محمد شوكي.. الرجل الذي تحدث عن مغربٍ لا يعرفه معظم المغاربة

جسر بريس5 يونيو 2026آخر تحديث :
محمد شوكي.. الرجل الذي تحدث عن مغربٍ لا يعرفه معظم المغاربة

عز الدين السريفي

أثار الظهور الإعلامي الأخير لمحمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، في برنامج “ساعة الصراحة”، موجة واسعة من التفاعل والسخرية والنقاش على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن ما بدا للكثيرين تعثراً سياسياً وإعلامياً، يمكن قراءته من زاوية مختلفة باعتباره لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة السياسية التي يعيشها المغرب، وللنموذج القيادي الذي أفرزته تجربة التجمع الوطني للأحرار خلال السنوات الأخيرة.

ففي الوقت الذي اعتبر فيه منتقدون أن شوكي أخفق في إيصال رسائل مقنعة للمغاربة، وأنه ظهر بعيداً عن انشغالات المواطنين اليومية، يرى متابعون أن الرجل لم يفعل سوى التعبير الصريح عن رؤية سياسية تشكلت داخل دائرة اجتماعية واقتصادية محددة، تختلف في إدراكها للواقع عن إدراك فئات واسعة من المغاربة الذين يواجهون تحديات الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.

وكان أكثر ما أثار الجدل تصريح شوكي بشأن أجواء عيد الأضحى، عندما أكد أنه لا يعرف في محيطه أشخاصاً لم يتمكنوا من إحياء شعائر العيد. وهي عبارة تحولت سريعاً إلى مادة للسخرية والنقد، لكنها في العمق كشفت حجم الهوة بين جزء من النخبة السياسية وبين شرائح اجتماعية واسعة تشعر بأن معاناتها لا تجد طريقها إلى دوائر القرار.

من أخنوش إلى شوكي.. استمرارية أكثر من كونها قطيعة

يصعب، وفق عدد من المحللين، فهم شخصية محمد شوكي السياسية بمعزل عن المسار الذي قاده إلى رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار. فالرجل يعد من الوجوه التي صعدت داخل الحزب خلال مرحلة إعادة البناء التنظيمي التي قادها عزيز أخنوش، والتي حولت الحزب من إطار انتخابي تقليدي إلى قوة سياسية تمتلك شبكة تنظيمية وانتخابية واسعة.

وخلال هذه المرحلة، تدرج شوكي في عدد من المسؤوليات الحزبية والبرلمانية إلى أن وصل إلى رئاسة الفريق النيابي، قبل أن يتولى قيادة الحزب في سياق اعتبره كثيرون انتقالاً منظماً للقيادة داخل المنظومة نفسها، أكثر منه تغييراً في التوجه أو الرؤية.

وتعزز هذه القراءة الاعتقاد بأن خروج أخنوش من رئاسة الحزب لا يعني بالضرورة خروجه من التأثير داخل بنيته التنظيمية والسياسية، خصوصاً أن التجارب الحزبية الكبرى غالباً ما تحتفظ بمراكز نفوذها حتى بعد تغير الوجوه الرسمية التي تتصدر المشهد.

“الاكتوارية”.. حين تعجز لغة الخبراء عن تفسير الواقع

ومن بين اللحظات التي أثارت اهتمام المتابعين خلال الحلقة، محاولة شوكي الاستناد إلى مصطلحات تقنية واقتصادية لتفسير بعض الظواهر الاجتماعية والاقتصادية. غير أن تعثره في استعمال مصطلح “الاكتوارية” تحوّل إلى رمز سياسي أكثر منه خطأ لغوياً.

فالمشكلة بالنسبة إلى منتقديه لم تكن في الكلمة ذاتها، بل في ما تمثله من نزوع لدى جزء من الطبقة السياسية إلى الاحتماء بلغة الخبراء والتقنيين عند مواجهة أسئلة اجتماعية بسيطة ومباشرة. وهي مفارقة تجعل الخطاب السياسي يبدو أحياناً منفصلاً عن لغة الناس وهمومهم اليومية.

هل يمثل شوكي نموذج رئيس الحكومة المقبل؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بدأ اسم محمد شوكي يطرح في بعض النقاشات السياسية باعتباره أحد الوجوه التي قد تجد نفسها مستقبلاً في قلب معادلة تشكيل الحكومة، خصوصاً إذا تمكن حزب التجمع الوطني للأحرار من تصدر الانتخابات المقبلة.

ويستند هذا الطرح إلى مقتضيات الدستور التي تجعل رئيس الحزب المتصدر للانتخابات المرشح الأول لقيادة الحكومة، فضلاً عن كون شوكي يمثل استمرارية لنهج سياسي وتنظيمي نجح في المحافظة على تماسك الحزب رغم التحولات التي عرفها خلال السنوات الأخيرة.

غير أن هذا الاحتمال يطرح في المقابل أسئلة جوهرية حول طبيعة القيادة السياسية المطلوبة في المرحلة المقبلة: هل تحتاج البلاد إلى شخصية تكنوقراطية تدير الملفات بمنطق الأرقام والمؤشرات؟ أم إلى قيادة أكثر التصاقاً بالنبض الاجتماعي وقادرة على استيعاب التحولات التي تشهدها فئات واسعة من المجتمع؟

ما بعد “ساعة الصراحة”

بعيداً عن السخرية التي رافقت الحلقة، يبدو أن ظهور محمد شوكي الإعلامي لم يكن مجرد مقابلة تلفزيونية عابرة، بل مناسبة كشفت الكثير من ملامح العلاقة المعقدة بين السياسة والمجتمع في المغرب.

فالرجل ظهر كما هو، دون كثير من محاولات التجميل الخطابي التي يلجأ إليها السياسيون عادة. ولذلك يرى بعض المتابعين أن الحلقة لم تضعفه سياسياً بقدر ما قدمت صورة واضحة عن مدرسة سياسية كاملة، تعتمد منطق التدبير والتقنية والشبكات التنظيمية أكثر مما تعتمد الخطاب الشعبي والتواصل العاطفي مع المواطنين.

وفي النهاية، قد لا يكون الجدل الذي أثاره شوكي مرتبطاً بشخصه فقط، بل بما يمثله من نموذج سياسي أصبح عنواناً لنقاش أوسع حول طبيعة النخب الحاكمة، وحدود قدرتها على فهم التحولات الاجتماعية المتسارعة، ومدى نجاحها في بناء جسور الثقة مع فئات تشعر بأنها أصبحت خارج “العينة” التي تُبنى عليها السياسات والقرارات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة