأن هذا الصراع تجاوز مرحلة التنافس غير المعلن، ليدخل دائرة أكثر حساسية تتداخل فيها الحسابات الأمنية والقضائية والسياسية، في وقت تواجه فيه الجزائر تحديات داخلية وخارجية متزايدة.

وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الجارية وتطورات الملف الفرنسي، يبقى اعتقال جبار مهنا مؤشراً جديداً على حجم الاضطرابات التي تعيشها مراكز القرار في الجزائر، وعلى أن معركة النفوذ داخل أروقة السلطة لم تصل بعد إلى محطتها الأخيرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة