“العمدة” في مواجهة حرب التبليغات.. معركة رقمية تكشف هشاشة المنصات أمام الاستهداف المنظم

جسر بريس10 يونيو 2026آخر تحديث :
“العمدة” في مواجهة حرب التبليغات.. معركة رقمية تكشف هشاشة المنصات أمام الاستهداف المنظم

عز الدين السريفي

لم يعد الفضاء الرقمي في السنوات الأخيرة مجرد مجال مفتوح لتبادل الأفكار والآراء، بل أصبح ساحة صراع حقيقية تتقاطع فيها المصالح السياسية والإعلامية، وتُستخدم فيها أدوات جديدة لإسكات الأصوات المؤثرة بعيدًا عن المواجهة الفكرية المباشرة. وفي هذا السياق، يندرج ما تعرض له الصحفي والإعلامي المصري المقيم بالمغرب، عماد فواز المعروف بـ”العمدة”، بعدما فقد قناته على منصة يوتيوب إثر حملة تبليغات مكثفة، في واقعة أعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود حرية التعبير وآليات عمل المنصات الرقمية الكبرى.

فمنذ سنوات، استطاع “العمدة” أن يفرض حضوره داخل المشهد الإعلامي الرقمي العربي من خلال محتوى تحليلي منتظم يركز على عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية. وقد اعتمد في ذلك على إنتاج يومي متواصل، قائم على قراءة الأحداث وتفكيك الخطابات الإعلامية المضادة، وهو ما جعله يحظى بمتابعة واسعة داخل المغرب وخارجه.

غير أن التأثير المتزايد لبعض صناع المحتوى والإعلاميين المستقلين بات يثير قلق جهات مختلفة تجد نفسها عاجزة عن مجاراة الحضور الجماهيري الذي يحققونه. وعندما تفشل الحجة في إقناع الجمهور، وتتعثر الرواية المضادة في تحقيق الانتشار المطلوب، يصبح اللجوء إلى أساليب أخرى أكثر سهولة، من بينها حملات التبليغ الجماعي التي تستهدف الحسابات والقنوات المؤثرة بهدف إرباكها أو تعطيلها أو إغلاقها بشكل كامل.

وتكشف قضية إغلاق قناة “العمدة” عن إشكالية أعمق تتجاوز شخص صاحب القناة نفسه، وتتعلق بمدى فعالية وعدالة الأنظمة الرقمية التي تعتمدها المنصات العالمية في التعامل مع التبليغات. فهذه المنصات تجد نفسها أحيانًا أمام آلاف الشكاوى الموجهة ضد حساب أو قناة معينة، ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات سريعة قد تصل إلى الإيقاف أو الحذف، دون أن يكون هناك دائمًا تمييز واضح بين التبليغات الحقيقية والتبليغات المنظمة ذات الخلفيات السياسية أو الإيديولوجية.

هذا الواقع يطرح أسئلة جوهرية حول هشاشة بعض آليات الحماية الرقمية، وحول إمكانية تحول خاصية التبليغ، التي وُجدت أساسًا لمحاربة المحتويات المخالفة، إلى أداة للرقابة غير المباشرة وتصفية الحسابات بين الأطراف المتنازعة. كما يثير تساؤلات بشأن قدرة المنصات على التحقق من النوايا الحقيقية وراء الحملات الجماعية التي تستهدف حسابات بعينها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحتوى سياسي أو إعلامي يثير الجدل.

وفي المقابل، أظهرت تجربة عماد فواز أن إغلاق قناة أو حساب لا يعني بالضرورة إسكات صاحبه أو إنهاء حضوره. فبعد وقت وجيز من فقدان قناته، عاد لإطلاق منصة جديدة ومواصلة نشاطه الإعلامي، في مؤشر على أن المعركة الرقمية لم تعد مرتبطة فقط بالأدوات التقنية، بل أصبحت مرتبطة أساسًا بالقدرة على إنتاج المحتوى واستقطاب الجمهور والمحافظة على الثقة التي تُبنى عبر سنوات من العمل المتواصل.

إن ما جرى يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الصراعات الإعلامية المعاصرة، حيث لم تعد المواجهة تدور فقط حول كسب الرأي العام، بل أصبحت تشمل أيضًا محاولة حرمان الخصوم من الوصول إليه. وبين حرية التعبير من جهة، وضرورة ضبط المحتوى الرقمي من جهة أخرى، تبدو المنصات العالمية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإيجاد توازن دقيق يحمي المستخدمين من الانتهاكات الحقيقية، دون أن يسمح بتحويل أدواتها إلى وسائل لإسكات الأصوات المخالفة أو الحد من التعددية الإعلامية.

وفي النهاية، فإن قضية “العمدة” ليست مجرد قصة قناة أُغلقت وأخرى أُنشئت، بل هي نموذج يعكس التحديات المتزايدة التي تواجه الإعلام الرقمي في عصر أصبحت فيه الحروب الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من معارك التأثير وصناعة الرأي العام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة